Al Jazirah NewsPaper Thursday  30/07/2009 G Issue 13454
الخميس 08 شعبان 1430   العدد  13454
أكد أن اختفاء القارئ يؤجل تعديل المسارات الشعرية.. الشاعر المصري محمد سليمان:
وسائل الإعلام أسهمت في إهانة الشعر

 

القاهرة - مكتب الجزيرة - أحمد عزمي:

يعد الشاعر محمد سليمان أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات في مصر بما يؤسسه من قصائد تتأجج بالصراع والرفض والتمرد، منذ أن كانت البداية في ديوانه (أعلن الفرح مولده) الذي أصدرته جماعة (أصوات) مذيلا ببيان ضد الشاعر أمل دنقل ليطرح رؤية جمالية خاصة بأبناء جيله، وتفارق القيم الفنية التي أرساها جيل الستينيات وحركة الرواد في الخمسينيات من القرن الماضي.

أصدر سليمان أكثر من عشر مجموعات شعرية، وعدداً من المسرحيات الشعرية منها (سليمان الملك) و(أحاديث جانبية) و(هواء قديم) و(قصائد أولى) و(اسمي ليس أنا ) ، إضافة إلى ما صدر له حديثاً تحت عنوان (دفاتر الغبار) .

هنا حوار مع الشاعر محمد سليمان فإلى التفاصيل..

** (دفاتر الغبار) هو أحدث دواوينك الشعرية.. لماذا اخترت هذا العنوان؟

- اخترت هذا العنوان لسببين الأول: هناك قصيدة طويلة، يضمها الديوان، بعنوان (دفاتر الغبار (والسبب الثاني يعود إلى دلالة الغبار ،وتراكمه وهبوبه، فالغبار يدل على الانهيارات ومخلفات الحطام والخراب... قصائد الديوان كتبت خلال الفترة من العام 2000 إلى العام 2005، وهي فترة زمنية كان لها وقع قاس علينا وعلى الواقع العربي بشكل عام، فقد تشظى هذا الواقع، وتعددت انهياراته وحرائقه، ومن ثم كانت قصيدة (دفاتر الغبار) التي منحت الديوان عنوانها.

** ألا ترى أن ذلك يفقد الشعر عفويته وبراءته الأولى؟

- هذا غير صحيح فهناك فرق بين قصيدة البيان السياسي التي يقف خلفها حدث سياسي بالدرجة الأولى، والقصيدة الشعرية التي يدخل الهم السياسي كأحد محاور تجربتها الفنية، وبالتالي فالكثير من قصائد الديوان تتعامل مع الشخصي والذاتي والخبرات السياسية، وفي الوقت نفسه ملتحمة بالخبرات الشخصية ولغة الشارع، وبكل ما تعيشه مختلطاً بتجربة الذات وهمومها، ولم تعد هناك قصيدة الأغراض الشعرية القديمة، لقد اتسعت التجربة وتعمقت، وأصبح من الطبيعي أن تتكئ على كل عناصر التجربة الحياتية، وأن تستفيد من تحولات المكان وأحداثه.

** هناك بحث دائم وسؤال يتصاعد في قصائدك، فما الجواب الذي يشبع نهم القصيدة؟

- أنا أطرح الأسئلة فقط، فالسؤال يشحذ قدرة القارئ على التفكير والتأمل وإعادة النظر في كل أمور الذات والواقع، وليس من مهمة الشاعر البحث عن أجوبة، عليه فقط أن يسأل، ويحرك العالم من حوله بأسئلته.

** في الديوان أيضاً تتجلى وحشة المكان.. فهل لا يزال التصحر يأكل مساحة الأخضر لديك؟

- التصحر واقع نعيشه، وهو يتمدد باستمرار، وواقعنا الآن هو نفسه، قبل ثلاثين عاماً، فالانهيارات التي تحدث، وعنوان الديوان نفسه يدل على تراكم الغبار والرمل، وعلى اتساع فاعلية التصحر وعنفه.

كل ما حولنا يدل على أننا نتخلف، ونزداد اعتماداً على الآخرين، ونعجز عن إدارة أمورنا، وتحسين شروط واقعنا، كما أن الصحراء تمثل أيضاً الملمح الأساسي للواقع المصري والعربي بشكل عام، فإذا نظرنا إلى خريطة العالم العربي سنجد صحراء هائلة ممتدة من المحيط إلى الخليج، تتخللها واحات صغيرة حول الأنهار، وكل ذلك يكمن في أعماق التجربة الذاتية، ويغذي التجربة الشعرية.

** تستخدم لغة مختزلة.. إلى أي مدى يؤرقك الاشتغال على اللغة والقصيدة؟

- أهم ما يميز شاعرا عن آخر، بجانب خصوصية تجربته، هو تعامله مع اللغة، فالتعامل مع المجاز في اللغة يدمر القصيدة، وعلينا أن نتذكر دائماً أنه في القصيدة كل ما لا يفيد يضر، وبالتالي على الشاعر أن يكون مستيقظاً ويتعامل بحرص شديد مع اللغة، وإذا استطاع أن يعبر من خلال سطر واحد فقط عن رؤية ما، فيجب ألا يكتب أكثر من هذا السطر، فالثرثرة والحشو وإغواء السرد كلها عوامل تدمر النص الشعري.

وأنا أعمل كثيراً على النص حيث أراجعه مرة بعد أخرى، أحذ باستمرار، أصفي وأزيح كل الزوائد الشعرية، وقد تعلمت ذلك من صديقي الشاعر الراحل (أمل دنقل)، الذي تعلمه بدوره من محمود حسن إسماعيل، حيث كان يقول دائماً : (لا تنشر القصيدة فور كتابتها، لكن عد إليها بعد أيام، كل مرة تعمل على تحسينها، بحذف كل الزوائد ومنح النص فرصة لكي يضيء ويلمع).

** عادة ما يكون المتن الشعري متكئاً على الحزن والسوداوية برأيك هل الشعر يؤسس لهذه الحالات فقط؟

- الشعر يؤسس للحالات التي ذكرتها، ولغيرها، لكن لكل شاعر تجربته ومكانه وظروفه الحياتية، والمكان هنا يعني الوطن والتاريخ والتراث، وأحداث هذا المكان وتحولاته أيضاً، وعندما تكون هذه التحولات عنيفة، وعلى غير ما يأمل الشاعر ويريد، فمن الطبيعي أن يتفجر الحزن والمزاج السوداوي، وأن يدخل الشاعر أحياناً في كتابة شبيهة بالمراثي. ولو أعدنا النظر في الشعر العربي على مدى نصف قرن سنكتشف غلبة التيار الرثائي بسبب الأحداث الكبرى التي عاشها الشعراء في الخمسينيات والستينيات، ثم انهيار هذه الأحلام، ودخول المنطقة العربية في دوامة رهيبة من التحولات التي أدت إلى ما نراه الآن من تشظ وقتن طائفية وعرقية، وهجرة عدد كبير من الكتاب العرب من بلادهم إلى المنافي، هذا الواقع المؤلم يستنفر في الشاعر مزاجه السوداوي، وكل هذا الجو الحزين والكئيب، ومن الطبيعي أن تجد ذلك في ديوان (دفاتر الغبار) وغيره من دواويني.

** عادة ما تهاجم قصيدة النثر فهل هذا يعني أن قصيدة التفعيلة بلا عيوب؟

- لا توجد قصيدة بلا عيوب، هناك كم هائل من الرؤى في كل الأشكال الشعرية المعروفة، وإذا تأملنا حركة شعر التفعيلة سنكتشف أن أعداداً كبيرة من الشعراء قد اختلفوا، بسبب الغربلة النقدية وتراكم النشر. وقصيدة النثر لا تختلف كثيراً عن التفعيلة فالهجوم على قصيدة النثر ينطلق أساساً من كثرة كتابها والمتحولين إليها من فنون أخرى كالرواية والقصة القصيرة والفن التشكيلي، جرياً وراء سهولتها، وعلى شعرائها أن ينتبهوا إلى ذلك، وأن يسعوا إلى تميز هذه القصيدة بعلامات محددة تفصل بينها وبين الخواطر والسرديات، ومن ثم تستطيع هذه القصيدة أن تفرز عدداً من الشعراء المجيدين الذين يصبحون علامة عليها.

** هناك من يرى أن جموداً أصاب الشعر الآن، فكيف ترى هذا الأمر؟

- لم يمت الشعر كما يتوهم بعضهم، لكنه مغطى بكل أنواع الطحالب والفطريات والثرثرة صارت شعراً وكذلك الخواطر والتقارير أيضاً وأصبح الشعر بحاجة إلى مدقق ومنقب قادر على إزاحة الأتربة عنه، خصوصاً بعد أن أسهمت بعض الصحف والمجلات ووسائل الإعلام في إشاعة الفوضى وإهانة الشعر.

في الماضي تحول عدد كبير من الشعراء المبتدئين إلى النقد وأشكال إبداعية أخرى، حدث هذا حين كان الشعر صعباً، والنقد مبصراً وقادراً على التوجيه والكشف، لكن التحول في السنوات الأخيرة اتخذ مساراً عكسياً، لأن الشعر أصبح أقل الفنون إتباعاً للقيم الجمالية، أو ابتداعاً لها، بل أصبح أسهل الفنون، وهكذا تغطي الشعر بحضور من الطفيليين والمدعين والمطرودين من مجالات إبداعية أخرى حتى احتجب الشعر في النهاية.

** لماذا هذا الإفراط في التشاؤم؟

- لست متشائماً، لكن اختفاء القارئ سيؤجل تعديل مسار الحركة الشعرية، حيث لم يعد لدينا الآن قراء للأدب والشعر، ولم يعد لدينا الروائي أو الشاعر المؤثر جماهيرياً، وهذا لا يبرره أننا نعيش في عصر المعلوماتية، لأن الكمبيوتر في العالم المتقدم لم يقض على الكتاب، حيث مازالت الروايات والدواوين تطبع وتوزع ملايين النسخ.




 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد