Culture Magazine Thursday  14/02/2013 G Issue 396
الملف
الخميس 4 ,ربيع الثاني 1434   العدد  396
 
رحلة البحث عن الأماكن الواردة في الشعر القديم
أ. د. محمد بن عبدالرحمن الربيِّع

 

في عام (1379هـ) التحقتُ بمعهد الرياض العلمي (بعد الابتدائية)، وتعرفتُ على الزميل «عبدالعزيز الفيصل». ومنذ ذلك التاريخ الذي نيف على نصف قرن ونحن زملاء أصفياء، لم يعكر تلك الصداقة نائبة، ولم تشبها شائبة، ولم تغيرها صوادف الدهر وتقلبات الحياة؛ لأنها مبنية على الصدق والإخلاص والوفاء.

أخي الفيصل - سأضرب صفحاً عن الألقاب - نموذج إنساني فريد، قليل الكلام، منقطع للعمل والقراءة والتأليف، منزله كان لفترة طويلة - ولا يزال - «منتدى الأصدقاء»، نلتقي فيه، نناقش، ونتحاور، ونتفق، ونختلف، ويفيض المجلس، ويمتلئ بالأصدقاء أحياناً، ويتقلص العدد أحياناً، لكن الفيصل ملتزم بموعد اللقاء، لا يخلفه، لا يتخلف عنه؛ ربما التقيت بزميل مشترك، أو هاتفني آخر، فقلت له: الموعد الأحد عند الفيصل دون استئذان أو حاجة إلى تأكيد الموعد؛ فالموعد ثابت، وباب المجلس مفتوح. وقد اضطر الفيصل يوماً لحضور حفل تخريج أحد أبنائه في موعد اللقاء الأسبوعي؛ فأناب ابنه الآخر في استقبال الزملاء.

صحبتُ أخي الفيصل في الحضر والسفر، في الداخل والخارج، فكان نعم الرفيق والصديق، ولنا في أسفارنا ورحلاتنا ذكريات لا تُنسى، ومواقف محفورة في الذاكرة، وإن مر عليها نصف قرن أو ثلثه.

تزاملنا طلاباً في معهد الرياض العلمي وكلية اللغة العربية والدراسات العليا بجامعة الأزهر، وعملنا معاً في جامعة الإمام، فكان نعم الأخ والصديق الوفي.

عندما أمسكت بالقلم لأكتب كلمة عن الأخ الفيصل احترت عن أي جانب من جوانب نشاطه العلمي أكتب، ثم عزمت على أن أكتب عن جانب مهم في حياته العلمية، وهو اهتمامه بالمواقع التاريخية في الجزيرة العربية بعامة، وفي «نجد» بصفة خاصة.

في الفترة المبكرة من حياة الزميل الفيصل بدا اهتمامه بمعرفة الآثار والأماكن التاريخية في «نجد» واضحاً جلياً؛ فكنا نحن زملاءه نمر بذكر الأماكن في المعلقات مثلاً ولا نهتم أين تكون؟! وإنما هي أماكن ذكرها الشعراء، أما هو فقد كان حريصاً على معرفة الموقع، وربما قرر زيارته مهما كان بعيداً. ذلك أمر حدث ونحن في المرحلة الثانوية بمعهد الرياض العلمي. وتطور هذا الاهتمام من هواية إلى دراسة وتحقيق. وكانت هناك عوامل كثيرة ساعدت الفيصل على ذلك، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

أولاً: حبه المبكر للرحلات والسياحة في أرجاء نجد؛ للوقوف على الأماكن؛ فله رحلة أسبوعية قصيرة، ورحلات صيفية طويلة أو شتوية، وكثيراً ما رحلت وزملائي معه فكان هو دليل الرحلة، وربما سلك بنا طرقاً غير مأهولة، وربما توقعنا الهلاك في البيداء، لكن (الخبير) يطمئننا، وبعد جهد جهيد نصل إلى مقصدنا ومبتغانا، وبتعبير أصح مقصده هو؛ فما أنا - على الأقل - إلا تابع مستسلم، لكني واثق بخبرته.

ثم اشتغل الأخ الفيصل في حملات (إحصاء السكان)، وبخاصة خارج المدن. لا شك أن المشاركين في الإحصاء يتعرفون على القرى وموارد المياه والدروب والمسالك، وبخاصة في تلك الفترة المبكرة «في الثمانينيات من القرن الماضي»، التي كان موظف الإحصاء فيها يضطر إلى استخدام (الدواب) في تنقلاته. وإن لم تخني الذاكرة فقد عمل الأخ الفيصل في حملة إحصاء السكان في المنطقة الجنوبية.

ثم كانت رحلة التفتيش والتوجيه الفني على المعاهد العلمية؛ فقد عمل الأخ الفيصل في إدارة «التوجيه التربوي» بالمعاهد العلمية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية؛ فكان يسافر إلى المعاهد المنتشرة في جميع أنحاء المملكة، ويصطحب معه هوايته وكتبه، ويجعل من معرفة الأماكن القريبة من «المعهد» الذي جاء لزيارته مادة للنقاش مع الزملاء في تلك المناطق؛ فتكون لديه حصيلة جيدة عن كثير من الأماكن.

والذي توج اهتمام الفيصل بالأماكن هو اتجاهه في دراسته العليا وفي أبحاثه العلمية إلى «شعر القبائل»، وبخاصة في العهد الجاهلي والعصور الإسلامية المبكرة. هذا الاتجاه إلى جمع شعر القبائل جعله يهتم بتحديد الأماكن الواردة في تلك الأشعار، وهي كثيرة جداً؛ وهنا تحولت الهواية إلى بحث علمي دقيق.

وتحديد مواقع الأماكن الواردة في الشعر العربي القديم قضية معقدة؛ فأغلب المعاجم القديمة تحدد المكان بطريقة لا تساعد على معرفته، كأن تقول على طريق الحاج من البصرة، وعلى طريق كذا وكذا؛ لأن أغلب الجغرافيين القدماء ليسوا من أبناء الجزيرة العربية، ولم يزوروها، وعندما جاء الجغرافيون السعوديون المعاصرون - وعلى رأسهم علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر وابن بليهد وابن جنيدل ومن جاء بعدهم - اجتهدوا في تحديد الموقع، وذلك بجمع أقوال القدماء وبالرحلات الميدانية؛ فتم تقدم كبير في تحديد مواقع الجزيرة العربية.

وإن كان الأمر لا يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسة، مع الاستعانة بالوسائل الحديثة في تحديد المواقع ورسم الخرائط.

أعد الدكتور الفيصل رسالته للدكتوراه عن «شعر بني قشير في الجاهلية والإسلام حتى آخر العصر الأموي»؛ وقد دعاه ذلك إلى تتبع المواقع الواردة في شعر «قشير»؛ ومن هنا بدأ في رصد المواقع، وجمع ما كتبه القدماء عنها، مع محاولة التطبيق على المواقع عن طريق الرحلات الميدانية، حتى أننا - نحن زملاءه - أطلقنا عليه لقب «القشيري» نتيجة لولعه بأخبار «قشير» وأشعارها ومواقعها؛ فنسبناه - وهو «الدوسري» - إلى «قشير»، وأصبحنا نناديه بالقشيري.

بعد ذلك واصل الأخ الفيصل العناية بشعر القبائل العربية القديمة؛ فأصدر «شعر بني عقيل»، و»شعر بني عبس في الجاهلية والإسلام حتى نهاية العصر الأموي»؛ فازداد اهتمامه بالمواقع الواردة في شعرهم، يضاف إلى ذلك عنايته الخاصة بالأماكن الأثرية في مسقط رأسه «عودة سدير». ولا يزال الفيصل مواصلاً الرحلات الميدانية مجتهداً في تحديد المواقع الواردة في الشعر القديم؛ لذلك نجده يُصدر كتاباً ضخماً في مجلدين عن «المعلقات العشر»، ويجتهد في تحديد المواضع الواردة في المعلقات مقتفياً أثر علمائنا القدماء في شروح المعلقات الكثيرة وفي المعاجم الجغرافية العامة، ومستفيداً من تحديدات رواد هذا الفن من علماء المملكة كحمد الجاسر وعبدالله بن خميس، وما كتبه - بصفة خاصة - الشيخ محمد بن بليهد في كتابه «صحيح الأخبار». وقد فاته أن يذكر ضمن مراجع كتابه أهم كتاب في تحديد مواضع المعلقات، وهو كتاب الأستاذ سعد بن جنيدل - رحمه الله - «معجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر»، الذي صدرت طبعته الأولى عن جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1411هـ، ثم أعاد مركز حمد الجاسر الثقافي نشره عام 1425هـ.

وحتى نقف على نماذج من تحديده للمواضع أكتفي بمثال واحد، وهو ما يتعلق بذكر الأماكن الواردة في شعر (الأعشى) من خلال شرحه للمعلقة:

1 - «ج 2، ص: 693»: قال الأعشى:

ما رَوْضَةٌ مِنْ رِياضِ الحَزْنِ مُعشبةٌ

خَضرَاءُ جادَ عَلَيها مُسْبِلٌ هَطِلُ

الحزن: ضرب بني يربوع شمال الصمان في الشمال الشرقي من الجزيرة العربية.

2 - «ج2، ص: 711»، قال الأعشى:

فقلتُ للشَّربِ في درنى وقد ثملوا:

شِيموا، وكيفَ يَشيمُ الشّارِبُ الثّملُ

درنى: قيل إنها باب من أبواب فارس، وهي دون الحيرة، وقيل إنها موضع باليمامة، ولا نعرف اليوم موضعاً باليمامة بهذا الاسم.

3 - «ج2، ص: 712»، قال الأعشى:

قالُوا نِمَارٌ، فبَطنُ الخالِ جَادَهُما

فالعَسْجَدِيّةُ فالأبْلاءُ فَالرِّجَلُ

نمار: قال ياقوت موضع باليمامة، وهو وادٍ من روافد وادي حنيفة، وسيله يسقي منفوحة بلدة الأعشى. وقد أقيم في وادي نمار سد يحجز الماء في سنة 1380هـ.

بطن الخال: الخال من روافد وادي حنيفة، وهو قريب من نمار، وسيله يفضي إلى وادي حنيفة، ثم يسقي منفوحة، ويُعرف اليوم بـ (لبن). وقد أقيم في هذا الوادي سد سنة 1383هـ، وبطن الخال وسطه ومجرى الماء فيه.

العسجدية: قال الحفصي: العسجدية ماء لبني سعد، وقال ابن خميس في معجم اليمامة: العسجدية قريبة من بطن السلي، وبطن السلي هذا قريب من منفوحة بلدة الأعشى، ولا أعرف موضعاً باليمامة اليوم يعرف بالعسجدية.

الأبلاء: أُبْلى موضع باليمامة قريب من قُرَّان شمال منفوحة، بمسير يوم، وبلو وبلي من مياه العرمة، وهما قريبان من روض القطا، وهذه المياه والمواضع تبعد عن منفوحة شرقاً بما يقرب من مسير يوم على المطايا.

الرَّجَل: قال الحفصي يريد رجلة الشعور ورجلة أخرى لا أدري لمن هي، وهما موضعان باليمامة.

4 - «ج2، ص: 714»، قال الأعشى:

فَالسّفْحُ يَجرِي فخِنزِيرٌ فَبُرْقَتُهُ

حتى تدافعَ منهُ الرّبوُ، فالجبلُ

خنزير: جبل باليمامة، ويقع في الناحية الشرقية من منفوحة على عشرين كيلاً، ويعرف الآن بالجبيل، وله أنف يعرف الآن بـ»خشم العان»، وبرقة خنزير في ناحيته الشمالية.

الجبل: قارات متقاودة شمالي حجر (الرياض) ومنفوحة بما يقرب من نصف يوم على المطية.

5 - «ج2، ص: 715»، قال الأعشى:

حتى تحمّـلَ منهُ الماءَ تكلفةً

رَوْضُ القَطَا فكَثيبُ الغَينة السّهِلُ

روض القطا: يقع شرقاً من كتيب الغينة (عريق بنبان)، ويعرف اليوم بروضة (الجنادرية) في الشمال الشرقي من مدينة الرياض.

وكثيب الغنية: يقع في الشمال الشرقي من منفوحة على مسافة نصف يوم للمطية، ويُعرف اليوم بـ(عريق بنبان).

6 - «ج2، ص: 730»، قال الأعشى:

نحنُ الفوارسُ يومَ الحنو ضاحية

جنبيْ «فطينةَ» لا ميلٌ ولا عزلُ

الحنو: في اللغة كل شيء فيه اعوجاج، فإذا أطلق على موضع فيقصد به منعطف الوادي أو النهر؛ ولذلك يتعين بالإضافة فيقال حنو ذي قار وحنو قراقر وحنو محلم، والمقصود هنا حنو محلم، وهو منعرج نهر محلم بالبحرين.

ولتعلُّق الدكتور الفيصل بالأماكن التاريخية والمواقع الواردة في الشعر نجده يكتب ضمن مقالاته الأسبوعية التي كان ينشرها في جريدة (الجزيرة)، وجمعها في كتابه الضخم «رؤى وآفاق»، يكتب عن «الحطيئة في الوسيع»، واستضافة الزبرقان بن بدر له في «بنبان»، ويكتب عن «أطلال منفوحة وبيت الأعشى»، وعن «زرود وشياطين الشعر»، وعن «رحلته إلى حزوى ومخاطر الطريق»، وغير ذلك من المقالات المتصلة بهذا الجانب من اهتماماته البحثية.

وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة