Culture Magazine Thursday  09/04/2009 G Issue 278
فضاءات
الخميس 13 ,ربيع الثاني 1430   العدد  278
شبابنا.. والأدب الساخر
علي محمد العمير

 

لفت نظري موضوع صحفي عن (السخرية) نشر في إحدى صحفنا على مدى صفحة كاملة ذات إخراج معتنى به بصفة خاصة أثار اهتمامي حقا.. فضلا عن كون (السخرية) موضع اهتمامي منذ حين من الدهر.. فضلا عن مشاركة عدد من أدبائنا الشباب الذين أحرص على متابعتهم، والوقوف على أفكارهم، وآرائهم وبخاصة في الموضوعات ذات الأهمية عندي، أو عند غيري!!

ولا شك أن موضوع (السخرية) على ندرته في أدبنا.. لابد أن يحظى بالكثير من الاهتمام به ممارسة، ودراسة، وعناية!!

ولقد أسعدني حقا أن الذي أدار الاستطلاع فتاة من جنوبنا الحبيب (مريم الجابر) فكان ذلك في حد ذاته دافعا اضافيا لاهتمامي الذي دفعني إلى قراءة الموضوع قراءة متأنية، فاحصة حيث شعرت أنني سأكتب عنه حتما!!

وقد صدق حدسي فما ان انتهيت من قراءته حتى عدت إليه لتدوين النصوص، أو الفقرات التي قمت بتظهيرها، أو التأشير عليها بهدف الكتابة، والمشاركة في الإدلاء بدلوي رغم كثرة الثقوب في (دلوي) العزيز بيد أن تلك الثقوب شفيقة معي، رئيفة بي حيث تُبقي لي بعض ما تيسر مما أتبلغ به!!

ولكن ما أن عدت للشروع في الكتابة حتى تذكرت ان المبدأ الصحفي يقتضي بالضرورة ان نشر ما سأكتبه.. لابد أن يكون في الصحيفة ذاتها التي تولت نشر الموضوع أصلا!!

ومن ثم سرعان ما تلقّفني ذلك (الوسواس الخناس) ليذكرني بسوء رأي رئيس تحرير تلك الصحيفة في شخصي المتواضع.. ثم رأيه أيضا في أن سائر كتاباتي لا تصلح للنشر في جريدته المحترمة!!

وكنت قد علمت ذلك - منذ سنوات - وعجبت له، أو منه في حينه حيث الأستاذ (الرئيس) أحد أصدقائي ولطالما أسمعني الكثير من الثناء، والإطراء، وحسن الرأي سواء على شخصي، أو على كتاباتي، ولم يحدث من قبلي قط ما يمكن أن يكون سببا في تغيير رأيه مما يجعله - تبعا لذلك - في عداد (المنافقين) والعياذ بالله!!

وقد كدت أصرف النظر عن الكتابة أو المشاركة إلا أن (الوسواس الخناس) قد تركني بعد فعلته معي فتذكرت من فوري أن (المبدأ الصحفي) المشار إليه آنفا.. ليس دستورا ملزما لأي كاتب، وبخاصة إذا كان ملتزما بالكتابة في صحيفة أخرى!!

وهنا أعتذر للقارئ عن هذه الشطحة، أو الخروج على النص أو هو من الناحية البلاغية مما يعتبر استطرادا غير معيب ولا موجب للاعتذار لو لا حساسيتي نحو القراء الكرام!!

وإلى هنا، وبعد كل ذلك لابد من العودة إلى النص أو إلى ما كنا بصدده، وهو موضوع (السخرية) على ندرته في أدبنا، كما أسلفت من حيث كون السخرية كثيرا ما تقتضي سخرية الكاتب بنفسه لإيصال رسالة ما.. أي أن الكاتب الساخر لابد له من التضحية بجعل نفسه (كبش فداء) أو إلى جعلها على نحو ذلك المثل الشهير: (إياك أعني واسمعي يا جارة)

كما أن السخرية تقتضي من صاحبها الحديث عن نفسه، أو عن (الأنا)!! وهذا ما ترفضه ثقافتنا العامة، أو حتى الشعبية إلى حد الاستعاذة من ذكر (أنا) فإذا اضطر أحدنا إلى قول (أنا) فإنه سرعان ما يضيف إلى قوله (وأعوذ بالله من ذكر أنا)!!

وهذا النوع من (الثقافة) لا يمكن أن يجعل منها حاضنة للسخرية، ولا حتى بالضرورة.. كما أن (السخرية) حسب ذكرها معجميا هي (نوع من الهزء.. قوامه الامتناع عن إسباغ المعنى الواقعي، أو المعنى كله على الكلمات.. بل الإيحاء عن طريق الاسلوب وإلقاء الكلام بعكس ما يقال).

وهذا أيضا معيب في ثقافتنا بعمومها حيث الهزء بالناس غير جائز أصلا.. فضلا عن اعتباره مجرد هذر، أو عبث قول يحطُّ من قدر صاحبه، بل يجعله أيضا موضع هزء، وانتقاص!!

وهناك الكثير من السائد في ثقافتنا من نحو ذلك مما يجعل اعتماد (الأدب الساخر) في حكم المستحيل تقريبا.

وقد جاءت الإشارة إلى ذلك، ونحوه في مقدمة موضوع (السخرية).. بل جاء في المقدمة وحدها ما هو أبلغ، وأدق تحديداً، وبخاصة من ناحية كون (السخرية) تقتضي بالضرورة مصارحات كاملة، وكسرا للحواجز لتكون الرسالة أقوى من طلقات الرصاص على حد قول كاتب المقدمة الذي ذهب إلى ما هو أبعد، وأكثر عمقا في تعريفه للسخرية ومقتضياتها.

بل إن هناك مقولة للأستاذ (عبدالله آل ملحم) بالغة الدقة والروعة والواقعية حتى لقد أصبحت عنوانا بارزا، وهو بالنص:

(ما لم يتحرر مشهدنا الثقافي من الارتهان للمجاملة والنفاق الثقافي فلن يتنفس هذه الكاريزما الجميلة) يقصد الروح الساخرة.

ولربما ما هو أكثر تحديداً، ودقة هو ما قاله الأستاذ (محمد البشر): السعودي يتسم بالجدية مقارنة بغيره من حيث كونه لا يستسيغ السخرية علانية بينما يتعاطاها في السر!!

والواقع ان هناك الكثير جدا من الأقوال، والنصوص للمشاركين أو لمعظمهم في موضوع (السخرية) رغم كون عنوانه الأبرز هو (السخرية قهوة الكادحين، والضحك دخانهم المجاني) وهو عنوان بالغ الركاكة.. شديد الإفلاس الفكري والمسؤول عنه بالدرجة الأولى هو بالطبع جهاز تحرير تلك الجريدة!!

والواقع أنه عنوان شائه أفسد - بكل تأكيد - روعة المتن.. هو جماع ما قاله سائر المشاركين في الاستطلاع دون استثناء تقريباً.

وهذا ما أسعدني كثيرا جدا من حيث كوني لم أكن أتوقع عند شبابنا كل ذلك الاستيعاب الدقيق الرائع لموضوع عويص ونادر تقريبا في الأدب العربي بعامة، وأدبنا السعودي بخصوصية أكثر وأكثر!! وقد كنت - قبل البدء بالكتابة - أود ان أستعرض أهم ما ورد من آراء، وأفكار.. وإذابي في النهاية على حد قول الشاعر:

تكاثرت الظباء على خراش

فما يدري خراش ما يصيد

تحية مضنون بها على غيري لابنتي (مريم الجابر) وسائر ضيوفها، أو إخوانها الذين أثبتوا حقا انهم من (صفوة) شبابنا وفضلا عن ذلك أكدوا على ضعف شخصي من حيث - ربما - تقصيري في المتابعة، وبذلك ألزموني أيضا بالاعتراف الصريح الواضح الفاضح من ناحية كوني لا أذكر اي اسم من هذه الاسماء النابهة الذين بلغ اعجابي بهم أقصى مداه.. بيد أنني على ثقة من دقة ما أشرت إليه، وإن كنت لم أقرأ لأحد منهم فإذا كان قد فاتني ما - ربما - قد كتبوه، ونشروه أو ربما بعضهم فحسب فإنني ألقي اللوم على نفسي من حيث تقصيري في المتابعة الواجبة الأمثال هؤلاء النابهين، وأعتذر حقا عن ذلك!

وأما إذا كانوا جميعهم، أو بعضهم لم يسبق أن كتبوا فتلك خسارة أدبية حقيقية قياسا على ما هم عليه من ثقافة أصيلة واعية تشهد بها نصوصهم، أو دقة مشاركاتهم في الاستطلاع الآنف الذكر.. بل تدل على أنهم قد شبوا عن الطوق وأمعنوا في التحصيل المعرفي.. إلا أنهم على غير اهتمام بالكتابة والنشر.. أي ان الذنب ذنبي بالنسبة للحالة الأولى.

وأما إذا كانت الحالة الثانية هذه فالعتب عليهم من حيث كونهم لم ينضموا بعد إلى كوكبة شبابنا الذين أثروا بالفعل أدبنا، وثقافتنا، وإني لعلى يقين بوجود عدد من شبابنا المثقف حقا يزهدون - لسبب أو لآخر - في مجال الكتابة، والنشر.. وذلك ما لا عذر لهم فيه.. ولكن نسأل الله التوفيق والسداد للجميع!!

جدة

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة