Culture Magazine Monday  24/03/2008 G Issue 240
قراءات
الأثنين 16 ,ربيع الاول 1429   العدد  240
 
البراعم وطيف ريادة
هيثم السيد

 

 

يمكن اعتبارها مصادفة ثقافية تلك التي شهدت نشر الديوان الجديد بعنوان البراعم، ليس فقط للعلاقة الطويلة التي جمعت الأديبين خلال فترة طويلة من الزمن، بل كذلك لأن باكورة إنتاج حمد القاضي ناشرا كانت هي باكورة إنتاج الدكتور غازي القصيبي شاعرا، دار القمرين التي يملكها فارس المجلة العربية المترجل فاجأت الوسط الثقافي بإصدار احتوى نصوصاً كتبها القصيبي في أماكن وموضوعات عدة عندما كان عمره ما بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة، وقد عبر القاضي عن سعادته بصدور هذا الديوان وقال (من توفيق الله لنا في هذه الدار أن أول إصدار لها جاء متميزا وضم قصائد جديدة لم تنشر لمعالي الدكتور الشاعر غازي القصيبي وسيشعر كل من يقرؤها بما تحمل من نضج وقوة لا تكاد تقل عن مايكتبه شاعرنا في هذه الفترة) وتفاءل القاضي بأن يكون الديوان الجديد المتجدد وجبة قرائية ممتعة وأضاف (لعل قصائد هذا الديوان تحلق بقارئها من عوالم المادة وضغوطها إلى فضاءات الكلمة الجميلة ونوارسها).

وبعد وقفة مع المصادفة الثقافية التي حولت تجربتين كبيرتين في دنيا الثقافة والأدب إلى ناشر مبتدئ وشاعر يافع وبشكل لايقل نضجاً عن ماهما عليه الآن، ننتقل بقراءة خاطفة لبعض ملامح هذه البراعم التي نمت وترعرعت على فترات متنوعة التصورات في خيال شعري خصب كان قيد التكون حينها، وهذا مايميز كثيرا من القصائد التي بدت فيها خصوصية النمط الإبداعي للقصيبي والذي شكّل شخصيته الأدبية المستقلة بمختلف تجلياتها شعراً ونثراً، كتابة وحياة.

يحضر النص الوجداني بانهمار لا يخلو من وجع أنيق..

يحضر بكل بما يستلهم من حنين وتأمل

سكن الليل.. سوى أن النسيم...

لم يزل يهمس في إذن الكروم.. كالحبيب

ومضى الحب يناجي كل قلبٍ..

ويوشي بالأماني كل دربٍ والطيوب..

بكل ما يعتصره من هواجس إنسانية شتى

البعد يغري أدمعي... والشوق يضني أضلعي

أماه.. آهٍ من جراحات الفراق الموجع..

بكل ما يتضمن من قراءة لكتاب الذات:

أهكذا تمر أيامي... كما يغيب الشفق الذاهلُ

أهكذا تموت أحلامي..كما تهاوى الورق الذابلُ؟

بكل مافيه من ملامح شاعر يهيم عشقا وعاشق يستهام شعراً :

أنا سائلي الدرب كم جئته.. أنوء بغصة قلبي الحزين

أنا شاعر لحت في أفقه.. فبددتُ عنه ظلام السنين

أنا عاشقُ ليس يفنى هوى.. إذا الدهر أفنى هوى العاشقين

وحضر النص القومي فخاطب الجزائر في أزمتها:

نامي على الشفق المخضب بالدم.. ..

وتألمي، فالمجد أن تتألمي

وناجى النيل وعيون القاهرة وهمس قائلاً:

يا مصر يامهد الإباء تحية من كل قلبٍ بالبطولة يغرمُ

ويستمر الوعي الفتي لشاعرنا في صياغة قصائد تختزل كثيرا مما لايمكن أن يقوله شاعر في ذلك العمر لولا أن مخزون شاعرنا القرائي والمعرفي وثقافته اختزلت كثيرا من السنوات وهي تكتب لنا شعراً متجدد الوصول ومستمر الصلاحية في هذا الديوان الذي تضمن كذلك شيئا من الحواريات الشعرية التي جمعت القصيبي بالشاعر عبد الرحمن رفيع كما تضمن قصيدة (عودي) التي أهداها للشاعر عبد الله الفيصل مسايرة لقصيدته (هذا شبابك ضائع كشبابي).

ديوان (البراعم) لم يكتفِ بتوثيق التأسيس الأدبي للقصيبي بل كشف كذلك عن طيف ريادة فنية تمثلت في قصيدة (علام رجعت؟) التي كتبها القصيبي في المنامة عام1956 حيث ذكر ناقد بارز أنها أول قصيدة تفعيلة تنشر في منطقة الخليج .

الشعر كائن لا يقبل التقديم له إلا به، حتى في التجارب المعتادة، ويتأكد ذلك في التجارب غير المعتادة كما هو الحال بالنسبة لتجربة لسفير الشعر ووزير الأمل الدكتور غازي القصيبي، وبالتالي يبقى المعنى ساكناً في نفس القارئ أو متحركا في ذهن الملتقي أو ربما يكون كامنا في مشاعر إنسان لم يقرأ ولم يتلق، المهم أننا أمام مشروع أدبي متجدد قابلا للقراءة والتلقي والشعور معاً. (البراعم) 230 صفحة من الحلم، جمعت (قمرين) ثقافيين في سماء واحدة، ديوان آخر يرى النور الذي اشتعلت جذوته قبل عقود في خاطر (من هو أكثر من شاعر).

في نفسي معنى لا يفهمه باقي الناس

لا يقوى أن يحمله اللفظ

فليبقى المعنى في نفسي

وليسكن عمق الوجدان

فلماذا أحرق أوقاتي

كي تحمله بضع سطور

يقرؤها الناس ويمضون

ويقول أحدهم:

(لا بأس.. هذا شاعر)

حظي من دنياي مقال الناس

(هذا شاعر!!)

haitham10_10@hotmail.com


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة