Culture Magazine Thursday  12/01/2012 G Issue 360
فضاءات
الخميس 18 ,صفر 1433   العدد  360
 
رؤية
متلازمة الشك (2-3)
فالح العجمي

 

كنا في المقال السابق في معرض سرد تغيرات بورصة الشك قد تحدثنا عن تحول الوصايا التربوية من الاهتمام بالغريب إلى الخوف منه، ومن ملء نفوس الناس بالثقة إلى نزعها عن تصور اتهم للحياة، والمحيط المباشر في المجتمع.

لكن بعيداً عن علاقات الصداقة وخيبات أمل الأفراد؛ فهذه القضية لا تمس قلوب البشر فحسب، بل أيضا تهم المجتمع بكامله. فدون الثقة لا يمكن أن تنشأ دولة، ولا مؤسسات مجتمع مدني. وسيكون وضعاً كارثياً أن يشك المرء في بعض (أو أكثر) من يقابلهم في الطريق، وألا يكون الأساس كون أوضاع الآخرين، ممن يعيشون معه في المجتمع، طبيعية.

والآن ننظر إلى أبعادها الثقافية في المجتمعات ذات الخلفيات المختلفة، وآثار تلك الأبعاد في مسيرة كل منها ومصيره في بعض الحالات. فعند مقارنة ثلاث مجموعات بشرية - ربما تهمنا - على أقل تقدير؛ هي الثقافة الغربية (ذات الخلفية المسيحية - الرأسمالية)، والثقافة الشرق آسيوية (ذات الخلفية الكونفوشية - التاوية)، والثقافة العربية (ذات الخلفية الإسلامية - القبلية)، نجد تبايناً واضحاً في معايير الثقة وطرق بنائها، بل في وجودها وانتفائها في حالات ليست قليلة.

إذا أخذنا منظومة القيم بهذا الخصوص في كل من المجموعات الثلاث، نجد اعتماد الأولى (الغربية) على الأوراق والوثائق، التي تشمل كل التفصيلات عند إعداد الصفقات أو البحث في العلاقات على المستويات الفردية، أو التجارية، أو السياسية. فلا ثقة فيها لفرد أو جهة تضمن صحة ما يقال، أو وجود النية الصادقة لتنفيذ الاتفاقات؛ بل لا قيمة للفرد، الذي يمكن أن يحل بدلاً منه آخر خلال سير المفاوضات، أو في مراحل تطور العلاقة. وخلافاً لذلك تضع المجموعة الثانية (الشرق آسيوية) الثقل في صناعة معايير الثقة في الجانب الشخصي، وعلاقات المعرفة السابقة بين أطراف الصفقات أو المباحثات التجارية والسياسية. من أجل ذلك تقل نسبة الثقة في الأفراد، كلما ابتعدوا عن دائرة الأطراف المعهودة التقليدية في المهنة، أو الموقع الإداري، أو المتعهد المباشر (طبيب قرية أو جابي ضرائب أو حتى مندوب شرطة). وقد أدى ذلك إلى تطور الاقتصاد في دوائر يديرها الأقرباء، خاصة في تجارة التجزئة، والمؤسسات ذات الإمكانات المحلية.

أما المجموعة الثالثة (العربية)، فلا أحسبني بحاجة إلى توضيح خلفيات العاملين الرئيسين في هذا الجانب، لكن لا بد من الإشارة إلى أن تركيز الدين الإسلامي على أخوة الدين، والإشادة في كثير من نصوصه بنزاهة المتدين، جعلت كثيرا من الناس في هذه المجتمعات يخلطون بين النظرية وواقع الناس غير المتماهي - في أي عصر أو مكان - مع ما تأتي به الأديان والأيديولوجيات. وقد اتضح هذا اللبس عند العامة جلياً في كل من قضايا توظيف الأموال في مصر والمساهمات العقارية في السعودية، بل وفي الاتجاه لدى كثير من المؤسسات العامة والخاصة إلى اختيار أصحاب اللحى والمظهر الديني في وظيفة «أمين الصندوق». أما العنصر القبلي، فهو واضح في عدم نشوء المجتمعات المدنية بشكل سليم حتى في الدول التي وجدت فيها مؤسسات مدنية مثل تونس والمغرب ومصر؛ حتى وإن لم يكن الانتماء والثقة في عناصر القبيلة، بل في عناصر الناحية أو القرية. فهي جميعاً ذات منزع واحد. وقد تمثلت تلك السمات لدى هذه المجموعة في عدة مكونات جوهرية يتعلق بعضها بالبنية الذهنية، وبعضها الآخر بالتطورات التاريخية، التي مرت بها مجتمعات هذه الفئة. لكن لأهمية هذه المكونات في منظومة القيم العربية، ولتماسها مع الاستنتاجات التي سأحاول استخلاصها في المقال الأخير، أرجئها إلى الأسبوع القادم.

الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة