منذ أن كانت تلك المرأة النهرية طالبة جامعية كنت أحدس في عبير حبرها الأول رائحة الوسم، وعلى تباعدنا في شراك شبكة مدينة الرياض المتنامية والمترامية، فقد ظل وميض طلتها الأسبوعية المتقطعة حيناً والمتدفقة أحياناً أخرى عبر مجلة اليمامة يكيد للمسافة بعدد من مشتركات أحلامنا الإبداعية والوطنية معاً مما تؤججه أو تهدئه بعض اللقاءات العابرة، وكما لا زلت صورة الطالبة بكلية التربية وهي تأتي كاتبة مشرئبة محملة بالوعود والبروق في زيارة مختطفة إلى جامعة الملك سعود حين كنت معيدة هناك في الثمانينيات الميلادية، متوهجة كشعلة أضيئت للتو في ذاكرتي، فلا زلت أحتفظ وأحفظ لليلى الأحيدب في عهدتي بواحدة من أجمل رسائل الوفاء التي تكشف عن المعاني الممعنة نبلاً وجموحاً في أخوة الحبر وصداقة القلم مما كتبته لي في ذلك التاريخ المبتعد.
وعندما فاتحتني ليلى على هامش أحد اللقاءات المسروقة من ضيق الوقت عن حلمها في تحرير كتاب بعنوان: (البوابة الأولى) يضم تجارب عدد من الأجيال المبدعة على اختلاف مشاربهم ومجالات إبداعهم في الدخول إلى عالم الأدب لتقدمه هدية لتلميذات المدارس ودعتني للمشاركة فيه ثم ألحقت هذه الدعوة بصبر أيوبي في الإلحاح والملاحقة عبر رسائل البريد الإلكتروني والجوال، شعرت أن ليلى الأحيدب تحيك أحلام جيلي بمغزلها الشخصي، كما شعرت أن أم يزيد تزيد من جرعة الخبز والملح التي تربط بيننا.
وكتاب (البوابة الأولى) كمعظم الأعمال المميزة يتسم بالبساطة بقدر ما يتسم بالتعقيد، ويتسم بالشفافية بقدر ما يتسم بالعنفوان، وينشغل بطرح الأسئلة على ما يفترض فيه من طرح تجارب اختتمت، وهو تجربة جديدة في إعدادها وتوجهها ومضمونها.
فمن ناحية الإعداد وعلى الرغم من أن تقليد (تحرير) Editing الكتب وما يسمى منها ب (كتب المجاميع) Anthologiesهو تقليد ثقافي عريق في الغرب، وقد بدأ من وقت غير بعيد الأخذ به في بعض بلدان العالم العربي مثل كتب (في وطني أبحث) الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية مما عني بتحرير وجمع عدد من تجارب نساء باحثات في مناطق عربية مختلفة، إلا أن هذا التقليد على حد اطلاعي نادراً ما جرى اعتماده على ساحة العمل الثقافي والأدبي والأكاديمي المحلية، ولذا فقد جاء كتاب البوابة الأولى ليشيع هذا النوع من الشراكة الثقافية بين معد العمل وبين المشاركين فيه بعضهم لبعض لإخراج عمل مشترك له سياق موحد، وفي الوقت نفسه فيه تنوع وتعدد، إذ يتمثل السياق الموحد في أنه تعبير عن التجارب الأولى للبداية الإبداعية سواء كانت رواية أو قصة قصيرة أو مقالاً أو شعراً، بينما يتمثل التنوع في اختلاف مشارب هذه التجارب وفي كيفها وفي صعوباتها أو يسرها وفي شخصيات أصحابها.
أما بالنسبة إلى توجه هذا الكتاب، فإن أشد ما يميز (البوابة الأولى) أنه لا يحمل توجهاً نخبوياً، فنجد أن الصفحات الأولى له تصارح القارئ أن هذا الكتاب يتوجه إلى تلاميذ المدارس ممن يحلمون بحرفة الحبر أو مفاتيح الكمبيوتر. ومما جاء في المقدمة (المقالة الأولى.. القصة الأولى.. وثائق معطرة بعمق التجربة، علهم إن قرؤوها أدركوا أن سلم الكتابة الذي سيصعدونه رويداً رويداً نحو آفاق الإبداع يبدأ بخطوة واحدة) وأيضاً.. ومن هنا أتت فكرة الكتاب بهدف رصد التجارب الأولى للكتاب والكاتبات... ويطمح من خلال هذا الإصدار (البوابة الأولى) أن نريهن (فتيات المدارس) البوابة الأولى لكتابنا وكاتباتنا.
يبقى مضمون الكتاب والحقيقة أنه مضمون مدهش؛ لأنني بمجرد أن أخذت في قراءة الكتاب والتنقل بين تجارب كاتباته وكتابه عدت تلك الصبية الصغيرة بأشواقها المعرفية النزقة وبفضولها الاستكشافي الغر، وليس إلا القليل من الكتب التي بعد عمر معمر في القراءة يمكن أن تثير فينا شعور الدهشة ولذة الاكتشاف.
فها هو جار الله الحميد لم يخرج من معطف تشيكوف كما خرج جيل كامل من كتاب القصة، بل انسل من مكتبة مدرسة العزيزية بحائل متأبطاً أعشاب العمر وحشاشة الفؤاد وشموخ أجا وسلمى وطويق.
بينما غازي القصيبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، فلم يولد وفي فمه ملعقة من مجد الشعر، وإنما صوب إلى مصباته عاري الكفين، واستقطر شهده قطرة قطرة من يم تجربة المشاركة بالمعايشة وبتحدي الأدوار المعطاة بهدوئه الشعري وبجنون جنيات رواياته على حد سواء. وخرجت الشاعرة فاطمة القرني على صمت النساء من باب تيماء وصبابات الخنساء. على أن سعد الدوسري شق طريقه إلى فضاء الكلمة من الحارات الشعبية بالرياض ومن عرائس رمل الصحراء أطلق الحواريات والأطفال وإيقاع السواقي. وأما الشاعر البحريني قاسم حداد، فقد احتاج إلى أكثر من بحرين ليسقي أشواق أو أشواك تجربته الشعرية العميقة، فاغترف من برود الأفق الإلكتروني مزيداً من الفرات، وطرقت جميلة فطاني بطراوة كفها ورومانسية كلمتها البوابة الأولى بحليب الصبر، وراح الحلم إلى أن انفتح لها الباب. أما د. نورة السعد، فقد تجاوزت البوابة الأولى وتربعت أمام فتيات المدارس لتتلو عليهن بحب خلاصة المشوار. وما دام أنه لا بد من صنعاء ولو طال السفر، فقد خرج البردوني من بين عرائس سبأ وقوانين حمورابي وعرش بلقيس، كما خرج رهين المحبسين على كفاف البصر لينشد شعراً شجياً يكحل عيون الحياة بمرود الأمل، إذ يقول وكأنه يكتب خصيصاً لتلاميذ المدارس وتلميذاتها: