خاص بـ»الجزيرة» - الرياض
كشف معالي وزير الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ عن انحراف بعض المستفتين في طلبهم للفتوى وتوجيه أسئلة (ملغومة) مما يجعل المفتي يفتي بالشكل الذي يريد المستفتي، وحذّر معاليه من تنقلات المستفتين بين المفتين للحصول على ما يريدونه من آراء طبقاً لما يهوون، وأنه ينبغي للقائمين على الفتوى بأن يدققوا في التفاصيل الخاصة بالموضوع الذي يفتون فيه، وقال: للأسف وجدنا الآن من يجرؤ على الفتيا حتى أصبح الأمر مختلطاً أعظم الاختلاط من جهة المفتي في العلم وجهة المستفتين أيضاً وعدم مراعاة آداب الاستفتاء وما يبرئ ذمة المستفتي أمام ربه جل وعلا، وإن الناس اليوم ضَعُفَ عملهم بهذا الأصل العظيم بخلاف الصحابة المقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى لم يذكر عنهم في كتابه أنهم سألوا نبيه إلا عن نحو اثنتي عشرة مسألة، وفي السُنة شيء يزيد على هذا من جهة المطابقة، إذا كان همهم امتثال الأمر واجتناب النهي، وكانوا يفرحون إذا أتى رجل من الأعراب ليسأل النبي صلى الله عليه وسلم، ويكفيهم مؤونة سؤال الرسول عليه الصلاة والسلام وذلك لعظم شأن هذا الأمر، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم عليهم من أجل مسألته).
التهاون في أمر الفتيا
وأكد معالي الشيخ صالح آل الشيخ في حديثه عن الفتوى في دراسة شرعية عن (الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء)، الذي صدر عن الإدارة العامة للعلاقات العامة والإعلام بوزارة الشؤون الإسلامية: أن هذا الموضوع مهم في ظل ما نراه من التهاون في أمر الفتيا، فصار لكل من القنوات الإذاعية مفت وأكثر، وكذلك الجرائد والمجلات، بل إن المجلات التي تنشر الفسق يوجد فيها من يفتي، وهذا يبين أن الأمر جد خطير، فإن الناس إذا تُركوا على هذا فإنه سيأتي قومٌ يتهاونون ويتجرؤون أكثر، فيحلون الحرام ويحرمون الحلال - والعياذ بالله - وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: (إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهولاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، وهذا يعني أنه يجب على طلبة العلم بخاصة، والعلماء بعامة أن يبينوا للناس خطر الفتوى، وأن يُعلموهم أن لا يتجرؤوا على السؤال، ويجب عليهم أن لا يتسرعوا في الإجابة لأن الناس إذا رأوا من يُفتي في كل حال فإنهم يحرصون على السؤال عما وقع وعما لم يقع وعن كل شيء، فيقع الكثير من البلبلة، وقد كان من هدي سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - أنه لا يفتي وهو واقف إلا ما ندر، ولا يفتي وهو في السيارة، وإنما كان إذا أراد أن يفتي تربع، واستحضر ذهنه واستجمع قواه، وطلب من السائل أن يلقي عليه المسألة فعند ذلك يفتي، كما أن المشايخ كانوا يروون عنه - رحمه الله - أنه ربما أخر الفتوى شهراً إذا كان لها صلة بأمر عظيم حتى ينظر فيها ويستخير، وكان يتريث في بعض المسائل التي يريد أن يجيب فيها، فيمكث في السطر أو السطرين دقائق ليملي مخافة أن يكون في لفظ منها زيادة أو نقص، وهذا نهج السلف الصالح في هذا الأصل من التورّع والتثبت في الفتيا لما لها من الآثار.
وعن أصول الإفتاء والاستفتاء والحكم والتحاكم، يبين الشيخ صالح آل الشيخ: إن الله جل وعلا نص في كتابه على كثيرٍ من أصول الإفتاء والاستفتاء والحكم والتحاكم قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} التوبة122، وقال ابن حزم - رحمه الله- في هذه الآية في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام»: بيَّن - عزَّ وجلَّ - في هذه الآية وجه التفقه كله، وأنه ينقسم إلى قسمين: أحدهما: يخص المرء نفسه، وذلك مبين في قوله تعالى: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ}، فهذا معناه تعليم أهل العلم لمن جهل الحكم بما يلزمه.
والثاني تفقه من أراد وجه الله تعالى، بأن يكون منذراً لقومه وطبقته، قال تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل43، ففرض على كل أحد طلب ما يلزمه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه في تعرف ما ألزمه الله تعالى إياه، وقال الله جل وعلا في بيان وصف نبيه صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم 3 -4، فدلت الآية على أن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌ يوحى إليه، وهذا هو الشره وما يقابله هو الهوى.
قال الشاطبي - رحمه الله - في (الموافقات): (فقد حصر الأمر في شيئين: الوحي، وهو الشريعة، والهوى، فلا ثالث لهما، وإذا كان كذلك فهما متضادان، وحين تعين الحق في الوحي توجه للهوى ضده، فاتباع الهوى مضاد للحق).
القول بالحلال والحرام
وأكد آل الشيخ على استفتاء العلماء الربانيين، وهذا من منطلق قول الله: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} النحل43، فالواجب على المسلم أن يسأل العالمَ إذا كان لا يعلم، فيتعين السؤال على من لم يعلم العلمَ المنزل أو المجتهد فيه، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } النساء 59
وحذر معاليه من خطورة القول بالحلال والحرام مستدلاً بقوله تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ } النحل 116، وهذا يبين لك شدة خطر القول بأن هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ كما عنون بعض المؤلفين كتبهم بالحلال والحرام، وهذا من أشد الأشياء أن تقال، لأن المرء لا يجزم بموافقة حكم الله جلَّ وعلا في المسائل الخلافية، فلا يقولون: هذا حلال إلا لما اتضح دليله، وكثير منهم يعبر بتعبير: أكرهه، لا أحبه، أو يقول: لا يجوز هذا. ونحو ذلك، وذلك بعداً منهم وخلوصاً من استعمال لفظ الحلال ولفظ الحرام، ولهذا قال الفقهاء - رحمهم الله تعالى - في تخريج كلام الأئمة ككلام الإمام الشافعي، والإمام أحمد وغيرهما: إنهم يريدون كراهة التحريم، لأن هذا ليس مكروهاً بمعنى أن يثاب تاركه، ولا يعاقب فاعله، لكنه يدخل في قواعد الشرع في أنه في تلك المسألة أنه يعاقب فاعله، لكنهم لم ينصوا على التحريم تورعاً، وخوفاً من الله جلا وعلا وهذا من الأدب الرفيع، ومن الخوف من الكذب على الله جلَّ وعلا وقد قال الله سبحانه أيضاً بعد صدر الآية: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ} يونس 59- 60.. مؤكداً أن هذا يوجب الخوف من الدخول في الفتيا في كل ما يسأل عنه الناس، وهناك غير هذه الآيات كثير.
وقال معاليه: إننا نعلم أن الكتاب والسنة، وأن هدي السلف الصالح، وما كان عليه أئمتنا - رحمهم الله تعالى - هو التشديدُ في أمر الفتوى، وأن المرء يجب عليه أن يربأ بنفسه أن يعرِّض دينه، وحسناته للخطر بذنبٍ يحدثه في الأمة، خاصة أنه كثر في زماننا هذا أن تسمع السائل يقول: سألت الشيخ فلاناً فأجابني بكذا، وسألت الشيخ غيره فأجابني بكذا، وإذا بالمفتين مئات في عرض البلاد وطولها، وهذا لا شك أنه يخالف الدين، وينافي الورع، فالتعليم والبحث شيء، والفتوى شيءٌ آخر، فإن المرء لا يسوغ له أن يفتي في كل ما يسأل عنه، إلا إذا تعينت عليه الفتوى.
السكوت عن الحق
وفرق وزير الشؤون الإسلامية بين ترك الفتوى والسكوت عن الحق وقال: لا شك أن الصحابة لم يسكتوا عن حقٍّ تعين، والصحابة تركوا الفتوى طلباً للسلامة، والفرق بينهم أن ترك الفتوى عند عدم تعين الإفتاء فيها يقتضيه الورع، وهذا من هدي السلف، أما إذا تعينت عليه الفتوى بحيث يكون عنده علم في المسألة، ولا يوجد غيره فيلزمه أن يفتي، لأنه إذا لم يفعل سيبقى المستفتي على الجهل، أو يدفعه إلى الأخذ بالهوى أو بالرأي أو نحو ذلك، أو يسأل من لا علم عنده، فحينئذٍ يلزمه أن يفتي، لأنه تعينت عليه الفتوى.
أما السكوت عن الحق والمصالح التي يراها والمفاسد، فهذا يختلف عن الفتوى، فليس لأحد أن يسكت عن بيان الحق باللسان بالأسلوب الشرعي الذي أمر الله جلّ وعلا به في كتابه وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم في نحو قوله: (ما بال رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرطٍ) كما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة في قصة عتق (بريرة) المعروفة.
الفتوى والقضاء
كما فرق معاليه بين الفتوى والقضاء وقال: الفتوى بابٌ، والقضاء بابٌ آخر، والفرق بينهما أن القضاء يكون بين متخاصمين في إلزام أحدهما بأداء الحق لصاحبه، والذي يحكم بينهما هو القاضي الذي نصبه ولي الأمر، ليقضي بين الناس فيما اختلفوا فيه، وتشاجروا عليه، أما المفتي فإنه يبين الحكم الشرعي من دون إلزام، ويترك العمل بالفتوى أو عدم العمل بها، لما يكون من ورع المستفتي وتقواه، فلا يبحث المفتي عن حال المستفتي: هل التزم أو لم يلتزم، وأما القاضي فإنه يُلزِم بتنفيذ الحكم بما فوضه إليه ولي الأمر، ولهذا قال العلماء: إن القاضي لا يصح له أن يفتي في المسائل التي يقضي فيها فلا يصح أن يفتي في مسائل البيوع، ولا في مسائل النكاح، ولا في مسائل الشركات، ولا في مسائل القتل، ولا في مسائل الأعراض، لأن الناس إذا علموا فتوى القاضي في هذه المسائل فإنهم يؤولون أمورهم عند الرفع إليه، وعند التنازع بما يوافق فتواه، ولهذا نص ابن قدامة في (المغني) في (كتاب القضاء) على أن للقاضي أن يفتي في أمور العبادات فيما بين المرء وبين ربه جلّ وعلا، أما في المسائل التي يكون فيها خصومة فإنه لا يفتي، كما أن المفتي لا يفتي في المسائل التي فيها خصومة، ولهذا نرى المشايخ إذا عرضت على أحدهم مسألة استفتاء فيها خصومة يقول المستفتي: أختلفُ أنا وأخي في كذا، أو والدي في كذا، أو حصل بيننا كذا، فيقول المفتي: هذه الخصومة مردها إلى القضاء، فيحيل ذلك إلى الحاكم الشرعي، أو إلى القاضي الشرعي، أما المفتي فإنما يفتي في المسائل التي لا تتعدى المستفتي إلى غيره ممن له عليه خصومة، فإذا تعدت فإن المسألة لا تكون حينئذٍ من باب الإفتاء، بل تكون من باب آخر، وينبني على هذا تصرفات المفتي والقاضي.
كما فرق معاليه بين الاجتهاد المطلق، والاجتهاد المذهبي، والتقليد.. وقال: الاجتهاد المطلق هو أن يجتهد العالم في إدراك الأحكام الشرعية من الأدلة بعد معرفة الأدلة، ومعرفة أصول الاستنباط واللغة، وهذا إنما هو لعدد قليل من الأئمة في الإسلام.
أما المجتهد المذهبي فهو الاجتهاد في نطاق مذهب من المذاهب الإسلامية كالمذهب الشافعي، أو المذهب الحنبلي، وغيرهما، فيجتهد في هذا المذهب، ليختار منه ما هو موافق للدليل، ولقواعد الشرع، ولكن لا يخرج في اجتهاده عن هذا المذهب وأصوله وقواعده.
أما التقليد فقد عرّفه العلماء: بأنه قبولُ قول الغير من غير حجة، والأول والثاني - أعني المجتهد المطلق والمجتهد المذهبي يعدان من العلماء.. مؤكداً أن المقلد وهو الذي ينقل كلام أهل العلم بلا حجة، ولا يعرف من أين أخذوا فقد قال ابن عبد البر - رحمه الله - تعالى: أجمع العلماء على أن المقلد ليس بعالم، وليس له أن يفتي، والمجتهد المطلق فهذا بلا شك له حق أن يفتي لما معه من العلم، والمجتهد النسبي أو في المذهب فله أيضاً أن يفتي، ويجب عليه أن يتحرى الحق الموافق لمطابقة هذه الفتوى، ولا يثق بأول خاطر بأن هذه المسألة نصوا عليها فيتعجل في الإفتاء مع سعة الوقت للفتوى، بل يجب عليه أن يتأنى فإذا استبان له ما لم يتعين عليه أن يفتي، وتحقق في المسألة بإتقان وإيقان، فإنه حينئذ يبين ذلك لمن سأله إذا أراد ذلك.
قواعد في الفتوى
وحدد معالي الشيخ صالح آل الشيخ قواعد في الفتوى، أولها قاعدة (لا اجتهاد مع النص)، وقال: إن العلماء نصوا على هذه القاعدة في كتبهم، وبينوا أن النص إذا ورد فإنه ليس للعالم أن يجتهد، لأن الله - جلا وعلا - قد حكم فيها، أو حكم فيها نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا قول لأحد بعد ورود قول الله تعالى، أو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذا تكلم ابن القيم في كتابه (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، أو (معالم الموقعين عن رب العالمين) يعني معالم طريق الإفتاء للذين يوقعون ويفتون عن رب العالمين تكلم عن هذه القاعدة بكلام طويل، ومن فروع هذه القاعدة: أنه لا تجوز الفتوى على خلاف النص، وهنا نجد أن هناك اجتهاداً مع النص عند كثير من المنتسبين للعلم، فنقول: إن الاجتهاد إذا ورد مع النص فله أحوال، منها: أن تكون المسألة المنصوص عليها هي عين المسألة المسؤول عنها، فهذه لا يجوز الاجتهاد فيها مع النص.
أما القاعدة الثانية (لا إنكار في مسائل الاجتهاد)، فقد نص العلماء في قواعد هذا الباب على أن (مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها)، وتشتبه هذه القاعدة بقاعدة أخرى، هي: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وهاتان القاعدتان تحتاجان إلى شيء من التفصيل، ومعنى كون (مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها): أن المسألة أو النازلة إذا لم يرد فيها دليل من الكتاب أو السنة، ولم ينص فيها على شيء، واجتهد العلماء فيها فإنه لا ينكر على المجتهد قوله في هذه المسألة، أو النازلة، أما مسائل الخلاف فمن أهل العلم من قال: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وهذا ليس بجيد! وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم - رحمهما الله - أن هذا قول من لم يحقق.
وأما أهل التحقيق والدراية بكلام أهل العلم في الفتوى والحكم والاجتهاد والمسائل والخلاف العالي والنازل، فإنهم يقولون: (لا إنكار في مسائل الاجتهاد)، أما مسائل الخلاف فهي التي اختلف فيها العلماء، وهي مسائل كثيرة جداً، والمسائل المجمع عليها قليلة كما هو معلوم لمن يعلم الخلاف العالي فضلاً عن الخلاف النازل.
والقاعد الثالثة (إن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها)، وهذه القاعدة من القواعد الكلية التي أجمع عليها العلماء، فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح، فكل أمر فيه مصلحة للناس في دينهم، أو دنياهم، فإن الشريعة جاءت بتحصيله وإقراره، وكل مفسدة في دين الناس أو في دنياهم فإن الشريعة جاءت بالنهي عنها، وأصول الدين، وكليات الشرع الخمس تعود إلى هذا، سواء كانت هذه الكليات راجعة إلى الضروريات، أو راجعة إلى الحاجيات، أو إلى التحسينات، فإذا كان كذلك فإن الفتوى يجب أن تبنى على هذه القاعدة، وأن تكون مراعية أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح، ودرء المفاسد، ويجب على المفتي أن يراعي أن فتواه تحصل المصلحة، وتدفع المفسدة.. وعدم مراعاة المفاسد والمصالح يعظم أثره، ويشتد وقعه إذا كانت الفتوى في العقيدة، أو كانت المسألة في أمر يترتب عليه حد من الحدود، أو كبيرة من الكبائر، فانظروا إلى فداحة قول من قال من أهل هذا الزمان في غير هذه البلاد: إن الرجل له أن يبيع بنته أو ابنه إذا كان له في ذلك مصلحة دينية أو دنيوية لحديث: (أنت ومالك لأبيك)، ولا شك أنها فتوى أو حكم باطل، لأنه يفضي إلى مفاسد عظيمة جاءت الشريعة بصدها.
تغير الفتوى
وكشف الوزير آل الشيخ أن المفتي إذا خشي أن يقصر فهم الناس عن الفتوى، أو أن لا ينزلوها على فهم المفتي، أو أن تحدث من الأضرار أكثر من مصلحة الفتوى، فإنه يترك الاختيار حتى لا تحدث الفتوى ما تحدث، واليوم تسمعون بعض المفتين يتكلم في كل مسألة من دون نظر إلى مصلحة، ولا اعتبار لمفسدة، فقد يستفتيه رجل من بلد لا يعرف الإسلام، ويسأله على الهواء في بلد في الخليج، وهو مختلف من حيث الزمان والمكان والحال، ويأتي المفتي ويفتي، فتعلن الفتوى على الجميع، فالفتوى غير الحكم، لأن الحكم واحد لا يتغير، أما الفتوى فتتغير بتغير المكان والزمان، ولهذا تجد الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - لما ارتحل من بغداد إلى مصر تغير كثير من أقواله، وصار له مذهبان: مذهب قديم كان ببغداد، ومذهب جديد صار له في مصر، وللحنفية أيضاً لهم أقوال، وللإمام أحمد في بعض المسائل أربع روايات، وفي بعضها خمس روايات.. إذن لا يقال: إن كل فتوى حكم، لأن الفتوى تتعلق بالشخص، وتتأثر بالزمان، وبالمكان، وتتعلق بالمصالح والمفاسد.
أما القاعدة الرابعة: (الشريعة يسر)، فكما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)، موضحاً معنى كون الدين يسر، أن كل ما شرعه الله من أحكام وعبادات يسر لا عسر فيه، كتشريع الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك، لأن صلاة الجمعة مرة في الأسبوع، والصلاة خمس مرات في اليوم، وليست خمسين فهذا يسر، والزكاة 2.5% هذا يسر، ما كلفنا عشرة ولا عشرين في المائة من المال، والصيام شهر في السنة، والحج مرة في العمر، لا في كل عام، وهذا فيه يسر، فهذا معنى القاعدة أن الشريعة مبنية على اليسر، الأمر الثاني: أن المجتهد في المسائل التي لا نص فيها إذا كان فيها وجهان، فإنه ينبغي أن يختار أيسرهما، أما إذا اتضح دليل المنع فليس له الخيار، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} الأحزاب36 .
وقال معاليه: إذا نزلت نازلة اختاروا ما فيه السعة على الناس، لأنه من القواعد التي اختارها الشافعي - رحمه الله - ووافقه عليها جمع من أهل العلم: أن الأمر في الشريعة إذا ضاق اتسع، وإذا اتسع ضاق، ومعنى ذلك أن المجتهد ييسر في الأمر، ولا يحجر واسعاً.
صفات المفتي والمستفتي
وحدَّد معالي الوزير في دراسته ما يلزم المفتي أن يتصف به، مستدلاً بكلام ابن القيم في هذا الجانب، وهي الأول: أن يكون بالغاً، وهذا وصف عام، لأنه حكم تكليفي. الثاني: أن يكون عدلاً ثقة، عدلاً أي لا يأتي بما يؤخذ عليه في دينه من فسق، أو كبيرة، أو نحو ذلك، ثقة أي فيما ينقل من الدين، يتحرى ولا يتجاسر، ولم يجرب عليه كذب، ولم يعرف عنه افتيات، ولا نسبة أشياء إلى غير من تنسب إليه، قال: لأن علماء المسلمين لم يختلفوا في أن الفاسق غير مقبول الفتوى في أحكام الدين، وإن كان بصيراً بها، الثالث: أن يكون عالماً بالأحكام الشرعية، وعلمه بها يشتمل على معرفته بأصولها، وارتياض بفروعها، الرابع: أن يكون عالماً بأحوال الناس وأهوائهم وأغراضهم، لأنه ربما توصل الناس بكلام المفتي إلى أغراضهم وأهوائهم، وهؤلاء الناس قد يكونون من أهل الأهواء، والمفتي إذا لم يعلم واقع الناس وأحوالهم، فإنه قد تسمى له الأمور بغير اسمها، وقد توصف له الأمور بغير وصفها، فلربما أوقعه ذلك في لبس وحيرة.. أما إذا كان عالماً بأحوال الناس، وواقعهم، ومقاصدهم، أمكنه الاحتياط والحذر من أن تتخذ فتواه مطية لما لا تحمد عقباه، وأن يستغلها ذوو الأهواء، فيجب أن يكون المفتي متثبتاً متأنياً، لا يصدر فتواه إلا بعد إيقان وإتقان، ونظر في المصالح والمفاسد.
أما ما يلزم المستفتي أن يتصف به، فقال معاليه: كما أن للمفتي شروطاً وصفات يجب أن يتحلى بها، فإن للمستفتي آداباً وصفات ينبغي أن يتصف بها، وهي ما يأتي:
الأولى: أن يتحرى في استفتائه الأعلم بأحكام الشرع، والأتقى لله تعالى، المشهود له بالرسوخ في العلم، لأنه سيفتيه بما يجب عليه، أو يحرم، وما يقربه إلى الله تعالى، فإذا قصر في البحث أو تهاون في التحرّي فإنه سيحاسب على ذلك، ولا يكون معذوراً أمام الله عزَّ وجلَّ، وهذا أمر قد تساهل الناس فيه كثيراً مع خطورته وجلالته فإذا رأوا على إنسان مظاهر الخير والتدين سموه شيخاً، وبادروا إلى استفتائه، وكانت كلمة (الشيخ) لا تطلق قديماً إلا على المتبحر في العلوم.
الثانية: أن لا يخفي شيئاً من الحقيقة على المفتي، لأن المفتي يفتي على نحو ما يسمع، فإذا أخفى المستفتي بعض الحقيقة فإنه لا ينجيه هذا، فيجب عليه أن يذكر كل الحقيقة حتى تكون الفتوى مطابقة للاستفتاء، وقد كان العلماء الأقدمون إذا جاءهم الاستفتاء في ورقة كتبوا الفتوى تحته مباشرة بكلام من طرف الصفحة إلى طرف الصفحة، حتى لا يبقى مجال لكلمة تضاف، رعاية لجانب الدين، واحتياطاً من أن يأتي صاحب هوى ويضيف إليها كلمة، أو يحذف كلمة.
الثالثة: أن يجل العالم، لأن بعض المستفتين يسأل بعبارة فيها فظاظة، أو في وقت غير مناسب، أو أنه لا يصبر على العالم، ونحو ذلك، فينبغي له أن يجل العالم أولاً في صيغة السؤال.
الرابعة: أن المستفتي لا يلزم أن يسأل عن الدليل، لأن بعض الناس يظن أن المستفتي يجب عليه أن يسأل عن الدليل، ويقول: إن الدليل على ذلك قول الله - جلّ وعلا -: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {43} بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ}، فيقول: اسألوهم بالبينات والزبر، وهذا التفسير مخالف لما عليه المفسرون، فإن المفسرين جعلوا الجار والمجرور في قوله: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ} راجع إلى قوله تعالى في أول الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ} في تأييد كل نبي أوحى الله إليه بالبينات والزبر.
الخامسة: أن يكون مقصوده من الاستفتاء هو معرفة الحق، ليلتزم به ويعمل بمقتضاه، وهذا أمر يجب على المستفتي أن يلتزم به، فإن كثيراً من المستفتين لا يخلصون النية في أسئلتهم، ولا يحملهم على السؤال إلا خدمة أغراض وأهواء، حتى تجد الرجل يستفتي سبعة أو ثمانية من المشايخ في المسألة الواحدة، ولا شك أن هذا الأمر لا ينبغي، وفيه محظوران كبيران: الأول: أن فيه شغلاً للمشايخ، وإضاعة لوقتهم، فإن واجباتهم كثيرة، وأعباءهم متعددة، وفيه كذلك إضاعة وقت المستفتي فيما لا ينبغي، وصرف جهده فيما لا يعنيه، وكل ذلك يحاسب المرء عليه أمام الله عزَّ وجلَّ، الثاني: أن الذي يجب على المستفتي أن يجتهد في البحث عن الأعلم الأتقى لله عز وجل، ويلتزم بما يفتيه به، وما زاد على ذلك فهو فضول وتعدّ، وهذا يوجب على المفتين والمجيبين أن يأخذوا حذرهم وحيطتهم من هؤلاء الذين يستفتون عدداً من العلماء فإن كثيراً منهم يقومون بتسجيل كلام المفتي، وإشاعته من غير علمه، ولا إذنه، وهذا لا يحل ولا يجوز، لأن المفتي قد يصدر فتواه على أنها مقصورة على المستفتي وحده بناء على صيغة السؤال، وقد يكون متعجلاً غير متثبت في فتواه، وقد يكون المستفتي لم يفهم الإجابة فيتكلم على حسب فهمه، فإشاعة ذلك على عموم الناس أمر لا يحل، فلا يجوز لشخص أن يسجل فتوى عالم، ولا كلامه إلا بإذنه، لأن العالم إذا علم أن فتواه ستنشر فإنه سيراعي فيها النظر إلى المصالح والمفاسد العامة، وهذا أمر ينبغي مراعاته من المفتي والمستفتي.
مراتب الفتوى
وحدَّد وزير الشؤون الإسلامية مراتب الفتوى، فقال: للفتوى مراتب، فهي تارة تكون صريحة، وتارة تكون تلميحاً، فما كان منها صريحاً فلا إشكال فيه، وما كان فيه تلميح أو فيه كناية فإنه يلزم فيه الاستيضاح والسؤال، من حيث الصحة وعدمها، لأن الفتوى تكون صحيحة إذا وافقت الدليل، أو وافقت قواعد الشرع، وترتب عليها تحقيق المصالح ودرء المفاسد.
وحذَّر معاليه من الطرق المفضية إلى تأثير الهوى في الفتوى، وهي كثيرة، منها:
أولاً: تتبع الرخص واستدامة ذلك، فإن تتبع الرخص من العالم، والرغبة في أن يرخص في أي قضية تعرض عليه من أعظم أسباب الهوى، وقد شاع هذا عند بعض الناس في هذا الزمن فتجده يتتبع الرخص كيفما كانت، ويفتي بها، وهذا لا يجوز، بل يجب عليه أن يتحرى الحق، وأن يفتي بما يرى أنه صواب في هذه المسألة.
ثانياً: إعمال الحيل المذمومة للتخلص من الحكم الشرعي، وقد ذم الله - جلّ وعلا - اليهود على حيلهم، ولعنهم لذلك، لأنهم استحلوا محارم الله بأدنى الحيل، فالحيل المذمومة هي ما نصب لإسقاط واجب، أو تحليل محرم، كأن يحتال على الربا بالعينة، وذلك بأن يبيعه سلعة من السلع بثمن معلوم إلى أجل معلوم، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به، والعينة محرمة، لأنها احتيال على الربا.
ثالثاً: حب استدامة الرئاسة والإمارة، ولا شك أن حب الرئاسة والمناصب من أعظم أسباب اتباع الهوى، لأن من يعرف الشرع يعلم ألا يوافق أهواء الناس في كل ما يريدون، لأن الشرع حكم على الناس، فتارة يكون الشرع فيما يختاره الناس، وتارة يكون مضاداً لأهواء الناس، فإذا كان الذي يفتي يريد استدامة الرئاسة، ورضا الناس عنه، ومحبتهم له، وتتوجه وجوه الناس إليه، فإنه سيفتيهم بما يرضيهم حتى لا ينصرفوا عنه، ولا يبين لهم حكم الله جلّ وعلا الذي هو الحق الواضح، فيقع في الغلط، نعم ليس كل حق يعلم يلزم بيانه في كل زمان ومكان، لكن يجب على المرء أن لا ينطق بباطل، وأن لا ينسب للشريعة ما ليس منها، لهذا قال ابن حزم في ذلك: إن الذي ينحرف في الفتوى ويتبع هواه يكون مبتغياً لرئاسة أو كسب مال.
رابعاً: اتباع الآباء في أصل الدين، أو اتباع ما عليه المجتمع، وجعل هذا مرجعاً يرجع إليه دون غيره، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا}.
خامساً: التقليد المذموم والتعصب للمذاهب، لأن غلاة المتعصبة يزعمون أن قول إمامهم شريعة يلزم الأخذ به، ويأنفون أن ينسب الصواب إلى أحد من العلماء ممن يخالف هذا المذهب.
سادساً: تقديم العقل على ما دل عليه الشرع في الفتوى نصاً أو استنباطاً، أما النص فيأتي من يقول: لا يحسن الأخذ بهذا الحديث، لأنه لا يناسب هذا الزمان، أو هذه السنة صالحة للصحابة، أو صالحة للبدو، أو صالحة لزمنٍ ما، لكن لا تصلح لزماننا هذا، وليس هذا من تعبيرات أهل العلم الذين يتحرّون الحق، ويريدون وجه الله تعالى، نعم قد يظهر للعالم أن القول بدليلٍ ما والإفتاء بمقتضاه قد يترتب عليه مفسدة أعظم من المصلحة المتوخاة منه في موطن من المواطن، أو في زمن من الأزمنة، فهذا قد يكون صحيحاً، لأن مراعاة المصالح والمفاسد من القواعد الشرعية كما تقدم، ويدخل في هذه المسألة التحسين والتقبيح العقليين، وتقديم الاستدلال بالعقل على الأدلة الشرعية.
بل بلغ الأمر عند بعض المنحرفين في هذا الباب إلى أن دعوا إلى تغيير أصول الفقه، وقواعد الاستنباط والفتوى، وإحداث أصول أخرى وفق أهوائهم، فلا يبقى الدليل هو الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا يعود الأصل في الأمر أن يكون للوجوب، ولا في النهي أن يكون للتحريم، بل تغيير في دلالات الألفاظ، ولا شك أن هذا أمر في غاية الخطورة، لأن الأصول إذا دخلها الهوى والانحراف فسدت جميع الفروع والجزئيات المستنبطة، فيكون الضلال أعظم بكثير من اتباع الهوى في فهم دليل معين أو مسألة واحدة.