Al Jazirah NewsPaper Friday  20/08/2010 G Issue 13840
الجمعة 10 رمضان 1431   العدد  13840
 
دعاةٌ.. يَسرقون الناس في رمضان!
د. محمود بن محمد المختار الشنقيطي *

 

ذكر الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى - في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الرجل الصالح العالم التابعي الثقة، مالك بن دينار - رحمه الله - أنه دَخَلَ عَلَيْهِ لِصٌّ في الليل، ومالكٌ يصلي، فبحث في البيت ليسرق شيئاً، فَمَا وَجَدَ مَا يَأْخُذُ، فهَم ّ بالخروج ومالكٌ يراقبه، فسلم مالكٌ ثم نَادَاهُ: لَمْ تَجِدْ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، فَتَرغَبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الآخِرَةِ؟ قَالَ اللصُّ: نَعَمْ، قَالَ: تَوَضَّأْ، وَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ جَلَسَ، ثم أذن الفجر، فأخذه معه إلى المسجد، فعرفت اللصَّ جماعةُ المسجد، وسألوه عن هذا اللص ما الذي أتى به المسجد؟ قَالَ مالكٌ رحمه الله: جَاءَ لِيَسرِقَنا، فَسَرَقْنَاهُ.

أعظم بها من سرقة، سرقة تأخذ الشاردين عن الله إليه، سرقة يُرحم فيها المجرم، لا بل يهدى فيها إلى أفياء بيوت الله، وأجواءِ التوبة فيتذوق حلاوة الإيمان، فتثمر الاستقامة.

في هذه الأيام يعيش الدعاة والمصلحون ضد قنوات اللهو، سباق تجاذب إلى قلوب الناس، فهذا يغدو وذاك يغدو، هذا معتق نفسه ومعتق من معه من الناس من النار، وأولئك يوبقون أنفسهم وجمهورهم وصدق ربي جل جلاله :(إن سعيكم لشتى)!!.

يا معاشر الدعاة، إذا أردتم سرقة الناس إلى الخير والطاعة في مواسم الطاعات وغيرها، فهذه خطوات عملية مجربة:

1- تركيز الداعية في خطابه بداية شهر رمضان على رفع الهمة للعبادة وللعمل الصالح والتوسط وترك المثاليات، وحبذا لو استشهد بقصص ومواقف واقعية - وما أكثرها - من قصص التائبين والمنيبين إلى الله في رمضانات ماضية.

2- تعزيز العزيمة وقوة الإرادة الإيمانية عند المسلم، فيذكّر بأنه كما صام في النهار عن المحرمات والتدخين، يمكنه تكرار تجربته الناجحة وإرادته وعزيمته في ليالي رمضان، وكما أنه اتقى الله في نهار رمضان ما المانع من مواصلة التقوى في ليالي الشهر وهكذا.

3- عدم جلد الذات في خطاباتنا الدعوية لأنها توهن العزائم وتفتّر عن التوبة والرجوع إلى الله، فليس من الضرورة الربط - في خطابنا- بين من يتهاون في صلاة الجماعة وبين عدم قبول أو جرح صومه، وليس من الضرورة - حال دعوتنا - الربط بين من لم يترك المحرمات في ليالي رمضان، وبين حقيقة الصوم وحكم الصوم وأسرار الصوم، لا سيما أن الناس بالتقوى مراتب وشعب نتفاوت فيها بحسب أعمالنا الظاهرة والباطنة القلبية، وما أحوج المقصرين - حال خطابنا الدعوي - للشعور بالأمن والعيش في أفياء الرجاء في مواسم الطاعات.

4 ورد عن بعض السلف، ومنهم الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة - رحمه الله أنه قال: «كان يعجبهم - أي التابعين وأتباعهم - تذكيرُ الناس بأحاديث الرجاء في مواسم الطاعات»، وكم فعلت - وهي مجربة - نصوص الرجاء في النفوس فعلها، وحركت قلوباً للطاعات، ونشّطت العباد للصبر على مشقة العبادات.

5- تجنب تحديث الناس بمثاليات الأئمة الكبار والعباد العظام رحمهم الله، فيشعرون بالبون الواسع، أو يتحمسون حماساً غير متدرج فيسأمون ويملون حتى الفرائض والواجبات، فذاك من العباد له كذا وكذا ختمة، وهذا يصلي كذا ألف ركعة!! الخ، ونغفل أن هؤلاء الأئمة في مثل حال المبتدئ كانوا ربما أقل من عاديين، وننسى أيضاً أنهم تدرجوا سنوات حتى وصلوا إلى هذه المرتبة المتقدمة في التعبد، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

6- أعتقد أن تضخيم أثر وعظم الذنب في بداية مواسم الطاعات والتركيز في خطابنا الدعوي على موانع الإجابة، ليس وقته هنا في حال إقبال الناس البعيدين عن أجواء الطاعة والمسجد، وإنما بعد إلفهم العبادة، وإقبالهم على الله - عز وجل - أو في نهاية رمضان أو بعد رمضان. فالترغيب قبل الترهيب منهج قرآني أصيل، كما في دعوة الرب - عز وجل - للمشركين المعذبين أولياءه: (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ)، قال الحسن البصري - فيما ذكره عنه ابن كثير - رحمهما الله: «انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة».

* عضو مركز الدعوة بمكة المكرمة


 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد