Al Jazirah NewsPaper Friday  16/05/2008 G Issue 13014
الجمعة 11 جمادى الأول 1429   العدد  13014
الحوار في القرآن الكريم
د. فهد بن عبدالرحمن السويدان *

يقوم الحوار في القرآن الكريم باللين والحجة والبرهان. من ذلك قول الله تعالى {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} البقرة111 وقول الله تعالى: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} (159) سورة آل عمران، وقال تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (125) سورة النحل. قال تعالى: {42} اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى {43} فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى {44} (طه)، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } (107) سورة الأنبياء، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (46) سورة العنكبوت.

قال تعالى: { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ {35}.

عندما عصى إبليس اللعين ربه وأبى أن يمتثل لأوامرالله بالسجود لآدم كما فعل الملائكة لم يسارع الله سبحانه وتعالى إلى انزال العقاب المباشر به والقضاء عليه مع أن ابليس قد تعهد بإغواء بني آدم..

وانما جرى حوار بين الله جل في علاه وبين إبليس اللعين الذي طلب إمهاله إلى يوم الدين فكان له ذلك. وعندما ادعى فرعون ذو الأوتاد الألوهية في الأرض وخاطب أهل مصر بأنه لايوجد لهم إله غيره. لم يأذن الله حينئذ بإنزال العقاب عليه وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون. وإنما أرسل إاليه النبي موسى عليه السلام ليحاوره بالقول اللين لعله يتذكر أو يخشى ويرجع عن ادعاءاته الباطلة. وكذلك بالنسبة لمختلف الانبياء والرسل الذين أرسلهم الله -سبحانه وتعالى- إلى أقوامهم حيث كانوا يحاورونهم ويقارعونهم بالحجج والبراهين للرجوع عن غيهم وكفرهم والتسليم بما أراده الله لهم أن يكون حقاً.

من هنا نجد أن مبدأ الحوار مع الإنس والجن قد بدأ مع خلق الخليقة.. ولنا في القرآن الكريم عظة ومثل واعتبار.. فهو يروي لنا قصص الأولين والآخرين وكيف كان يتم الحوار ليس بين الإنسان والإنسان فحسب وانما بين الله جلّت قدرته وبعض خلقه بما فيهم إبليس اللعين.. وكيف كان الله يظهر الحق في نهاية الحوار ليؤمن به الجميع. إن ديننا الإسلامي السمح حثنا على الحوار مع ذاتنا ومع الآخرين ووازعنا الديني يعمل على تقوية ضمائرنا، وبالتالي أكسبنا أخلاقاً عالية واحتراماً للآخرين وحسن تعامل وتسامح مع شعوب العالم.

إن الحوار الوطني يجب ألا يقتصر على فئة من المجتمع بل لابد أن يضم جميع شرائح المجتمع من الجنسين لأن لكل فئة وجنس هموماً وقضايا وأفكاراً يجب أن تطرح ويبحث لها عن حلول. يجب أن نطرح كل هموم المرأة بشفافية وصدق ونبحث عن إيجاد الحلول العاجلة لها. إن التقارب والحوار بين الثقافات العالمية بات ضرورياً وملحاً في الوقت الراهن من أجل تقريب الهوة بينهما فنحن نعيش في كوكب واحد ومستقبلنا ومصيرنا هو واحد؛ فالتقارب بين الثقافات يصب في مصلحة من يسكن هذه الأرض قاطبة وبالتالي يقضي ويحل جميع مشكلات هذا العصر المعقدة.

أهمية الحوار للإنسانية

نشير إلى أن الإنسان مخلوق كرّمه الله سبحانه وتعالى على هذه الأرض فوضعه في مرتبة تفوق سائر المخلوقات، وخصّه بالعقل كأداة أساسية من أدوات التكليف، وبالتالي أرسل إليه الرسل وأنزل عليه الكتب وجعل حياته الدنيوية حياة ابتلاء وامتحان. ولهذا، فإن السنن الإلهية تقتضي أن لا تمر حياة الإنسان دون حدوث مشكلات نابعة من بغي القوي على الضعيف. فالتجمعات البشرية قابلة لأن يكون فيها التواصل، والتقاطع، والرحمة، والظلم، والإقصاء، إلا أن التعارف بين هذه التجمعات حالة ضرورية لتجنب البغي والظلم حيث يقول تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (13) سورة الحجرات. فالتعارف مقصد شرعي ليس للمسلمين فقط، بل لسائر البشر والعالم والشعوب والأمم، حيث أبرزت الآية هذا المعنى وهو ما يعني أن القرآن الكريم مع مفهوم التعارف بين الناس الذي يتم عبر الحوار والجدل. وأرى أن الحوار يحتل أهمية قصوى في المجتمع، فالحوار هو الوسيلة الطبيعية للتواصل بين الناس نظراً لتعدد آرائهم واختلاف وجهات نظرهم، كما أن تعرف كل طرف على آراء ووجهات نظر الآخر لا يتم إلا عبر وسيلة الحوار. والقرآن الكريم عنى بترسيخ مفهوم الحوار والجدل، كما عني بهما المنهج النبوي كذلك، فأوصى القرآن الكريم بأن يكون الحوار بالتي هي أحسن كآلية هادئة للتواصل. وأنه قد لا يكون ثمة تطابق بين جميع المسلمين في جميع التفاصيل، إلا أنهم يجتمعون في الكُليات، وعند وجود اختلاف فإن لعقلاء القوم منهم دورا كبيرا في التقريب عبر الحوار والتواصل. وهذا الأمر يجعلنا نعمق الحوار فيما بيننا؛ لأنه الوسيلة الأمثل الموصلة لنقطة السلامة، وإلا فإن البديل هو العنف والكارثة. فالصراعات والحروب التي شهدها العالم من قبل - خلال الحرب العالمية الثانية مثلاً - قد قتلت ما يقارب الأربعين إلى الخمسين مليون قتيل. ومن هنا وصلت أوروبا إلى نتيجة مفادها: إن الحوار ضرورة للتوصل لنقاط اتفاق والحفاظ على السلم بين الناس, وقد سبقها القرآن الكريم إلى ذلك بقرون.

وأؤكد أن التعايش يحقق للإنسان حقوقه ويحفظ مصالح جميع الفرقاء.، فالحوار والتعايش لابد أن يكونا من أسس بناء المجتمعات الإسلامية ومن الضروري تحويلهما إلى قيم راسخة قوية. أما إذا لم يحدث التقارب للحق الذي يرونه جميعاً كمسلمين، فإن التعايش يكفل لكل طرف حرية الاختيار وصون حقوقه. فالحديث عن الحوار الوطني في المملكة العربية السعودية أصبح قضية إعلامية تتناولها الصحافة والإذاعة ومحطات التلفزيون، بل صار قضية اجتماعية تتداولها الديوانيات والمحاضرات واللقاءات الاجتماعية، ويدور حولها الجدل في ساحات المواقع الإلكترونية، وهذا كله لم يكن - قبل مدة يسيرة - شيئاً مذكوراً، بداية انطلاق مسيرة الحوار لم يكن في المملكة العربية السعودية تداول نظري ولا واقع عملي للحوار، ومع التغيرات العالمية والإقليمية بعد أحداث سبتمبر طرأت على الساحة السياسية والإعلامية قضايا ومفردات لم تكن متداولة، حيث طرحت قضايا المجتمع المدني ومؤسساته، والإصلاح السياسي وأطروحاته، والانفتاح الإعلامي وتداعياته، ومحاربة الإرهاب ومتطلباته، وكانت قضية الحوار إحدى آثار تلك المستجدات إن العمل على تفعيل الحوار الوطني في الوطن والبحث عن الموضوعات التي ترقى بالوطن (التنوير الثقافي، الإصلاح الديني، الديموقراطية، مؤسسات المجتمع المدني، حقوق المرأة، تطوير التعليم) وطرح جميع القضايا والرؤى بشفافية وموضوعية له أثر كبير في اختصار نهوضنا فكرياً وحضارياً واجتماعيا واقتصاديا وثقاقيا..كي نحقق ما نصبو إليه من تطور سريع في جميع المجالات المختلفة. وقيل الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

وفق الله الجميع للصالح العام.

* الأستاذ الأكاديمي وعضو المصالحة وعضو التحكيم الرياض


fahd-a-s@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد