Culture Magazine Saturday  02/11/2013 G Issue 415
مراجعات
السبت 28 ,ذو الحجة 1434   العدد  415
 
استراحة داخل صومعة الفكر
بشائر من أكناف الأقصى
سعد البواردي

 

الأقصى (عرفناه).. إنه ثالث الحرمين الشريفين حيث البراق، وحيث المعراج.. وحيث الكآبة التي تخيم على ساحته.. وحيث الصوت المستنجد المنطلق من مآذنه.. ما لم نتمكن سوياً من معرفة تلك البشائر التي زوَّدنا شاعرنا فطربت لها مشاعرنا.. لن أطيل في المدخل.. لنترك الوقت للمداخلة عسى.. ولعلّ:

بداية يتساءل. أما في القوم من رجل رشيد؟!

أما في القوم من رجل رشيد؟

فيرفع راية القول السديد؟

ويأنف من رخيص من بيان

وعن مجد يبوء به بليد؟

يذكرهم بأكثر من رئيس

أفاضوا في بيان أذى اليهود

ها أنت يا شاعرنا رفعت الراية.. وأفضت.. وفضفضت.. إلا أن الكلمة الفاعلة للحسام لا للكلام.. للذين يملكون شجاعة الشجعان بإراداتهم الفاعلة.. وقواتهم القادرة على تغيير مجرى الأحداث.

لبؤس شكاية.. وليأس حكاية التفت إلى خصمه كمن يُقرِّع ويستفز الخاملين من بني قومه:

فتيهي يا بني صهيون تيهي

ودونِك فاركبي فيهم.. وتيهي

مفردة مركبي غير موفقة.. يمكن استبدالها بـ(فدونِك فاقتلي) أو (فافرحي) في كلتا الحالتين القتل منها أو الفرح لصالحها.. انه يشخص الداء والعلة:

ترى الدولار يخفضهم ويُعلي

على قدر المواقف والوعود

أجزم بأن كل معونة تعطى لغير وجه الله ملعونة حين تشترى الذمم تضيع الأمم.. مقاطع مقتضبة من قصيدته تختصر الفكرة لسوف أتعامل معها كي أغطي جانباً كبيراً من قصائده الطوال يتناسب مع مساحة الاستراحة..

أتجاوز مكرهاً لنفس الأسباب مقطوعته (اذهب وربك فقاتلا) لأنها تعزف على نفس الوتر.. عن فلسطين، عن اليهود ومن يقف إلى جانبهم.

ونقف سوياً مع شاعرنا عند مقطوعته «قاطعوهم» التي تفيض إحساساً، وحماساً:

قاطعوهم.. قاطعوا كل البضائع

قاطعوا كل المزارع

قاطعوا كل المصانع

قاطعوهم واهجروهم

واهجروا التجوال في كل الشوارع

كانت هناك مقاطعة اجتثت، وقطع رأسها لقاء حفنة مساعدات دولارية اشتريت بها الضمائر، ليس هذا فحسب.. بل علاقات دبلوماسية.. وتجارية، وأمنية.. الجار الصفيق تحول إلى شقيق.. هل بعد هذا مقاطعة؟ يقول شاعرنا من جديد:

قاطعوهم.. تجدوا عن كل لقمة

بعدها ذل ونقمة

ألف لقمة، ترفع الذل، وتغني ألف جائع

لا يعني المُتخم شعب المُعدم.. إنه خارج كوكبه.. لا يعنيه من الذل ولا من الجوع لغيره في شيء يا عزيزي:

المؤتمرات في نظره مجرد مؤامرات لاغتيال الحلم العربي، والعلم العربي أيضاً.. لا هم ولا غيرهم يريدون أن تقوم قائمة لعالم عربي مسلم متقدم ومتحضر.. العلم لهم.. والقوة لهم.. والكلمة لهم.. والسيطرة لهم.. تلك هي فلسفة الكبار أمام فلسفة الصغار:

وترى المكيدة في عيونهمو

وترى القلوب بحقدها تهمى

لم نلق مؤتمرا لمؤتمر

إلا الوعود وزائف الوهم

ولعل طفلا قاذفا حجرا

أجدى من القول الذي يُعمى

على نفس الوتيرة والنغمة يشدنا شاعرنا إلى واقعنا العربي المتداعي.. إنه يصرخ:

حدقوا في الوجه إن كان لكم أدنى ضمير

وأجيبوا.. أترى هذا هو الوجه الذي يدرك معنى السلام؟

وانظروا للكف.. تبَّت، وتولت بالثبور. وأجيبوا

أترى هذي هي الكف التي ترعى مواثيق، وتسترعي الذمام؟!

حدقوا في الوجه. والكف قليلاً وأجيبوا

إن أقسى ما نعاني منه نسيان عدو

همُّه أن نشرب الموت الزؤام.!

ليته النسيان فحسب.. إنها الانقياد والخذلان.. وتلك هي الطامة الكبرى، فارس رحلتنا يطالب بتحرير الأرض، وحماية العرض، معه الحق في ذلك.

يمارس اليهود بين الناس صنعة

لا يتقنون غيرها مذ قدموا إلى الوجود

ولا يجيدها سوى اليهود..

يمارسون القتل.. والتنكيل كلما تمكنوا

ويفتكون طائشين بالقريب والبعيد

لهذه العوامل والأسباب القهرية نادى المنادي:

والناس بين ناطق وصامت على أذاهمو شهود

فكيف نتقي أذى اليهود إن لم نمارس حقنا

كي يظهر الحق.. وكي يسود..

إن لم نحرر الصفوف من هوى يهود

إن لم نميز بين واقفين تحت راية القرآن

وواقفين تحت راية التلمود

هم قتلوا أحمد.. وغدروا بمحمد.. ورموا رامي وسارة وسليمان.. جميعهم شهداء في ساح الاستبسال..

لا تحزنوا فالله يختار الشهيد

ويصطفي من خلقه من شاء

كي تسمو النفوس.. وتكبرا..

هم مجرد رموز ثلاثة لاغتيال أكبر ساحته ومساحته أرض فلسطين.. وشعب فلسطين، وتاريخ فلسطين إن بقي شيء يسمى فلسطين.. وتجيء أنتَ دائماً ترى من ذا يحاكي، ويحكي؟!

الناس حولنا - ونحن منهمو.. يجيئون لهذه الدنيا ويذهبون

وأنتَ. أنتَ وحدك الذي تجيء دائماً..

كالشمس في صباحنا، كالنجم في مسائنا.. كالبدر في سمائنا

تضيء دائما حياتنا، وتبقى أنت.. لا تغيب مثلنا

ويمضي في مقطوعته الجميلة:

نحن صنعنا هذه الأحلام، والحياة، والممات من تراب

وسوف نختفي جميعنا يغمرها التراب

وسوف تبقى أنت بعدنا تضيء دائما، وتفتح الأبواب

مَن يعني بهذه المخاطبة الراقية؟ لقد أشار إليه.. إنه الفدائي المدافع عن حريته:

زرعت في قلوبنا الحنين لانتصار

بعد انتظارنا الذي أحالنا إلى مواكب انتظار

حملتَ حجرا.. نفضت عن جبينه الغبار

حتى ذلك الفدائي الذي غنيت له استكثرناه علينا فوأدناه..

عن الأحلام له صوت مسموع ومطبوع في الذاكرة..

أحلامك، ليست أحلام أطفال

أحلام الأطفال السائدة اليوم

لا تعدو اللعبة يتبعها ألف خيال

ومن الحيلة أن تحتال فنسميها إن شئت ذكية

كي تسرق وقتا أطول.. عقلا أفضل

وتضم إلى المال.. المال.

أحلامك.. ليست أحلام رجال..

أحلام رجال اليوم السائدة، الشهوة، والمتعة، والمال.

قد يتجاوزها البعض فيرون الجاه جديراً بنضال. يعرِّفها لنا:

أحلامك ليست ارضية.. أحلامك ليست قدسية

أحلام أرقى بكثير من أن تخطر للناس على بال

إنها تطهير الحلم.. والموطن، والحال، تطهير العقل من التلوث.. والطباع من التلون.. أن تنتصر على غواية شيطانك.. أن تكون إنساناً.. «هي في النساء» عنوان.. عن من يتحدث «النساء كُثر»:

هي في النساء من العجائز باقية

لكنها مفتونة، مغرورة متصابية

تبدي مفاتينها القبيحة للعيون كماهية

ويُزين الصدر العقيم «بروش» عقرب ضارية

هذي العجوز الخاوية

رحلت عن الحي المسَّور بالتقزز في لباس كراهية

وأتت إلى الدنيا الجديدة حيث تنتظم الأنام سواسية..

أو هكذا يبدو التنافس.. فالوساطة في المواهب واهية.

أبدا ليست امرأة.. لعلها كيان قديم كان عظيما يجتر ماضيه له باع طويل في المؤامرات والتدخلات.. إنه الأقرب إلى التصور.

من وثائق معركة الحجارة الخمس.. اجتزئ هذا المقطع:

شراعك فتح، عن قريب وموعد

وصار بك رمح في فم الخصم مغمد

وموجك فياض، وبحرك زاخر

وداعيك ميمون وشاطيك فدفد

أتيت شتاء يمطر الرعب بينهم

ويبرق غارات عليهم ويرعد

على كل ميناء بشائر عودة

وآيات نصر كالنجوم توقد

هكذا تبدو الأحلام أشبه بالحجر تحت الرماد يأبى أن يموت.. ولأن الحلم حياة فإن فينا وفي غيرنا من زال يراوده الحلم الغارب أن يعود إليه من جديد بقدر جديد.. الكائن حي يقربه إلى العلم.. والعلم معرفة وعمل..

شاعرنا مبتئس غاضب على تاريخه أعطى لابنه حبل المشنقة كي يجهز عليه لا لأنه المتهم.. ولكن لأن التاريخ نفسه تجاوز حدوده. اختلت موازينه.. تناثرت سدوده.. لم يعد للتاريخ ولا للجغرافيا مكانة في عالم اليوم.. جاءت دراسة الألوان.. والتحولات في الكيمياء وفي الفيزياء حيث الأبحاث وثروة المعلومات.. والابتكار.. هكذا عبر ثلاثين سنة رصدها شعرا أو نثرا تناثرت حباتها في زوايا الإهمال:

قم يا بني فوق التاريخ والجغرافيا وانظر إلى تاريخنا القريب والبعيد

وابدأ دراسة الألوان.. والأصباغ من جديد

وادرس عجائب التحولات في رموز الكيمياء قد تفيد من أسرارها وتستفيد.

قم يا بني مزق الدواوين التي جمعتها عبر ثلاثين سنة أنفقت فيها العمر والشباب والنقود

عليك رسلك يا شاعرنا.. رسالة الفكر شعرا جاء أو نثراً يؤدي مهمته في الحياة متى جاء صادقا.. إنه إحدى الدعائم الذي يقوم عليها صرح الحياة حتى في زمن التحولات. أخيراً مع مقطوعته (لا وقت للحزن)

أيقظ جمودك هذا الشر يعتمل

والجرح كاللهب المسعور يشتعل

جرى الدم الحر، فالأقصى يقيم له

مجداً، يُخلد فيه الطفل والرجل

تلاحمت في فلسطين حجاراتها

وأهلها. واستطال السهل والجبل

على هذا النسق مضى شاعرنا يسكنه الأمل في مستقبل أفضل لقضيته التي شغلها طوال أدبيات ديوانه الكبير (بشائر من أكتاف الأقصى هي بالنسبة إليه القضية الأولى والأخيرة:

لا وقت للحزن لأيام مثقلة

بالموجعات، وحبل الغدر متصل

لا وقت للحزن إن الحزن يقعدنا

ولا تبارح جسم المعقد العلل

كم دمعة ألهبت أجفاننا، ومحت

عنها السبات وجرح ليس يندمل

(جرح) منصوب بفاعل هو الدمعة.. يحسن أن يكون وجرحا عزيزي سعد أنِسَ سعد برحلتك الشعرية التي جاءت حدوا وشجوا. وشدوا. رفعتَ فيه الصوت، وغنيتَ، وبكيتَ.. كنت فيه الربان. والزورق. والمجاديف مجتمعة.

- الرياض ص. ب 231185 الرمز 11321 ـ فاكس 2053338
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 5621 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة