Culture Magazine Thursday  13/10/2011 G Issue 350
مراجعات
الخميس 15 ,ذو القعدة 1432   العدد  350
 
استراحة داخل صومعة الفكر
نزيف الشهداء
سعد البواردي

د. زاهر بن عواض الألمعي

195 صفحة من القطع المتوسط

شاعرنا أراد أن يقول لنا «نزيف دم الشهداء» والشهداء عند ربهم يرزقون.. ذلك أن الشهادة في سبيل الحق استحقاق أكدته الشرائع السماوية.. والحقوق الإنسانية.. والكرامة البشرية.. يتحدث شاعرنا عن نزيف الدم الفلسطيني وهو يواجه آلة الموت الصهيونية:

فلسطين المجيدة كم رموها

واصلوها المظالم والعذابا

هي الأقداس نام الحر عنها

فطالتها يد الكفر اغتصابا

فكم شبل أذاقوه المنايا

وعرض شامخ أمسى مسابا

مفردة «مسابا» غابت عن فهمي.. ما أعرفه «مستباحاً» وما أقدره أن يكون معابا بداء التلوث الإسرائيلي اللاأخلاقي..

فلا تعجب إذا استرعاك طفل

ولا تعجب إذا قيل شابا

لا أدري ما مناسبة الشيب هنا.. إلا أن تكون قفلة ضرورية استدعاها الموقف. وأحلتها الضرورة.. شاعرنا يبحث ونبحث معه عن دم لشهيد فما نجد:

فهل شهم لداعي القدس لبى؟

وهل حر لمعركةِ أجابا؟

وهل جاء الغني بفضل مال؟

لدعم الزحف أو واسى مصابا؟

لا شيء من كل هذا؟ صمت مطبق أشبه بصمت الموت.. وشح مطبق أشبه بفائلة الجوع والفقر. والتجاهل المروع..

في مقطعه الثاني يتحدث شاعرنا عن دروب العلا:

دروب العلا تبنى عليها المصائر

ويسمو بها فكر ويشتد آصر

ويجمعها شمل يوحد بينها

فتعتز بالحق المبين منابر

ليلاه بعد سكوت وسكون حزين تناشده عن غياب الرجال الأكابر عن دنيانا؟ وتلتفت إلى شاعرنا متسائلة:

أما هز منك الشعر أركان غزة؟

أما ثار للأقصى من العرب ثائر؟

تحيط المنايا كل بيت وأسرة

وأمتنا شجب وذم وخائر

هي نفسها كشفت المستور والمصاب.. ووضعت اصبعها على الجرح النازف.

يتجه شاعرنا الألمعي إلى جيلنا الصاعد الصامت عله يستفزه ويفتح عينيه من رقدة الغفلة مذكراً ومحذراً:

جيلنا الصاعد يا رمز الفدا

طال ليل البغي والظلم استطالا

وبنو صهيون ما زالت لهم

راية في القدس زيفا وانتحالا

قتلوا قوما وقوما شردوا

والبقايا داخل السجن اعتقالا

فلسطين كلها تحولت إلى سجن مفتوح.. وإلى جسد مستباح ومجروح على مشهد من عالم مهرج أو متفرج أو جبان..

«الغضبة الشماء» محطة جديدة في قطار الرحلة: تخفف شيئاً من الغلواء.. وتجفف بعضاً من دموع القنوط:

حيوا فلسطين الأبية واسمعوا

ما ذاع في الآفاق عنها من صدى

هبت ربوع القدس ثارت غزة

دق الجهاد الحر بابا موصدا

فالشيب والشبان يحمون الحمى

ويطهرون من الغزاة المسجد

هذا كان بالأمس لحظة يقظة.. أما اليوم القدس بمسجدها تهوَّد.. وغزة الحرة تعاني من حصار خانق يفرضه عليها الأشقاء والأعداء على حد سواء.. لا ضوء يبدو في النفق المظلم حتى الساعة..

«جيل الانتفاضة» أيضاً عنوان له ما بعده:

بساح القدس داعٍ قد اهابا

فهب الشعب حرا واستجابا

وفي جنباته في كل شبر

سما الأبطال واخترقوا الصعابا

ودوت صيحة التحرير كثرا

ودقت من حمى الأعداء بابا

هكذا يقول شاعرنا، أو يأمل.. ساح القدس تدوسه الأقدام الهمجية بعد أن دقت من حمى أهلنا كل الأبواب وفتحتها..

يسترجع في ذاكرته صوراً مشرقة من الانتصارات التاريخية القديمة أيام كان للعرب والمسلمين صولة وجولة مستدلاً بمقولة شوقي:

«وما استعصى على قوم منال

إذا الأقدام كان لهم ركابا»

وفي تاريخنا الأسنى جهاد

وقد شرف المقام به وطابا

«صلاح الدين» في حطين تروي

ملاحمه لنا العجب العجابا

تقول بأن درب النصر دين

فإن نسلك أصبنا ما أصاب

وينهي مقطوعته الجميلة بهذا البيت:

فإن رمتم زوال ضيم فاسعوا

إلى سبل الوغى أُسُداً غضابا

أقول لشاعرنا في النهاية ما قاله شوقي نفسه:

وما نيل المطالب بالتمني

ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

من جهاد.. إلى جهد.. وإلى جهاد.. هكذا يأخذنا الألمعي في ديوانه «نزيف الشهداء».. أي نزيف دم الشهداء.. انه يعود بنا من جديد إلى درب الجهاد الوجداني العقلاني.. وهو يناجي ليلاه وقد كادت تند عن دربه:

عودي فذكركِ بالثناء على فمي

ومكان حبكِ من فؤادي في دمي

الشطر الثاني استحسنه هكذا: «ومكان حبك في فؤادي من دمي».. وكلاهم صحيح.. ويسترسل قائلاً:

حتى إذا ندت طيوفكِ وانبرى

حبي يثلَّم بالصدود ويرتمي

أحجمتُ لا أرضى ببذل مودتي

إلا لمؤتلق المناقب.. أكرم

ويناشدها.. ينشدها أن تصحو من صدها:

ناشدتكِ القربى وأنتِ عليمة

إني بحبك للمعالي أنتمي

فاسترجعي ليلاي محض ودادنا

وتفهمي نجواي أي تفهم

وتبيني حيل الغواة فمُكرهم

يخفي وراء المدح لدغة أرقم

يكشف لها أخيراً الخطة المخادعة:

قد قيدوك وأنتِ روح حرة

فتمردي وحذار ان تستسلمي

وتعود به عقارب الساعة من جديد إلى مشاغله الجهادية.. وواقع أمته العربية:

المسجد الأقصى ويا لإهابة

حرى مضرجة تحشر في فمي

خجلا وحزنا من مواقف معشر

من مأثم يتخبطون بمأثم

شغلتهم الثارات فيما بينهم

وتنكبوا نهج الصراط الأقوم

هذا يميني! ورجعي وذا

حزب السار يقال عنه تقدمي

ما غير دين الله يجمع شملنا

ويعيد سؤدد مجدنا المتصرم

هذا.. لو صدقنا.. وصدقنا ما جاء في كتابه الكريم.. ({وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ}.

السلام مع إسرائيل مع كما يراه شاعرنا:

قالوا: سلاما دائما نسعى له

يا ويحهم.. أين السلام المزمع؟!

ليس السلام ترنما يجلو لمن

عشق السلام لجرسه يتسمع

إن السلام مواقف تبنى على

أسس العدالة لا تُخان وتُمنع

وإذا سبرتَ مخاطر السلم الذي

تبغيه إسرائيل قضّ المضجع

فإذا بدا للسلم بادرة تُرى

فيها الحقوق من العدا تُسترجع

فالصلح ليس مذلة إن صانه

عدل حمى الإسلام فيه الأمتع

أذكر فارس رحلتنا أن لا مكان لقوة المنطق أمام منطق القوة.. عالمنا شعاره سيطرة المصالح على سيطرة المبادئ.. فلسطين أولاً.. وثانياً.. وثالثاً.. ورابعاً.. إنها القصد ومن أجلها جاء القصيد.. هذه المرة مع فارس من فلسطين:

مددنا على درب الجهاد لنا جسرا

ونادى منادي الحق من الورى جهرا

وتاقت إلى الأقصى مشاعر عزة

فهل هبَّ مقدام فشد لنا أزرا؟

فإن بني صهيون عاثت بأرضنا

فساداً وصالت بين أوطاننا قهراً

اليوم على مساحة أرضنا وساحتها أكثر من قهر.. وأكثر من عدواني.. عراق كفلسطين.. وسودان كفلسطين.. وصومال كفلسطين.. وباكستان كفلسطين وأفغان كفلسطين.. ولبنان على فوهة بركان.. يتشفى بها خصومنا.. جعلوا منها ومن أهلها حقل تجارب لأسلحتهم الفتاكة.. المأساة أن البعض من أهلها أدوات احتلال وإذلال..

إذا لم تقم تلحق في الأرض قوة

تهدم ركن المجد وارتاع مزورَّا

ولو جمعت بين القلوب عقيدة

لما احتلت إسرائيل من أرضا فترا

وددت لو أبدل شاعرنا مفردة «فترا» بشقيقتها «شِبرا».. وكلتاهما صحيح.

«ساعات الانتظار» ماذا ننتظر فيها؟! وجدتها مجرد مدخل لما بعدها من عناوين شعرية جديدة.. أولها الانتخابات في إسرائيل.. أن يقول:

ضاع في الأوهام صوت الخطب

وبدا في الأفق زيف الكذب

وتوارى في حنايا ظلم

مجد آبائي الأباة النجب

وصحا قوم وفي أوطانهم

بؤرة للناهب المستلب

من قال لك أن للقوم صحوة.. إنها ما برحت غفوة طويلة وثقيلة يا شاعرنا.. ألست القائل؟!

كل حرب تنجلي عن نكسة

اثخنت بالجرح جيش العرب

والسبب أن العرب حاربوا بجيوش مختلفة الأهداف. وإسرائيل بجيش واحد موحّد الأهداف.. ألم يقل شاعرنا القديم:

تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا

وإذا انفردن تكسرت آحادا

الدعوة إلى الاعتصام أمر رباني جافيناه فخسرنا المعركة.. وخسرنا أكثر من بلد عربي وإسلامي.. لضعفنا وهواننا على أنفسنا تداعت علينا الأمم كما تتداعى الأيدي الجائعة على قصعتها.. وكنا نحن القصعة أمام أيدي الطامعين في خيراتنا وفي حرياتنا..

الألمعي قال عن مجلس الأمن «اللاأمن»

مجلس الأمن ثوت اعلامه

وارتدى بالظلم نهجا وشعارا

ليس يلحق به معتصم

كلما لذنا به لفَّ ودارا

كل يوم جلسة طارئة

وقرار ساذج يتلو قرارا!

ألم تسمع يا عزيزي بالفيتو.. أو النقض.. سلاح الكبار المنتصرين في الحرب العالمية الثانية.. صوت واحد بالاعتراض يكفي لمصادرة الحق..

«أمة الجهاد» عنوان جديد ومناشدة جديدة لعل وعسى..

تناشدني ليلاي والدهر مزورُّ

ووجه المآسي في فلسطين مغبرُّ

واقعنا في غفلة لا يطيقها

أبيٌّ ولا يرضى بوطأتها حر

ويتساءل .. ونتساءل معه:

فماذا داهنا بعد عز ورفعة

وآمالنا طيف يردده الشعر

أتاهت جواري الكون واختل نظمها

فحلَّ بنا من هولها اليأس والنكر؟

أكاد أقول نعم.. ولكن بيدنا لا بيد الجواري الكونية.. شاعرنا القديم دلَّنا على العلة بقوله:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

فدنيانا التصنع والترائي

ويأكل بعضنا بعضا عيانا

للشباب نداء في خطابه الشعري:

أمجدُ الشباب ألا تهتدي

فتسعى بجدٍّ إلى السؤدد

هنا اليوم خطب لنجتازه

بعزم علا ذروة الأمجد

هنا الثأر يدعو بني أمة

سما مجدها من هدى أحمد

لعل في مناشدته ما يستحث الهمم.. ويوقظ الأمم من رقدتها:

ألا يا فلسطين لا تيأسي

فنحن جميعاً على موعد

فللعرب زحف يبيد العدا

ويجتاح ما شيدوا في غد

وفي الجيش تنساب روح الكفاح

فتنهار منها قوى الملحد

مجرد أمنيات لا تكفي إذا لم يواكبها عمل جاد تحقق به الأمل المنشود.. الحياة الحرة ليست حبلى..

«ضجت رحاب القدس» وصل رنينها وأنينها أسماع الذين في آذانهم وقر.. لعلهم يستفيقوا ويفيقوا..

ضجت رحاب القدس وانتفض الثرى

وتفجر البركان من أم القرى

ومضى ينادي أمة قوامة..

لتدك صرح البغي ثمة زمجرا

في أي شرع، أو بأية ملة

قُتل الرضيع يباح في دنيا الورى

أتداس أقدام الجدود تعنتا

ومساجد التقوى تهان وتزدرى

أسئلة تطرح تبحث لها عن مطرح.. وعن علامات استفهام لازبة وناقصة:

كثيرة تلك لأسئلة أعادها واستعادها بنفس الإحساس والحماس.. وأخشى أن يكون أذانه في مالطة!

«موطن الإسراء» محطة مختصرة:

توالت بكيد الغاصبين متاعبه

وكاد من الأعداء ينهدُّ جانبه

ففي موطن الإسراء قد عاثت العدا

وزادت على مر السنين مصائبه

تنادي ربوع القدس أبناء أمتي

وتشكو احتلالا قد توالت مثالبه

يلوك بأنياب الشراسة صيده

وتبطش بالأشلاء عسفا مخالبه

فلا العالم الغربي ثاب لرشده

ولا العالم الشرقي طابت مآربه

ومؤتمرات العدل ضج لها الورى

فهل يستوي المسلوب حقا وسالبه؟

ربوع القدس يا شاعرنا بُحَّ صوتها فما من مجيب ولا مستجيب:

لقد اسمعت لو ناديت حيا

ولكن لا حياة لمن تنادي

أخيراً ينتهي بنا المطاف والقطاف مع مقطوعة شاعرنا زاهر بن عواض الألمعي مع مقطوعته «وحدة العرب» الخاتمة لديوانه «نزيف الشهداء» أي نزيف دم الشهداء.. إنه الأمل.. أو الحلم الذي يداعب كل عربي:

لا مجد للعرب ما دامت حناجرهم

في كل أمر تنادي هيئة الأمم

يا أيها العرب أحيوا نهج شرعتكم

من طارف العز أو من تالد الكرم

وانفوا عن الأرض في عدل ومرحمة

رواسب الجهل والأمراض والعدم

وبرهنوا للورى عند صدق وحدتكم

وابنوا البلاء على الأسمى من النظم

ويسترسل في دعوته لأمته:

أما البناء على الفوضى بدون هدى

فقد سئمنا فضول القول والكلم

والقول ما لم يكن بالفعل مقترنا

فإنه عرض في حيِّز العدم

فهل لكم وحدة تُبنى على أسس

من العدالة والإسلام والقيم؟

من منبت الوحي تستقي مشاربها

لا مِن رؤى الغرب أو مُستسمن الورم

تأبى الأشاوس أن تُرتاد ساحتها

وأن تلين لزحف غاصب عرِم

وبصوت لا يخلو من استنفار واستذكار:

فأيقظوا الوعي من كابوس غفلته

بزاجر من درى الأمجاد محتدم

إن المبادئ والأخلاق سنتها

تبني الشعوب وترعى حرمة الأمم

بهذه المناشدة.. وبهذا الإحساس من الألم طوف بنا شاعرنا في فضاءات الجرح الواسع على مساحة جسدنا العربي.. وعلى مسافة عالمنا الإسلامي.. وفي قلبه فلسطين المستباحة.. وفي قلبها قدسه الذي يجري على قدم وساق تهويده وتغيير معالمه التاريخية.. وتدمير تراثه الفلسطيني.. لعل ذكرى تنفع المؤمنين قبل أن يسدل الستار على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين على مشهد من الهوان والضعف لا يُغتفر.

-


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة