Culture Magazine Thursday  11/02/2010 G Issue 298
مراجعات
الخميس 27 ,صفر 1431   العدد  298
 
كأنني أرى شيئا
سامي القريني
130 صفحة من القطع المتوسط
سامي القريني

فينا نحن البشر أن يبصر الأشياء. وفينا من يبصر بعض الأشياء.. وفينا من لا يبصر شيئاً حتى وعيونه مفتوحة على كل شيء.

وأي شيء.. العبرة ليست بمجرد إبصار العينين ولو كانتا واسعتين ومفتوحتين.. وإنما بإبصار البصيرة التي تختزن في وعائها شواهد ومشاهد ما ترى.

شاعرنا القريني لم يحسم الشك باليقين وهو يرى الأشياء من حوله. وإنما خُيّل إليه أنه يرى شيئاً.. ترى ما هو هذا الشيء الذي كاد أن يبصره..؟

يقدم ديوانه ببيتين معبرين مبصرين على ما أحسب»:

يد ليس فيها سوى اصبعين

ودمع غريب كئيب ينادي

ويبحث عن موطن وسط عيني

سيعلم كل الذين تناسوا وجودي

من هم هؤلاء الذين جحوده وتناسوا حقه في الحياة؟!

(حورية مطر) بداياته..

ذي مواويلي. وذا شجري

أي طير في لم تطر؟!

ذي شبابيكي تساؤلني

أينها حورية المطر؟!

ونحن جميعاً بدورنا نسائله.. وننتظر منه الجواب:

ذي عيوني ملها بصري

ذي يدي ماتت من الحذر

إن بي حزناً.. بلا أمل

إن بي بحراً من الضجر..!

كل هذا الإحساس بالعجز.. وهو لا يرى شيئاً.. الذي لا يرى هو غير القادر على التعبير والشكوى..

جسد بلا ماء موات.. الحياة حلم ودم متدفق يمنحها الحيوية.. رفيق رحلتنا على عادته يؤكد جفاف مائه من سمائه.. هل إنه جفاف حب؟

من أي دمع سوف أذرف دمعتي؟

وبأي أرض سوف أزرع غربتي؟

وبأي آه سوف أعلن صرختي؟

تساؤلات ثلاث نلتمس الإجابة عليها من قلمه إن لم يكن من فمه..

لك ترحمي..! لن تفهمي.!

لو مرة يبتل قلبك من دمي

لو مرة غرقت شفاهك من فمي

وينتهي به مطاف الشوق.. وقطاف الشوك واليأس إلى إعلان وصية وفاته:

يا رفاقي.. إن مت لا تبكو عليّ

خذوا عظامي واتركوها عندها

قولوا لها قد كان ينتظر التلاقي

انطفأت قناديل حبه دموعاً من قافية غطت حديه الشاحبين.. ولا شيء بعد ذلك..

شاعرنا في موقف لا يحسد عليه.. لقد أضناه تعب العمر. وسغب الحياة فكان له هذا الخطاب الأشياء بالرثاء..

هذي شموسك بعد الليل تحتجب

ماذا جرى؟ أخيال الموت يقترب؟

كأن فيك بحاراً لا تحاورها.

إلا ودمعك من عينيك منسكب

لملم جراحك. وانهض واستقم أبداً

وقل سأمشي ولو عكازي السغب

من شاخت به الايام وآلام الكبر لا يقوى على لملمة جراح العمر لو أراد.. إنها تغريه للنفس..

(بكى.. واشتكى) عنوان جديد:

بكى من حنين به. أم ضجر؟

بكى أم تضاحك حدّ الكدر؟

أأسكنه قلبه بالطعون

فصار يحاور كل البشر؟

أيا غيمة الموت لا تمطري!

ويا أسود الليل لا تعتكر!

ويطرح سؤالاً حائراً على نفسه:

أيا نصف حي. لماذا الحياة؟

ويا نصف أعمى لماذا البصر؟

بكى. واشتكى لارتعاش النسيم

وغنى فأبكى حفيف الشجر.

أنا أقول له.. إن نصف الحياة بعض حياة.. ونصف البصر بعض بصر.. هما ما تبقى للكبر من رصيد.. ليحمد الله عليه.. هما أهون من الموت ومن العمى!

في خطابه الروحاني تجليات شاعر لمن يستحق من الذكر أجمله.. ومن الثناء أفضله:

بالنور طهّر دمي. وامسح على غضي

حتى أجيئك مغسولاً من التعب

حتى أجيء بلا ذنب وفي كبدي

حب الأئمة محفوف بألف نبي

وعندما يتشظى الكون في قلمي

فاعلم بأنك قد سافرت في هدبي

وبلغة التساؤل المملوءة بالخشوع:

فكيف أمشي وأحلامي تعانقني

وفيّ تبحث عن سيقانها ركبي؟

تسقي عروقي خشوعاً ثم ترفعني

حتى أهيم بوادي الليل والشهب

ويختتم رسالته الإيمائية قائلاً:

فأنت شمس الدنا والناس ظلمتها

وللجبين بريق ليس في الخشب

الكثير من عناوينه يستوقفك رغبة في قراءة تأملاته.. يأخذك بجميل عبره. وتعبيراته.. واحدة منها كتبها على دمه:

دمك ارتوى عطش الرمال

وأنار داجية الليالي

واستوطن الكلمات صقراً

وكره مهج الخيال.

إني ليعصرني الأسى..

وأنا ألملم ثرى السؤال

ماذا سأكتب والحروف

مع الدفاتر في قتال..؟

حيرة تأخذه بين طموح الكملة وجنوحها.. بين إحساسها وإسفافها.. يخلص من حيرة إلى فهم لا يبرحه لأنه عقيدة شاعر ونهج مشاعر:

الشعر يبقى حادي الأر

واح نحو ذرى المعالي

هذا عن القصيد.. ماذا عن القصد في تأملاته؟ وهو يشخص بعقلة إلى التراب الصامت الصارخ في خطابه!

حتى التراب له في النهائيات فم

له عيون بها دمع الرجال دم

له يد كل ما طالت أصابعها

صارت سماء عليها تتكي الديم

أكياس جمر تشظت في الفضا رجها

حتى تقاتلت الأنوار والظلم

إني لترتبك الدنيا على وتري

كأنما بلهيبي يمزح النغم..

لماذا؟ إنه يشهد الارض وقد زلزلت زالها.. وأفرجت أثقالها في صراع بشري دموي محموم.. خاف يتبارى على تاريخه وعزة قومه:

الآن أنت فزلزل كل من ظلموا

ومن ادالوا. ومن غالوا. ومن هدموا

نبقى. وتبقى جباه العرب عالية

ما مسها قط لا ذل ولا وصم

التراب أرض لها صوت يتكلم بلغة أهلها.. أليست الارض بتتكلم عربي؟!

فخر لأنك يا عملاق يا وطني

والشعر يدنو بجوف الروح تزدحم..

يخاطب أمه.. وهل في الحياة أغلى من الأم؟

ما شئت قولي. ولكن خففي العتبا

فإنني علك النيران واللهبا

أمي أحبك حبا لو علمت به

لأنبت الرمل في أحشائه شهبا

وغنت الأرض في عينيك من غنج

وسال دمعك من فرط الجوى ذهبا

يا جنة الله في الدنيا إليك مشى

قلبي على مرتقى دقاته خببا

واعشوشب الشعر في كفّي أغنية

وافلت الشوق عن أحداقي الهدبا

قليل من كثير لكنه كثير وأثير قاله في حب أمه عن اقتدار وبرصاغة دررا.. ونظمه شعراً.. ومن الشعر ما يسحر بجلال محتواه.. وجمال طرحه.. ومع هذا شعر يعجز شعره في أن يوفيها حقها.. قال معتذراً

فلتعذرينني إن أجرمت في ولهي

حتى جعلتكِ لي في ذا الزمان أبا..

كانت كما تريد الأب.. والأم.. والخالة والعم.. هذا ما عبرت عنه وأجدت التعبير..

عاد منها شاعرنا الأصيل سامي القريني إلى عنوان ديوان (كأني أرى شيئاً) ماذا يدور في ذهنه؟!

كأني أرى شيئاًز ولكنني أعمى

تحيرني الدنيا وأبقى أنا الأسمى

أريد من الأيام أن تستجيب لي

فبي شغف أن أملك الشمس والنجما

ولكن بي خوفاً تشظى بداخلي

يدمرني يأساً ويورثني سقما

ولكنني سر عميق لو انجلى

لأسمع حتى اصم وأستنطق البكما

إلا هذا.. من طلب المحال استوطن الخيال.. فلا أنت الأسمى لو شئت.. ولا الأيام في طوعك.. ولا الشمس والنجوم في فلكك العاجز.. ولا أنت القادر

لو حاولت على أسماع الصم، واستنطاق البكم.. الخيال سرح بك.. أخذك للامعقول.. قبلك كثيرون طرحوا طموحاً، أو مديحاً ذاتياً ما زال يلاك بألسنة المواقعيين غير مصدقين لما قاله المتنبي مثلا عن نفسه وهو يطري شعره وذاته..

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي!

وأسمعت كلماتي من بعد صمم!

نعم.. كأنك لا ترى شيئاً.. ولم تقل شيئاً.. دعك في طموحك.. وفي روحك الشاعرة التي أهنئك عليها..

(الغربة) في حياة الشعراء مصدر إلهام فيه الإيلام.. وفيه النجوى.. وبث الشكوى:

طويل هو المسرى ودنياي بلقع

ودقات قلب المرء بالموت تقرع

تجرعت سما من حياتي وها أنا

خطاي إلى أعتاب قبري تُسرع

أأبكي، وهل في المدمع كنز أناله

سوى أنني باب التنهد أشرع؟

تغربت عن داري. فأين أفر من

عذابي، وصدري بالمنية منزع

طافت في خيال شاعرنا مجموعة صور التقطتها عدسة حياته.. الحساء من حوله.. الذئاب البشرية المتربصة. المخادعون.. جيران السوء.. وأشياء كثيرة اغتالت حلمه وأخذته معها إلى مساءلة النفس..

لك الله يا نفساً تثور بداخلي

لأنتِ من الأيام أسمى وأرفع

جميل أن نحتفظ للنفس بسموها ورفعتها..

خاطرة الموت.. وما قبل الموت تعمر شعره.. بل تغمره بضبابية لا يأنس لرؤيتها كأي إنسان يحب الحياة ولا ينكر النهاية هذا ما لمسته في أكثر من عنوان حتى النخلة أعطى لها ردها مرتجفة تخشى غائلة العمر:

نخلة الروح فيكَ ترتجف

وعيون م القلب تنذرف

ومن الجرح تستطيل شعاعا

وتنادي ويذبل السعف

لم يعد في ديكِ غير يباس ال

سمر يرثيه دامعاً شغف

لكل الكائنات الحية أرواح.. وحياة.. ميلاد.. ونمو.. ونضج.. وضعف.. وموت.. عملية إحلال لا تنتهي بذبول أو رحيل أو أفول.. محطات وافرة الظلال مرت مرور الكرام. لمن سوف أبقى.. فوعد في الحنة.. نمارس الشعر. التوبة.. نهران من فضة.. قميص الرحيل.. تجاوزناها تحسبا لعناوين ومضامين تصنيف الينا ثقافة جديدة.. هكذا جاءت الرغبة.. إلا أن شاعرنا أعد لنا جبلا جليديا من مشاعره الحزينة.. يصعب اختراقه.. إنه دائماً يسرف في الشكوى.. هكذا قال وهو يرسم لوحة رمادية ما برحت تتكاثر.. وتتناثر خطوطها.

من حكمة تتكاثر الأحزان

الخوف والتنهيد والحرمان

من حكمة يغبر وجه زماننا

وتفر من أكفانها الأبوان

وتظل طول العمر تشكو لوعة

ويجف فينا الصبر والنسيان

ويموت في أشعارنا كرز القوة

ويبيت يذب حظه الرمان

ليس هذا فحسب -الكريم يذل من الذليل.. القريب غريب.. والصديق صفيق.. لم يبق على شيء في زمن ماتت فيه القيم وانتحرت فيه الأشواق، واندحرت فيه الأخلاق.. ربما كان قاسياً.. فما برح للخير اتباع.. وربما كان صادقاً فما زال للشر صُناع..

أسرفت في الشكوى لأني جالس

في الصدر نسرا ريشه أحزان

أخيراً.. ينتهي بنا المطاف إلى بعض قطاف من دوحة شعره.. العنوان لمن سوف أبقى؟!

كأن خيول الموت هاج حصيلها

ولم يرتجف إلا قليلا نخيلها

مبللة بالصمت شابت عيونها

معطرة بالنور غابت فصولها

فقلنا سلاما أيها الموت وانتظره

فقال اعذروني الآن أن رحيلها

رثائية تبللها دموع الحزن والشجن اعتصرها من قلبه كي يودع بها راحلة هي أحب الناس إلى قلبه

تفجر بي شوقي إليكِ حبيبتي

ولكن بدار أنتِ حسب وصولها

لقد كنتِ قربي قبل عام حمامة

يظلل أهدابي بعطر هديلها

فلا تعذليني إن غصصت بأدمعي

وكيف وناري من فؤادي فتيلها

على قدر جرحه جاء طرحه مثخنا بلوعة الفراق.. ولأنه الشاعر الملهم المتمكن من شعره أمكن له بناء فناء من مشاعره الجريحة أدواته قلم.. وألم.. ووفاء.. واحتساب الأجر..

دفنت عيوني في ترابك علها

تهدهد أهائي ويشفي غليلها

ولكنها تاهت خطاي لأنها

عيونك -يا زرع الحنان- دليلها

خذي روحي الظمأى فالماء مالح

ومن سوف يسقيها وأنتِ عليلها

تقمصت كي أرثيكِ دجلة في دمي

وبالغت حتى جف في مصر نيلها

فقدتك فقد العين يا ضوء مقلتي

وإن سقطت عيني فسوف أشيلها

بهذا النغم الحزين ودع قصيدته.. وبهذا النغم الحياتي الحي نودعه.. ونطلب منه جميعاً المزيد...

* * *

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتب «5013» ثم أرسلها إلى الكود 82244

الرياض ص. ب 231185الرمز 11321 فاكس 2053338
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة