كشفتُ فيما سبق عن الاهتمام الكبير الذي يلقاه (القارئ);لدى مناهج ما بعد الحداثة، وأوضحتُ كيف أنَّ هذا الاهتمام أدى إلى نشوء بعض (المصطلحات);التي تصور حجم الأثر الذي يُحدثه (القارئ);أثناء (العملية الإبداعية);و(الممارسة النقدية)، ومن تلك المصطلحات (أُفُقُ الانتظار);أو (أُفُقُ التوقُّع);Horizon of expectation الذي بينتُ حينها أهم دلالاته وأبرز مقاصده لدى أصحاب تلك المناهج.
إنَّ المستويات (الثقافية);و(المعرفية);و(الجمالية/التذوقية);التي يكون عليها (المتلقون);أثناء (استجابتهم);(للعمل الأدبي);تكون مُختلفةً مُتباينة، وهذا أمر طبعي، فكُلُّ (قارئ);يكتسب في هذه الحياة ثقافةً تَختلف عن الآخر، ويشترك مَجموعةٌ من (المتلقين);في (عقيدة معينة);ويَختلف آخرون عنهم، ويتوافق غيرهم في (جنسٍ مُخصَّص);بينما يَجتمع آخرون في جنسٍ آخر، وحين يُقبلُ هؤلاء (المتلقون);على اختلاف (مستوياتهم);وتباين (اتجاهاتهم);على (قراءة);(نص);وشروع في (تلقيه);و(استقباله);فإن الأمر البدهي الذي يُمكن أن نتصوره هنا هو أن هذه (المستويات);و(الاتجاهات);سيكون لها الأثر الأكبر في تَحديد طبيعة (استجابة);كل (قارئ);(للنص);الذي أمامه، وسيكون لها (الكلمة الفصل);في نوعية (الحكم);الذي يُنتظر صدوره عن هؤلاء (المتلقين);المختلفين.
إنَّ (المتلقي/القارئ);حين يبدأ في (الممارسة النقدية);(لعمل إبداعي);ما فإنه يتوقَّع منه أن يستجيب (لأفق انتظاره)، ويتناغم مع (الثقافة المعرفية);و(الخبرة الجمالية);التي اكتسبها فيما سبق، وتُشكِّل له في الوقت نفسه تصوُّرَهُ (للظاهرة الأدبية)، ولذلك يؤكد (هانز جورج جادامر);Hans-Georg Gadamar في كثير من مواضع دراسته المطولة (الحقيقة والمنهج);Truth and Method على أهمية (الأفق);في تَحديد (استقبال);(القارئ);(للنص);أو حدوث المعنى، بل إنه يتجاوز ذلك إلى القول بأنَّ معنى (النص);يُحدِّده (الأفق);بصورةٍ مُسبقة.
وليس بغريبٍ على أصحاب هذه المناهج التأكيد على هذه (الرؤية);إذا ما عرفنا أنهم ينطلقون من (فكرة);تُقرِّر أنَّ المهم هو ليس ما يقوله (النص)، ولا من قاله، ولا (مضامينه);و(معانيه);التي تبقى نسبية، بل ما يتركه العمل من (آثارٍ شعوريةٍ);و(وقعٍ فنِّيٍّ وجماليٍّ);في النفوس، والبحث عن (أسرار خلود);أعمال مبدعين كبار وأسباب (ديمومتها);وحيثيات روعتها و(عبقريتها الفنية)، ولذلك تُحاول هذه المناهج في ضوء ما سبق أن تُعيد قراءة (الموروث الأدبي والإبداعي);من خلال التركيز على (ردود القُرَّاء);و(تأويلاتهم للنصوص)، وانفعالاتهم وكيفية تعاملهم معها أثناء (التقبُّل)، و(طبيعة التأثير);التي تتركها نفسياً وجَمالياً لدى القُرَّاء عبر اختلاف (السياقات);التاريخية والاجتماعية.
ولذلك فقد كان ل(أفق الانتظار);عند أصحاب هذه المناهج الأثر الأكبر على (الأحكام النقدية);التي تُقوِّم (الأعمال الأدبية);وتَحكم على (مستوياتها الفنية)، وذلك يتبين بشكلٍ جلي حين نعرف (موقف);هذا (الأفق);من (النص الإبداعي);و(طبيعة);هذا (التوقع);من (الخطاب الأدبي)، فعندما يستجيب (أفق انتظار القارئ);ل(أفق النص);ويتفق معه، وكان (النصُّ);يُبادِلُهُ هذا الشعور ويُراعيه هو الآخر فإنَّ هذا يعني أنَّ هناك (ائتلافاً);و(تأثراً);سيحصل بينهما، وبالتالي سيكون هناك (تواصلٌ);و(مُشاركةٌ);و(تفاعلٌ);بين الطرفين: (النص);و(القارئ)، بيد أنَّ هذا لا يعني بطبيعة الحال أنَّ (النصَّ);ذو طبيعة فنية عالية، بل على العكس من ذلك، فقد يكون (النصُّ);دون (المستوى الفني);المأمول، وهذا (التفاعل);الذي حصل إنما كان بسبب (استجابة);(النص);ل(أفق توقع القارئ);وتوافقه مع (أفق انتظاره)، ولا علاقة لذلك بالمستوى الجمالي الذي يتمتع به (النص).
أما (النصُّ);الذي يَمتلك المقومات (الفنية);العالية والقيمة (الجمالية);المرتفعة فإنه لا يُهِمُّ أن يكون متوافقاً مع (أفق القارئ);أو مُختلفاً معه ومتصادماً مع طبيعة استجابته، فهذا النوع من (النصوص);هو وحده القادر على أن يؤثر على (القارئ)، وينفذ في نفسه ويقلب لديه الموازين، خصوصاً حين يكون (أُفُقُ);ذلك النص مُختلفاً عن (أفق انتظار);القارئ ومُخيِّباً ل(أُفُقِ توقعه)، و(النص);الذي استطاع أن يفعل ذلك على الرغم من هذا الاختلاف هو بلا شك (نصٌّ);استثنائي و(خطاب);متميز على المستويات كافة. وبناءً على ما سبق فإن (العمل الأدبي);قد يراعي (أفق انتظار القارئ);عندما يستجيب لمعاييره (الفنية);و(الجمالية);و(الأجناسية);عبر عمليات (المشابهة النصية);و(المعرفة الخلفية);و(قواعد الأجناس);و(الأنواع الأدبية);التي يعرفها في (نظرية الأدب)، ولكن قد يَخيبُ توقُّعُهُ ويُفاجأ إذا واجه (نصاً);حداثياً جديداً لم ينسجم مع القواعد التي يتسلَّح بِها في (مقاربة);(النص الأدبي)، فعندما يقوم (القارئ);بِ(مُمارسة القراءة);للنصوص المعتادة المكررة فإنها بلا شك ستراعي (أفق انتظاره);لأنه تعوَّد على (قراءتها);من خلال (معايير);و(آليات تَجنيسية);و(تَحليلية);معروفة، بيد أنه إذا قام بهذه الممارسة (لنصوصٍ);مُتميزة ومُختلفة عن (أُفُقِ تَوقُّعِهِ)، فإنها بطبيعة الحال ستصدمه بطرائق (فنية);جديدة (تنزاح);عَمَّا ألفه من مفاهيم (القراءة التقليدية);بسبب (الانزياح الفني);بين الطرائق الموجودة في (النصوص التقليدية);و(النصوص الحديثة)، وهذا يعني أنَّ هناك (مَسافةً جَماليَّة);-كما يُسمِّيها (هانز روبرت ياوس);Jauss Robert Hans- تُربِكُ القارئ وتَجعل (توقعه الانتظاري);خائبا بفعل هذا (الخرق الفني والجمالي);الذي يسمو بالأعمال الأدبية ويجعلها خالدة.
ويقصد (ياوس);ب(المسافة الجمالية): ذلك (البعد القائم);بين ظهور (الأثر الأدبي);نفسه وبين (أفق انتظاره)، وأنه لا يُمكن الحصول على هذه (المسافة);من (استقراء);ردود أفعال القُرَّاء على (الأثر)، أي من تلك (الأحكام النقدية);التي يطلقونها عليه، وهو يؤكد هنا على أنَّ (الآثار الأدبية);الجيدة هي تلك التي تُنمِّي (انتظار الجمهور);بالخيبة، إذ إنَّ الآثار الأخرى التي تُرضي (آفاق انتظارها);وتُلبِّي رَغَبَات قُرَّائها المعاصرين هي آثارٌ عادية جداً تكتفي عَادةً باستعمال (النماذج الحاصلة);في البناء والتعبير، وهي نَماذج تَعوَّد عليها القُرَّاء، فإنَّ آثاراً من هذا النوع هي آثارٌ (للاستهلاك السريع);سُرعان ما يأتي عليها البلى، أما الآثار التي تُخيِّبُ (آفاق انتظارها);وتُغيظُ جُمهورها المعاصر لها، فإنها آثارٌ تُطوِّر (الجمهور);وتُطوِّر (وسائل التقويم);والحاجة من الفن، أو هي آثارٌ ترفض إلى حينٍ حتى تَخلق (جُمهورها);خلقا، وهناك (نصوص);تُغيِّرُ (أُفُقَ انتظار القارئ);الذي يَجمع بين (الذكاء);و(الفطنة);حيث يتعلَّم بِسرعةٍ كُلَّ ما هو جديد، ويتكيَّفُ مع كلِّ نصٍّ (طليعي);أو (حداثي)؛ حيث يُغيِّر هذا (القارئ);من (آليات قراءته);و(أدواته);حتى ينسجم مع (معطيات النصوص المفتوحة).
بقي أن أقول إنَّ نشوء (أُفُقَ الانتظار);لدى هذه المناهج هو نتيجة طبعية للاهتمام الكبير الذي يلقاه (القارئ);في ظلها، والأثر المهم الذي تُعوِّل عليه فيه حين يُمارس (قراءة النص)، ويعيد (إنتاجه);و(كتابته)، ويكفي أن نعرف لتصوُّر ذلك أنهم يعتمدون في الحكم على (جودة النص);من عدمه على طبيعة استجابة (أفق القارئ);(لأفق النص)، (فالخطاب);المتميز هو ذلك القادر على أن يَخترق (بأفقه الخاص);(أفق القارئ)، ويستطيع أن يقلب موازينه إلى الدرجة التي ربما يدعوه فيها إلى إعادة النظر في (أفق انتظاره)، وما سوى ذلك فهو (نصٌّ);عاديٌّ (مألوفٌ مُكرَّر).
إلا أنني أشير هنا إلى أنَّ هذا (الأفق);يتصادم مع الأساس الرئيس لمناهج (النقد الحداثي);بشكل عام التي كانت تعتمد اعتماداً كبيراً على (اللغة);و(الأسلوب);رافعةً شعار (سلطة النص)؛ ذلك أنها لا ترضى بأن يتحكَّم في (مستوى النص);أيُّ شيءٍ من (خارجه)، بل لا بد أن يكون (نسيج النص);و(بنيته اللغوية);و(أسلوبه);و(أجزاؤه الداخلية);هي (المعيار);التي يُحتكم إليه في تحديد (المستوى الفني);(للخطاب)، ولا شكَّ أن (أفق الانتظار);من (المؤثرات الخارجية);المهمة التي جعلها (نُقَّاد ما بعد الحداثة);حَكَمَاً رئيساً في تَحديد (قيمة النص)، ومعياراً أساساً في الحكم على (مستواه الفني).
Omar1401@gmail.com
الرياض