أهداني الشاعر القاص د. فهد إبراهيم البكر مجموعته القصصية» كحل عينيك صار خالا» الصادرة عن بيت الشام للصحافة والنشر والترجمة في سلطنة عمان 2016م المجموعة عبارة عن قصص قصيرة جدا بعدد 75 قصة تقريباً. استهل المجموعة بقصة بعنوان: «لقاء أبكم» ص 10 جاء فيها: (يأخذ بيده نحو نصب متناثرة، يمشيان مابين الأجداث، بينما هو يبحث عن قبر أمه، يعصر يد أخيه الصغير ذي السبع سنوات، يحس بعرق يتصبب منها بعد أن سأله:أين أمنا؟ وماذا ستقول لنا؟ فتبتل يده الأخرى بدمع عينيه، يتوه مابين بلل اليدين والخدين، وطعنة السؤال وخرس الموتى، ويقول له:لا أحد يتكلم هنا ياصغيري.!!) القصة تحمل شحنة عاطفية قوية عبر مشهد بسيط لكنه عميق الدلالة ينقل إحساس الفقد والحزن بطريقة مباشرة ومؤثرة، خاصة من خلال تفاعل الأخ الأكبر مع أخيه الصغير في أسلوب شعري إلى حد ما، ولا غرابة فالمؤلف شاعر متمكن، واعتمد في قصته التي افتتح بها المجموعة على الإيحاء والتكيف في لغة سلسة وجميلة. كما استخدام الأفعال الحسية مثل «يعصر»، «يحس» «تبتل» «يتوه» كي يعزز المشاعر ويوصل الألم بوضوح.
أما في قصة «ذباب واكتئاب» ص
اعتمد الكاتب البكر على السخرية والرمزية في نقد الشخصية الإدارية غير الكفؤ، إذ صور مسؤولا مشغولا بصيد الذباب بدلا من أداء واجباته.
كما أراد البكر أن يرمز بانشغال الشخصية بصيد الذباب إلى عدم جديته وانصرافه عن المهام الحقيقية، مما يعكس الفشل الإداري لبعض المسؤولين الذين يركزون على التفاصيل التافهة بدلا من الأهداف الجوهرية.
وفي نهاية القصة ذكر أن العزل من المنصب يأتي كعقوبة طبيعية على الإهمال، مما يحقق عدالة مجتمعية، والقصة، رغم قصرها، تحمل نقدا لاذعا لضعف بعض المسؤولين الذين يضيعون وقتهم في الأمور الهامشية، وتنتهي بمفارقة ساخرة تكشف هشاشتهم عندما يُختبرون في العمل الحقيقي.
أما في قصة «طائر مفقود»ص وهي من نوع الومضة اعتمد فيها على التكثيف والرمزية أيضاً في تناول فكرة الفقدان العاطفي والانفصال المفاجئ. والقصة تبرز بأسلوب موجز لكنها تحمل دلالات عميقة. تبدأ بجملة قوية تعكس التضحية المطلقة: ذكر ضمن القصة :»لو يطلبها الروح لم تتردد في منحها إياه.»هذه الجملة توحي منذ البداية لعلاقة غير متكافئة، حيث تعطي البطلة كل شيء بلا تردد، مما يجعل الفقدان أكثر إيلاما فيما بعد وقدم الحب بصورة مثالية من طرف البطلة، بينما الرجل يرد عليها بـ«حب خرافي» عبر القصائد، ثم كتب «فجأة يطير عنها بعيدا»، اعتقد إن الكاتب عبر عن الانتقال الفجائي من الرومانسية الحالمة إلى الفراق دون مقدمات، أراد فيه وقع المفارقة كما صورها لتبحث عنه بين أسراب الطيور المهاجرة مما يعكس التيه العاطفي، فهي لا تزال متعلقة به حتى بعد رحيله، وكأنها تتشبث بأمل زائف.
والقصة عموماً تناقش عدم التكافؤ العاطفي، حيث تعطي البطلة بلا حساب بينما الطرف الآخر يغادر بسهولة. كما تعكس حالة الإنكار بعد الفقد، حيث تظل البطلة تبحث عنه في أفق بعيد رغم أنه مضى وانتهى.
أما في قصة «من حال إلى حال» ص 22 لاتزال فكرة التحول السلبي عبر جملتين فقط. الانتقال من الماضي إلى الحاضر يتم بسلاسة، مع تركه القارئ أمام مفارقة مؤلمة.فقد جاءت القصة :(قديما كانت سردا مشوقا ترويه الحسان في هزيع الليل، والآن أضحت بيت شعر أختل وزنه فاضطرب).
والمعروف أن اختلال الوزن في الشعر يفقده قيمته ولم يعد في جماله السابق، بل أصبح مشوها فلا قيمة له وهكذا شبه الحب حين تختل أركانه.
أما في صفحة 80 نقلنا الكاتب إلى قصة «أقصر من مثيلاتها حين كتب قصة قصيرة جدا من 8 كلمات فقط: (الآن بعد أن رأتها عيناك، آن لها الابتسام). القصة تلتقط لحظة إنسانية شديدة الرهافة بأقل عدد من الكلمات، توضح مشاعر الفقد واللقاء بأسلوب جميل.
تميزت المجموعة القصصية» كحل عينيك صار خالا « للدكتور فهد البكر بجمال سردها وعمق رمزيتها، حيث امتزجت السهولة بالعمق في نسيج لغوي شائق يأسر القارئ منذ الوهلة الأولى. لم أتطرق إلى العتبات النصية، إذ رأيت في ذلك تكرارا لا يضيف جديدا ، فضلًا عن أن هذه العتبات، وفي سياق المجموعة القصصية، لا تحمل ذات الدلالة التي تمتلكها في العمل الروائي المتسلسل، حيث تتماهى مع البنية السردية وتكشف عن مكنوناتها الداخلية بوضوح أشد.
** **
- براك البلوي