أدار الندوة - فهد العجلان - نائب رئيس التحرير
أعدها للنشر: فيصل الحميد - تصوير : حسين الدوسري
اتفق مختصون على سلبية الآثار الاقتصادية المترتبة على غسيل الأموال وأنها تؤدي إلى إضعاف استقرار سوق الصرف الأجنبي نتيجة لتقلبات السعر الشديدة الناتجة عن حركة الأموال والتدفقات النقدية الداخلة والخارجة. وقالوا خلال ندوة ل(الجزيرة): إن غسيل الأموال يحدث تشوهات في توزيع الموارد والثروة داخل الاقتصاد مما يؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي نتيجة توجيه الموارد نحو استثمارات غير مجدية على حساب الاستثمارات الحقيقية مثل المضاربات وارتفاع أسعار بعض السلع وتقديرها بأكثر من قيمتها لينشأ عنها قوة شرائية لا تعكس القوة الشرائية في الاقتصاد الحقيقي.... فإلى تفاصيل الندوة:
جسر الغسيل
في البداية رحب الزميل فهد العجلان نائب رئيس التحرير بضيوف (الجزيرة) الكرام شاكراً لهم تفاعلهم مع هذا الموضوع المهم وقال: موضوع غسيل الأموال من الموضوعات المهمة المتعلقة بالأمن الوطني وطرحه وفتح النقاش حوله مع نخبة من الضيوف المتخصصين أصبح ضرورة لتأسيس ودعم الوعي بآليات العلاقة الصحيحة مع المال ومحاصرة العمليات المشبوهة التي تدمر اقتصاد الوطن وتسئ إلى أهله..
في البداية نود من الأستاذ خالد اللحيدان مساعد مدير وحدة التحريات المالية بوزارة الداخلية أن يحدثنا حول مفهوم غسيل الأموال والأبعاد التي يتضمنها هذا المصطلح؟
خالد اللحيدان: أولاً: أشكر صحيفة (الجزيرة) على طرح هذا الموضوع المهم للنقاش والمساهمة بالتوعية الاجتماعية فيه، ودعوني أبدأ بتعريف غسل الأموال كما تم تعريفه في نظام مكافحة غسل الأموال هو (ارتكاب أي فعل أو الشروع فيه يقصد من ورائه إخفاء أو تمويه أصل حقيقة أموال مكتسبه خلافاً للشرع أو النظام وجعلها تبدو كأنها مشروعه المصدر). وقد أشارت اللائحة إلى (19) مثالاً للأنشطة الإجرامية أو المصدر غير المشروعة وغير النظامية والتي تعد الاشتغال بالأموال الناتجة عنها من عمليات غسل الأموال منها: جرائم التزييف وتقليد النقود والتزوير والرشوة وتهريب الأسلحة والسرقات والنصب والاحتيال... الخ.
ولو نظرنا إلى النظام المصرفي في المملكة فهو ولله والحمد نظام محكم ولذلك تجد غاسلي الأموال يحاولون تمرير أموالهم عن طريق المملكة باستخدامها كجسر لغسل وتبييض الأموال لأنها عندما تمر بالمملكة تكون قد مرت بإجراءات وضوابط قوية جداً وعند خروجها تكون قد حصلت على شهادة ضمنية بأنها أموال نظيفة وغير مشتبه بها ولكن لدينا بعض السلبيات فمثلاً المملكة تضم أكثر من (30%) من سكانها أجانب اغلبهم من العمالة والتي يكون فيها مستوى التعليم والثقافة محدود إضافة إلى أن المجتمع السعودي يعتمد كثيراً على التعامل بالنقد وبالتالي فإن الكثير من التعاملات المالية تتم خارج النظام المصرفي وهذا يخلق صعوبة في متابعة ومراقبة هذه الأموال.
ويضيف اللحيدان: والسوق المالية (للأسهم والسندات) وهذه الأسواق عليها رقابة حسب الجهة الحكومية التي تشرف عليها، فالتأمين يقع تحت إشراف مؤسسة النقد والسوق المالية للأسهم والسندات يقع تحت إشراف هيئة السوق المالية ومحلات الذهب والمجوهرات تشرف عليها وزارة التجارة، ووزارة الداخلية ممثلة في وحدة التحريات المالية تقوم بالتنسيق مع جميع القطاعات الحكومية ذات العلاقة وذلك فيما يتعلق بتبادل المعلومات والمشاركة فيها ونسعى دوماً لمراجعة وتطوير العلاقة المشتركة لأن عامل السرعة مهم جداً في هذا المجال.
خالد المقيرن عضو مجلس إدارة غرفة الرياض ورئيس لجنة الأوراق المالية قال بدوره: يتسم غسيل الأموال بأنه إضفاء صورة شرعية على أموال مكتسبة بطرق غير مشروعة من مصادر غير مشروعة مثل تهريب المخدرات والابتزاز والإرهاب والرشوة والسرقة والتهرب الضريبي وتهريب السلاح وسرقة آثار ومقتنيات والبغاء وتجارة الأعضاء البشرية مما يعني أنه يأتي من أي نشاط غير مشروع وتحويل هذه الأموال عن طريقه إلى أموال نقية من مصادر معروفة.
طلعت حافظ الخبير الاقتصادي والإعلامي المعروف قال:
لعلي حقيقة أصحح أمراً قد يلتبس على البعض، فالمصطلح الصحيح هو غسيل الأموال وليس غسل الأموال. ولعلي أفرق هنا بين غسيل الأموال وبين الأموال السوداء، فالفرق بينهما هو ما قاله الأستاذ خالد وهو إضفاء الصورة الشرعية والنظامية على أموال متسخة أو أموال غير مشروعة، بينما الأموال السوداء أو ما تعرف بال (بلاك موني) وهي أموال مشروعة ولكن صاحبها يحاول أن يتهرب من مصلحة الضرائب والفرق شاسع بين الاثنين. وكان هناك سوء فهم بين الأموال القذرة وغسيل الأموال وأنه يقتصر على أموال المخدرات ولكن في الواقع هو يشمل جميع الممارسات الخاطئة بما في ذلك كما أسلف الأستاذ خالد وذكرها بأنها الأموال التي تأتي من المخدرات بالدرجة الأولى وهي النسبة العظمى المغسولة على مستوى العالم وأيضاً أموال القمار في الدول المحرم فيها مثل هذه الممارسات، وكذلك الاتجار بالخمر كما هو الحال في المملكة العربية السعودية مثلاً وبالتالي فهي أموال غير شرعية وغير نظامية. وأيضاً فيما يتعلق بالبغاء وخلافه، وكذلك الرشاوى التي تعد من الأموال القذرة ومن يمارس السلطة في جمع أموال غير مشروعة، والحقيقة أن لها تفرعات كثيرة وليست كما يعتقد البعض تقتصر على المخدرات.
جملة من الآثار السلبية
فهد العجلان: غسيل الأموال ليس مجرد جريمة اقتصادية تقليدية فهو ممارسة اقتصادية تحمل آثاراً سلبية على الاقتصاد وعلى الجميع سواء أكانت مؤسسات أو أفراداً الوقوف ضدها ومحاربتها فهي تقدم اقتصاداً غير حقيقي وتعزز البطالة بحرمان المجتمع من المشروعات الإنتاجية وتسهم في تعطيل فاعلية السياسة النقدية؟ فهل لكم أن تحدثونا عن الآثار الاقتصادية السلبية المحتملة على الاقتصاد المحلي جراء وجود مثل هذه الجرائم؟
خالد المقيرن: على مستوى الآثار الاقتصادية لغسيل الأموال هناك عدة أمور، منها إضعاف قدرة السلطات على تنفيذ السياسات الاقتصادية، لأن أي قرار اقتصادي لم تحسب الأموال الموجودة فيه لا شك انه سيؤثر ويؤدي إلى إضعاف استقرار سوق الصرف الأجنبي نتيجة لتقلبات السعر الشديدة الناتجة عن حركة الأموال والتدفقات النقدية الداخلة والخارجة وستحدث تشوهات في توزيع الموارد والثروة داخل الاقتصاد مما يؤدي إلى إضعاف النمو الاقتصادي نتيجة توجيه الموارد نحو استثمارات غير مجدية على حساب الاستثمارات الحقيقية مثل المضاربات وارتفاع أسعار العقار أو التحف التي تقدر بأكبر من قيمتها وينشأ عنها قوة شرائية لا تعكس القوة الشرائية في الاقتصاد الحقيقي ويسهم ذلك في موضوع التضخم فهو يزداد مع وجود السيولة الكبيرة التي لا يستوعبها النشاط الاقتصادي وهذا يؤثر في مستوى الأسعار وبالتالي يزيد من مستويات التضخم، كما يلاحظ على الدول التي تكون محطات لغسيل الأموال ارتفاع بعض أسعار السلع مثل العقارات أو الأراضي الزراعية بشكل مبالغ فيه.
ومن أهم سلبيات غسيل الأموال هو تأثيرها على الاستقرار المالي للجهاز المصرفي وهذا هو الكارثة الحقيقية، فهذه المؤسسات تتأثر بفقدان الثقة أو السمعة، كما أنها تتعرض إلى عمليات سحب لكميات ضخمة من الأموال وبصورة مفاجئة، كما أن عمليات السحب هذه قد تتسبب في انهيار البورصات، فالبورصات من الممكن أن تنهار خلال فترة سحب هذه الأموال التي لا يمكن إدراجها تحت مسمى السيولة الساخنة.
تزييف الاقتصاد
طلعت حافظ: من الأضرار الاقتصادية لعملية
غسيل الأموال ألا يكون هناك استقرار في السيولة لأنها تدخل وتخرج بصورة سريعة. أضف إلى ذلك أن أغلب السيولة التي تحول في المرحلة الثانية من مراحل عملية غسيل الأموال والتي تعرف بالفرز أو بعملية الإحلال وتتحول فيها هذه السيولة إلى أصول وفي الغالب لا تكون منتجة ولا تحمل أسعاراً أو قيماً حقيقية، لأن غاسل الأموال كل ما يهتم به هو أن ينظف أو يبيض هذه الأموال ولا يهدف إلى أي عملية إنتاجية وطبعاً هذه الأمور ستخلق عدم كفاءة في الفرص الاقتصادية المتوفرة في المجتمع وستخلق نوعاً من تركز هذه الأموال لدى غاسلي الأموال مما يعطل من الحركة الاقتصادية وبالتالي يخلق البطالة لأن الأموال تركزت في أيدي أناس معينين لا يهتمون بالعمليات الإنتاجية بقدر ما يهمهم تنظيف هذه الأموال ومثل هذه الممارسات مدعاة لعملية فوضى كبيرة ودعم للفساد الاقتصادي والإداري لما يقوده من رشاوى ومن استخدام سيء للسلطة وخلافه من الآثار السلبية، وعلى المستوى المالي كما أشرت فإنه يتسبب في إيجاد سيولة لا تستوعبها قنوات الاقتصاد ولها هدف غير إنتاجي مما يخلق طبعاً معدلات تضخمية كبيرة في البلد التي يتم فيها غسيل الأموال. الأهم أيضاً انه تتسبب في عدم قدرة السلطة النقدية على ضبط إيقاع السيولة المتوفرة في الاقتصاد ولاسيما أن ما يتم ضبطه على مستوى العالم في عمليات غسيل الأموال في آخر إحصائية يقارب الـ(2850) مليار دولار على مستوى العالم وعشرة في المائة مما يتم رصده على مستوى العالم، إذاً فهي مبالغ ضخمة تربك القرار الاقتصادي وكذلك التخطيط الاقتصادي وتنتج عنها عواقب اقتصادية وخيمة.
لعلي أضيف شيئاً مهماً وهو أن المملكة تنعم باقتصاد حر ونظيف وتنعم أيضاً بنظام مصرفي قوي وكذلك نظام إليكتروني فعال وهذه في الحقيقة كلّها محفزات إذا ما أردنا أن نتحدث حول غاسلي الأموال، فهم دائماً ما يتوجهون إلى الاقتصاد النظيف والذي ليس عليه قيود وتكون التعاملات فيه حرة.. ولكن لحسن الحظ في المقابل لدينا في المملكة نظام ونشاط رقابي قوي سواء على مستوى الدولة أو على مستوى القطاع المصرفي وكذلك على مستوى الجهات الأمنية وخلافه والأكثر من ذلك أن بعض القطاعات لا تعد ولا تعامل كقطاعات لغسيل الأموال في العديد من دول العالم بينما نجدها في المملكة محرمة، فعلى سبيل المثال الاتجار بالخمور والقمار والبغاء ممنوعة في المملكة ومحرمة وهذا من خصوصيتنا، فنحن مجتمع مسلم ومحافظ ولله الحمد، بينما نجد القمار مباح في كثير من دول العالم، أضف إلى ذلك أن المملكة العربية السعودية من خلال نظامها المالي والنقدي عضو في العديد من اللجان الدولية ولذلك فنظامنا حقيقة من الصعب اختراقه بعمليات غسيل الأموال.
لا إنكار
فهد العجلان: القطاع المصرفي يمثل خط الدفاع الأول في صد عمليات غسيل الأموال ومحاصرة تسربها واستغلالها للقنوات الشرعية.. فهل لكم أستاذ محمد أن توضحوا علاقة القطاع المصرفي بعمليات غسيل الأموال ودوره في محاصرة أصحابها؟
محمد العبيد مدير إدارة الالتزام ببنك ساب: بشكل عام أريد أن أشير إلى ما ذكره الزملاء قبل قليل من أهمية مكافحة عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بحكم أن عمليات غسيل الأموال حول العالم والمتأتية من أنشطة غير مشروعة تشكل هاجساً كبيراً، تأتي بالمرتبة الثالثة بعد عمليات تجارة العملات وتجارة النفط وكما ذكر الأستاذ طلعت حافظ وعلى الرغم من عدم وجود دراسات دقيقة ترصد مثل هذه الجرائم إلا أنه هناك تقديرات تشير إلى أنها تقارب التريليونين وثمانمائة مليار دولار (2850) سنوياً على مستوى العالم وتأتي في المرتبة الأولى مجموعة الدول في أمريكا الشمالية بما نسبته (49%) من هذا المبلغ مع الإحاطة أن حوالي (50%) من هذه المبالغ فقط مرتبطة بتجارة المخدرات.
وفيما يتعلق بالمملكة العربية السعودية، فإن جرائم غسيل الأموال موجودة ولا أحد ينكرها، فنحن في مجتمع يبلغ عدد سكانه 23 مليون نسمة, منهم 7 ملايين أجنبي، لكن الحقيقة التي يجب أن نعرفها أن المملكة ليست البيئة المناسبة لغسيل الأموال لكن الجرائم فالمملكة ليست من الدول التي تطبق جانب السرية المطلقة، فكافة المصارف والمؤسسات المالية في المملكة لا تطبق هذا المبدأ، كما يطبق في الدول الأخرى ولذلك غاسل الأموال يبحث عن الملاذ الآمن والمكان المناسب الذي يستطيع من خلاله إخفاء المتحصلات التي قام بجمعها من الجرائم التي يرتكبها والمؤسسات المالية في المملكة بشكل عام ملزمة بكشف كل الحسابات والموجودات للجهات القضائية والجهات التنفيذية والإشرافية سواء كانت مؤسسة النقد العربي السعودي للمصارف وشركات التأمين، أو هيئة السوق المالية كجهة إشرافية على الشركات المرخصة أو الشركات التي تمارس أعمالها في الأسواق المالية، الجانب الثاني أن المملكة بيئة طاردة وليست بيئة جاذبة لعمليات غسيل الأموال كون الأنظمة المالية والمصرفية في المملكة وإن كانت مرنة إلا أنها ليست سهلة الاختراق.. فنظام مراقبة البنوك أو نظام مكافحة غسيل الأموال لا يسمح بفتح الحسابات المصرفية المجهولة أو الرقمية، لذلك فغاسل الأموال يحتاج إلى شكل من أشكال السرية التي تتطلبها أعماله، ومن جانب آخر فهو بحاجة إلى إخفاء شخصيته لكي لا تعرف بأي شكل من الأشكال، أيضاً فإن غاسل الأموال يبحث عن النظم التي تسهل من إجراءات تأسيس وإنشاء المؤسسات والشركات والإجراءات في المملكة قد يكون فيها شكل من أشكال الصعوبة في هذا الجانب، الأمر الذي يحد من استخدام المملكة على سبيل المثال في مثل هذه العمليات.
وعلى الرغم من أن غاسل الأموال بشكل عام يحتاج إلى شكل من أشكال الحرية المالية في تدفق الأموال التي يحاول أن يقوم بتمريرها من خلال النظم المالية أو المصرفية. إلا أن هناك ضوابط كثيفة ورقابة فعالة في المؤسسات المالية التي نتحدث عنها.. فعلى سبيل المثال فقد استكملت مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) في عام 2008 فحص ورقابة جميع البنوك العاملة في المملكة خلال الفترات السابقة. وفيما يتعلق بالعقوبات فقد صدر في المملكة نظام مكافحة غسيل الأموال في العام 2003م أي منذ فترة قريبة، وصدرت اللائحة التنفيذية في العام 2005م وعدلت مؤخراً، إلا أن العقوبات المنصوص عليها شديدة ورادعة وغاسل الأموال يدرك هذا الأمر.. فعلى سبيل المثال العقوبة تتراوح من عشر إلى خمس عشرة سنة يقضيها المتورط في غسيل الأموال والغرامة من 5 - 7 ملايين ريال. وعند مقارنتها بنظم مكافحة غسيل الأموال في عمان أو لبنان أو قطر فالعقوبة بالسجن تتراوح لديهم من ثلاث إلى عشر سنوات والعقوبة المالية لا تتجاوز 50 ألف ريال قطري والجانب الأخير أن غاسل الأموال يبحث عن الدول التي تتميز بضعف أجهزتها الأمنية والقضائية أو أن تكون الأجهزة بطيئة في إجراءاتها أو تشتهر أجهزتها بالفساد، وحسب وحدة التحريات المالية التابعة لوزارة الداخلية فإن تعداد حالات الاشتباه والوقائع التي رفعت من المؤسسات المالية وغير المالية للثلاث سنوات الماضية في عام 2006م (405) حالة و2007م (743) حالة وفي 2008م (1019) حالة على مستوى المملكة وطبعا حجم الأموال غير متاح ولكن هناك تقديرات دولية يعي مدها المختصون ويقدرون أن حجم غسيل الأموال في أي مجتمع يتراوح من 4% إلى 6% من الناتج المحلي في أي بلد.
تحديات وتجارب
فهد العجلان: من خلال ما تحدث به الضيوف يبدو أن هناك تحدياً يواجهه غاسلو الأموال.. فالحصول على شهادة سيرة وسلوك للأموال بتمريرها من الأراضي السعودية يواجه أنظمة ورقابة مشددة.. كيف يمكن محاصرة المغامرين في هذا الاتجاه وتعزيز البيئة الطاردة لمثل هذه العمليات؟
خالد المقيرن: المملكة كما ذكر الإخوان بيئة لا تساعد على مثل هذه العمليات ولكنها تمثل بيئة تجارب لهذه العمليات إذا نجحت هذه التجارب وتحقق لهم المراد فستكون بيئة خصبة لأن المشاريع في المملكة ضخمة والأموال الداخلة والخارجة طائلة وكبيرة فلو وجهت الأموال إلى بلد صغير فقد يفتضح أمرهم، وهنا لا بد أن أشيد ودون مجاملة بوزارة الداخلية ومؤسسة النقد للأنظمة التي اعتمدوها منذ سنوات، وللأسف فإن بعض أبناء الوطن يستخدمون في بعض عمليات غسيل الأموال وهم لا يعلمون حقيقتها وقد يخدعون بواجهات استثمارية، ومع كل الأسف فإن الطمع والربح السريع يعمي البصيرة والمجرمون دائماً ما يختارون أفرادا يمكن إغراؤهم بالمال، وهنا لا بد من التشديد على أن المواطن هو خط الدفاع الأول فمتى ما استوعب المواطنون أن هذا الضرر ليس ربحاً ولكنه ضرر على المجتمع ككل وستنعكس سلبيته عليهم أنفسهم في يوم من الأيام فإن الدائرة ستضيق على هذه الجرائم الاقتصادية.
فهد العجلان: المملكة تشهد مرحلة انفتاح اقتصادي واستقطاب للاستثمارات الأجنبية والبعض يعتقد أن التشدد في أنظمة مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وما يترتب عليه من تعقيدات دخول الأموال وخروجها، لا يساعد تدفق الاستثمارات وقد يكون لها مردود عكسي..كيف ترون هذه الإشكالية؟
طلعت حافظ: في المملكة دائماً ما تكون هناك موازنة بين الأمور، فلا نتبنى التشدد الذي يعيق الاستثمارات الحقيقية والجادة، ولا نفرط بالتساهل الذي يضر أمن الوطن واقتصاده. ولا اعتقد أن تشددنا في مكافحة غسيل الأموال هو معيق للتدفق الاستثماري والدليل على ذلك أن حجم التدفق الاستثماري بالرغم من أن العالم يعيش أزمة مالية، يرتفع باطراد ويتسابق لإبرام اتفاقيات تجارية معنا.
فهد العجلان: ثمة تحولات مالية تحدث لبعض الأشخاص تتجاوز إمكاناتهم ودخولهم، فهل ثمة رصد أو متابعة لمثل هؤلاء وهل يمكن تطبيق نظام من أين لك هذا؟
خالد اللحيدان: بالتأكيد هذا ما نلاحظه باستمرار وهو القفزة المفاجأة في وضع الشخص من الناحية المالية، حيث كان شخصاً عادياً يتمتع بإمكانات محددة وفجأة طرأ تغير كبير في وضعه المالي وهناك عدة مؤشرات يعتمد عليها في عملية المقارنة تتصل بوضع الشخص الاجتماعي ومهنته ودخله المتوقع والخلفية المعلوماتية والتسلسل التاريخي فوحدة التحريات المالية تستقبل البلاغات من المؤسسات المالية وغير المالية والأفراد إضافة إلى البلاغات التي تتلقاها الوحدة من الجهات الحكومية وهناك رقم مجاني على مدى الـ(24) ساعة لاستقبال البلاغات، وصحيح أن هناك بلاغات قد تكون غير صحيحة أو كيدية بالتعامل معها وفق التعليمات.. ولا بد من الإشارة إلى أن المعلومات هي أهم عنصر في مكافحة الجريمة ومتى ما توفرت من أكثر من مصدر ونوعية متعددة سواء معلومات أمنية أو مالية أو شخصية واجتماعية فان ذلك يؤدي إلى تكوين فكرة شبه متكاملة عن الشخص المشتبه به وبالتالي يساعد على اتخاذ القرار المناسب من قبل الجهات المختصة.
طلعت حافظ: البنوك السعودية تطبق مبدأ اعرف عميلك، وهي ليست وحدة تحرٍ أو تطبيق لأسلوب من أين لك هذا؟ ويحب هنا التأكيد على أن البنوك لا تلعب دور الأمن ولكن في حالة الاشتباه في تغير كبير في حساب بشكل مفاجئ فإن البنك لا يشعر العميل بأي شيء ولكن يتصرف بهدوء ويحوّلها إلى الجهات المعنية ويمكن لنا القول إن نظام اعرف عميلك والذي تعمل بموجبه البنوك قد يتساوى مع نظام من أين لك هذا ولكن بطريقة مختلفة.
الغرف التجارية وغسيل الأموال
فهد العجلان: الغرف التجارية كمؤسسات أهلية تمثل قطاعات الأعمال وتدافع عن مصالحها وسمعتها. ولأن المعلومة الواضحة حول قطاعات الأعمال وطبيعة نشاطاتها هي رأس الحربة في محاصرة تستر غاسلي الأموال بالغطاءات التجارية، نود السؤال حول دور الغرف التجارية في هذا المجال؟
أحمد الدايل: بالطبع يمكن القول: إن الغرف التجارية بمنزلة بيوت لرجال الأعمال، كما أنها تمثل محضناً للعلاقة الأهلية بين القطاع الخاص والكثير من الدوائر. وهي تنظر إلى موضوع غسيل الأموال بصورة جدية، وقد شرعنا في القيام بدورنا من بداية السنة، عندما وصلنا تعميم من وزير التجارة موجهاً بمرسوم ملكي حول أهمية غسيل الأموال. وطبيعي أن دور الغرف توعوي يستهدف جميع شرائح المجتمع فلسنا جهة تنفيذية.
وكانت غرفة الرياض أول من بدأ من الغرف، حيث أعلنا خطة قصيرة المدى لمدة ثلاثة أشهر تتضمن دورات تدريبية وورش عمل وأخباراً صحفية وحملات برسائل SMS وجرى استخدام موقع الغرفة استخداماً فعالاً في هذا الصدد، وقمت بتوزيع حقيبة أعدتها الغرفة بعنوان (اعرف عميلك).
لا شك في ضرورة التعاون بين الغرف السعودية والعربية والدولية في حصر المعلومات عن التجار، والتأكد من أنشطتهم، لتوفير قاعدة بيانات يستفاد منها عند ورود أي استفسار عن أي مستثمر أو عميل، وهنا يجب التعاون بين الغرف السعودية والخارجية، فقاعدة البيانات التي تشمل معلومات محددة عن التجار والمؤسسات التجارية تمنع وجود شركات وهمية، كما يمكن الاستفسار من خلال الغرف التجارية عن أي معلومات مطلوبة عن أي شركة. بإمكانك حتى الاستفسار عن الشركات العالمية في مركز المعلومات والتأكد من التصاديق التجارية.
(جوجل) يكشف الوهم
فهد العجلان: بعض العصابات قد تأتي بواجهة مستثمر، والغرف التجارية هي محضن التواصل مع التجار.. فهل لديكم قدرة على التحقق من جدية ونظافة سجل المستثمر، خصوصاً أننا نشاهد كل يوم وفداً تجارياً مختلفاً، وقد حذّر البعض من شراكات لمستثمرين أجانب مع شركاء سعوديين ليسوا سوى واجهة فقط؟
أحمد الدايل: نعم لدينا القدرة على ذلك، فمن خلال مركز المعلومات في الغرفة نستفسر عن أي شركة على الشبكة العنكبوتية، عبر محرك جوجل وغيره، ونعرف إن كانت حقيقية أو وهمية.
وحدة لضبط الشبهات
فهد العجلان: أستاذ محمد نود أن نتعرف أكثر على دور البنوك في متابعة العمليات المشبوهة خصوصاً تمويل الإرهاب وآليات تواصلها مع الجهات المعنية للتنبيه عن أي شبهات تحوم حول شخص معين والآليات التي تتبعونها للرقابة داخل البنوك..؟
محمد العبيد: القواعد التي أصدرتها مؤسسة النقد بوصفها جهة إشرافية على القطاع المصرفي، أوضحت متطلبات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، ولا أستطيع الفصل بين غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، لأنهما مرتبطان بشكل كبير. ومن ضمن المتطلبات الإلزامية في المملكة أن كل مصرف عامل ملزم بإنشاء وحدة أو إدارة داخلية مهمتها تنسيق جهود مكافحة الجرائم المالية وخصوصاً غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وهذه الوحدات المعنية بمكافحة غسيل الأموال يفترض أن تكون وحدات مركزية ترجع عادة إلى أكبر هرم إداري بالمصرف، ولها مهام متعددة، من ضمنها متابعة العمليات المصرفية للتحري مالياً عن أي عمليات قد تنطوي على شبهات، سواء غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب، حيث تتلقى البلاغات من الفروع والإدارات المختلفة داخل منظومة المصرف نفسه، كما تقوم بالتواصل مع وحدة التحريات المالية والإبلاغ عن أي شكل من أشكال الاشتباه، وهناك آلية لعملية الإبلاغ نص عليها النظام وموجودة في الوقت نفسه في اللائحة التنفيذية للمؤسسة التي تنص على أن البنوك تقوم مباشرة بإبلاغ وحدة التحريات المالية. وتتضمن البلاغات الصادرة من البنوك البيانات الرئيسية المتعلقة باسم الشخص المشتبه فيه، من حيث العنوان والهوية والأرقام التي تتصل به، وفي نفس الوقت تفاصيل تتعلق بالعملية المالية المشتبه فيها، من حيث نوعها وقيمتها والمستفيد منها. كما تتضمن تلك البلاغات الأسباب الموجبة للإبلاغ مرفق بها توضيح لتفاصيل عملية الاشتباه ومبرراتها. ومن ضمن المتطلبات الالتزامية التي على البنك القيام بها، تقديم كشوف حسابات وعمليات وصور للتعاملات المالية المشتبه فيها أو غير المشتبه فيها، وذلك خلال عشرة أيام من وقوع الإبلاغ.
ومن أدوار المصارف وإدارة الالتزام لدى كل بنك السعي إلى إيجاد شكل من أشكال البرامج والآليات اللازمة لعملية المكافحة، للتأكد من أن البنك والعاملين فيه يتماشون مع هذه النظم والتعليمات الإشرافية، وكذلك إعداد التقارير الدورية والرد على استفسارات مؤسسة النقد العربي السعودي.
وقد حدد النظام والقواعد الإشرافية التي صدرت من مؤسسة النقد، أن المؤسسة المالية تعد مسؤولة عن أعمالها وأعمال العاملين فيها أو ما يقع منهم من إهمال بعدم التماشي مع نظام مكافحة غسيل الأموال أو نظام مراقبة البنوك أو القواعد الإشرافية واللوائح المتعلقة بعملية الممارسة المصرفية، كما أن أي موظف من موظفي المصرف يسهل عملية غسيل الأموال أو يتستر عليها أو يشارك فيها أو يعطي توصية حيالها، يكون عرضة لتطبيق العقوبات المنصوص عليها والواردة في نظام مكافحة غسيل الأموال ونظام مراقبة البنوك وأحكام نظام العمل السعودي. وحسب ما جاء في نظام مكافحة غسيل الأموال فيما يتعلق بالمصارف، فإن المسؤولية المناط بالعاملين فيها هي إبلاغ السلطات الأمنية عن أي حالة مشتبه فيها في كونها عمليات غسيل أموال أو تمويل إرهاب، وهذا لا يتنافى مع سرية معلومات العميل المصرفية المنصوص عليها في القوانين أو النظم السعودية، والبنك والعاملون به لن تجري مساءلتهم مطلقاً في حال لم يثبت الاشتباه بشكل أو بآخر.
وبعد أن ينشئ البنك هذه الوحدة، هناك نظم آلية توفر شكلاً من أشكال الرقابة على كل العمليات المصرفي التي يجريها العملاء. وهذه النظم مرتبطة بالنمطية المصرفية التي ينهجها العميل. أنا لا أتحدث عن إيداعات بعشرة ملايين أو خمسة عشر مليوناً. على سبيل المثال، هناك عميل اعتاد على إيداع مبالغ في حدود سبعة آلاف ريال، وهنا يتوفر لدى البنك شكل من أشكال النسق، وفي حالة إيداع هذا العميل ثلاثين ألفاً في حسابه، يستطيع النظام قراءة أن هذه العملية المصرفية لا تتسق مع النسق الذي تعود عليه العميل. وحتى لو قام العميل بتجزئة هذه المبالغ إلى عدة مبالغ كأن يقسم خمسين ألفاً إلى عشرة تعاملات مصرفية.
من ناحية أخرى، فإن النظم الآلية الموجودة في كل مؤسسة مالية في المملكة يفترض أن تقوم بدراسة ومراجعة وتقييم هذه التعاملات المصرفية. وبغض النظر عن المبالغ فهناك من يقوم بإيداع ألف وألفين وثلاثة، لكن النظام قادر على قراءة أن هذه الإيداعات تمت في نجران وفي جازان وفي القريات. وحتى لو كانت المبالغ بسيطة، فالنظام قادر على قراءتها. وأنا في البنك وفي وحدة مكافحة غسيل الأموال أرى هذا النسق وأربطة بعدة تعاملات أخرى.
وحتى لو كانت المبالغ بسيطة سيكون هناك شكل من أشكال التشابه في النسق. على سبيل المثال أن يكون هناك عميل حسابه في الرياض في شارع الوزير مثلاً، وقام هذا العميل بتحويل ألف ريال لشخص في نجران، لكن الشخص الذي في نجران تلقى مبالغ أخرى أو إيداعات أو حوالات من أطراف أخرى. وبغض النظر عن قيمة المبالغ، فإن النظام قادر على قراءة التشابه في عمليات الإيداع، وأن المستفيد شخص واحد أو العكس صحيح. كما أن هناك عمليات تحويل تأتي من أطراف مختلفة لكن تصب في إناء واحد، فالنظام قادر على قراءة مثل هذه المسائل بمنتهى الانسيابية.
فهد العجلان: أستاذ خالد تحدثنا عن عمليات غسيل الأموال وقد تكون جزء من التمويل الذي يتلقاه الإرهابيون فهل لكم أن تحدثونا عن عمليات تمويل الإرهاب والإجراءات التي تعتمدونها لمحاصرتها وخصوصاً أن وزارة الداخلية قد حققت إنجازات جبارة في هذا المجال كانت وما تزال محل تقدير الجميع؟
خالد اللحيدان: الحديث عن تمويل الإرهاب متشعب وطويل والإرهاب بحد ذاته ظاهرة بدأت قبل فترة ليست بالوجيزة والمملكة كانت من أوائل الدول في المنطقة التي عانت من هذه الظاهرة وبالتالي فان مكافحة تمويل الإرهاب بدأت في المملكة من وقت سابق تزامنت مع مكافحة الظاهرة نفسها.. كان لا بد أن تبذل الجهود لمحاربة هذه الظاهرة ومحاربة تمويلها والحمد لله أن هناك إنجازات أمنية الكل يعلمها في هذا المجال وعند ما ظهرت الحاجة على المستوى الدولي بضرورة مكافحة تمويل الإرهاب لم يكن هناك نظام قائم لذلك حيث لم يكن هناك تسلسل تاريخي لنشأته وكان أقرب نظام أو أقرب عمليات مشابهة لتمويل الإرهاب هي عمليات غسل الأموال فأصبحت كثير من الأنظمة والقوانين والإجراءات المتخذة لمحاربة تمويل الإرهاب مستمدة من إجراءات مكافحة غسل الأموال ونظام مكافحة غسل الأموال في المملكة في المادة الثانية اعتبر ممول الإرهاب مرتكباً لجريمة غسل الأموال.. طبعا هناك فروقات مهمة وجوهرية بين تمويل الإرهاب وبين غسل الأموال فغسل الأموال تعد الأموال المستخدمة فيه أساسها غير مشروع ويسعى غاسل الأموال إلى إضفاء طابع المشروعية عليها، أما تمويل الإرهاب قد تكون الأموال فيه مشروعة أو غير مشروعة وتستخدم في عمليات غير مشروعة.. الفرق الثاني الذي أحب أن أشير إليه وهو الأهداف فالأهداف بالنسبة لغاسلي الأموال هي الرغبة في الثراء السريع والحصول على أكبر قدر ممكن من الأموال وبالتالي تجد أن الأموال ضخمة جدا بعكس تمويل الإرهاب الذي قد تكون فيه الأموال قليلة جدا من حيث المقارنة. أضف إلى ذلك أن أهداف الإرهاب تختلف فهي أهداف أيدولوجية وفكرية بالدرجة الأولى وهي كما صرح صاحب السمو الملكي النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية عندما أكد على وجوب محاربة الفكر قبل محاربة الأشخاص, ومن حيث الاختصاص فإن وحدة التحريات المالية هي الجهة المعنية بتلقي البلاغات وإجراءات الاستدلال أما التحقيق فهيئة التحقيق والادعاء العام هي الجهة المختصة بذلك، وأن كنت أرى شخصيا أن تمويل الإرهاب أخطر بكثير من غسل الأموال لصعوبة اكتشافه وصعوبة تتبعه نظراً لصغر الأموال ولأن غالبية مصادرها مشروعة.
السؤال الآن الذي أثير وهو تمويل الإرهاب الآن أصبح وبعد التوعية ونجاح وزارة الداخلية ولكنّ هناك تمويلا من الخارج بالنسبة لتمويل الإرهاب.. نسمع أن هناك جهات خارجية تسيء للمملكة بأي شكل كان حتى انها تدفع الأموال لتسيء للسعودية.
وإن كنت أرى شخصياً أن تمويل الإرهاب أخطر بكثير من غسيل الأموال، لصعوبة اكتشافه وصعوبة تتبعه، نظراً لصغر الأموال ولأن غالبية مصادرها مشروعة.
فهد العجلان: هناك آثار اجتماعية خطيرة تتجاوز الأبعاد الاقتصادية تفرزها تفشي عمليات غسيل الأموال.. وكذلك السمعة التي يمكن أن يتضرر منها بلد ما بسبب هذه الجرائم... أستاذ خالد كيف ترون الانعكاسات وكيف يمكن التغلب على آثارها السلبية؟
خالد المقيرن: نعم هناك تأثيرات اجتماعية، فالتأثير الاجتماعي دون شك وأبوابه غير المشروعة في أي مجتمع لا بد أن تؤدي إلى انتشار الفساد الإداري واستغلال النفوذ في بعض الحالات. وفي هذا تدمير للدول، كما فيه إضرار لسمعتها أمام الهيئات الدولية المانحة للمساعدات والقروض. ومن الممكن أيضاً أن توجه هذه الأموال إلى إحداث زعزعة وعدم استقرار في البلد المستهدف، كما أنه من الممكن أن يصل غاسلو الأموال إلى مناصب مرموقة مؤثرة في البلد، وهذا سيؤدي إلى فوضى وفساد وستكون له آثار اجتماعية غير محمودة، فهذه الأموال سيكون مآلها إلى اقتصاد غير حقيقي، مما يعني عدم توفير فرص أعمال حقيقية، وبالتالي تفاقم مشكلة البطالة، إضافة بالطبع إلى انتشار الفساد الوظيفي، وهي سوسة تنخر أي مجتمع.
ثغرة اسمها (وكلاء النساء والأطفال)
فهد العجلان: النساء والأطفال ثغرة يمكن استغلالهم كواجهة لغسيل الأموال أو حتى تمويل الإرهاب من خلال بعض الوكلاء.. كيف ترون تجنيب هذه الفئة مخاطر الاستغلال وكيف يتم التعاطي مع هذه الحالات؟
محمد العبيد: هناك إجراءات مناطة بالبنوك والمؤسسات المالية بشكل عام، وحدد فيها شكل من أشكال الواجبات التي يلتزم فيها البنك أو المؤسسة المالية. فعند فتح الحساب، يكون البنك مطالب بالحصول على بيانات كافية ووافية من العميل، تتضمن الهوية والعنوان والبيانات المالية وما إلى ذلك، كما يقوم بمقارنة المستندات المقدمة وتطبيقها على الأصول وخصوصاً للمؤسسات والشركات. والبنك يعلم تمام العلم أنه محظور عليه أن يقوم بفتح أي علاقة مصرفية وحساب مصرفي أو مالي دون حضور العميل صاحب الشأن أو دون حضور الأصيل في عمليات الوكالة، ومحظور عليه أن يفتح حساب لأي فرد أو جهة غير مقيمة داخل المملكة. وهذه الواجبات تشكل عنصر حماية وتوفر شكلاً من أشكال الرقابة المصرفية، لعدم إساءة استخدام الحسابات المصرفية في مثل حالات غسيل الأموال أو تمويل الإرهاب.
وعلى البنك أيضاً، عند تشغيل الحسابات المصرفية المختلفة لكافة الناس رجال أو سيدات، أصيل أو وكيل، فرد أو شركة، أن يتأكد من إجراء المتابعة والمراقبة الدقيقة للإلمام بكافة المعاملات المالية والمصرفية الخاصة بالعميل. والبنك مطالب كذلك بالتأكد من كل شخصية، ومن يقوم فعلياً بتشغيل الحساب المصرفي، فالمسألة ليست قبول إيداعات أو حسابات فقط.
طلعت حافظ: حسب علمي أنه تم إلغاء الوكالات لسيدات الأعمال إلا في حالة واحدة وهي أن يكون نشاط عملها فيه احتكاكاً بالرجال، وهذه الحالة لا تجبرها على أن تعطي وكالة مطلقة.
وأنا من هذا المنبر أنصح كل سيدة ألا تكون واجهة لرجل، بمعنى آخر أن يكون العمل للرجل وهي تتستر عليه بشكل أو بآخر، كأن يكو ن عاملاً في الدولة مثلاً ولا يستطيع أن يمارس العمل التجاري. فالواجب عليها ألا ترضى بأن يستخدم اسمها وسمعتها فيما قد يضرها.
طلب الأستاذ محمد العبيد المداخلة قائلاً: دعوني أعود إلى مكافحة تمويل الإرهاب فيما يتعلق بتجربة المملكة وأنا اتفق مع الأخ خالد أنه ليس هناك تعريف خاص لعمليات الإرهاب ولكن عموماً هو ببساطة القيام بجمع وحفظ الأموال واستثمارها لغرض استخدامها وتوجيهها للأنشطة الإرهابية ولذلك هي تشمل كل نشاط يتعلق بجمع الأموال من أي مصدر كان، ونقل الأموال بأي صورة كانت داخل المنظومة المصرفية أو خارجها، توظيف الأموال وحفظها واستثمارها في كافة القنوات، توجيه الأموال وصرفها على العمليات الإرهابية، والإرهاب ظاهرة عالمية موجودة منذ فترة طويلة ولنا نماذج كثيرة خلال فترات الخمسين أو الستين سنة السابقة لعدد كبير من الحركات الإرهابية على مستوى العالم.
تمويل الإرهاب من الخارج
فهد العجلان: نجحت وزارة الداخلية في ضرب قواعد الإرهابيين وشل قدرتهم على الحركة لكن الأموال الطائلة التي ضبطت مع بعض الإرهابيين تكشف عن مصادر تمويل قوية بعض منها يأتي من الخارج بهدف زعزعة استقرار هذا الوطن...كيف يمكن محاصرة هذا التمويل خصوصاً في إطار التشابك بين غسيل الأموال وتمويل الإرهاب؟
خالد اللحيدان:غسيل الأموال وتمويل الإرهاب لا شك أنهما جريمتان دوليتان عابرتان للحدود ومن الممكن أن يكون المخطط في دولة والمنفذ في دولة ثانية ومكان التنفيذ في دولة ثالثة وهذا ما يخلق صعوبة أيضاً في عملية تتبع هذه الجرائم وبالأخص عملية تمويل الإرهاب ومثل ما ذكرت في بداية حديثي أن المعلومات مهمة جدا والمسئولون في المملكة تنبهوا لهذه النقطة ودعموا وحدة التحريات المالية وأصبحت عضواً في مجموعة الايجمونت الدولية لتبادل المعلومات ما بين وحدات التحريات المالية في الدول الأعضاء التي تضم أكثر من (117) دولة والمجال مفتوح لزيادة عدد الدول وطبعاً الانضمام له شروط، والمعلومة مهمة جدا للربط ما بين المعلومات المتبادلة للتوصل إلى كشف الجريمة، فالتعاون مهم جدا وهذا لا يعني أنه لم يكن هناك تعاون دولي سابق ولكن الآن أخذ الصيغة التخصصية والرسمية في تبادل المعلومات مع هذه الدول الـ(117) ومع المنظمة.
محمد العبيد: خلال السنوات السابقة، سعت المملكة للانضمام إلى فريق العمل المالي Financial action task force ولذلك انتدب مجموعة من أعضاء فريق العمل المالي وزارونا خلال 2003م، للتأكد من السياسات والإجراءات والنظم المتعلقة بعمليات مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وفي الزيارة الأولى كان تقييم المملكة إيجابياً، مع بعض الملاحظات، أما الزيارة الثانية فكانت في العام 2009م وأقر فيها فريق العمل المالي بأن المعايير التي تنتهجها المملكة كحكومة وكمؤسسات حكومية وكذلك كمؤسسات المالية وغير المالية كانت متميزة، كما رأى الفريق أن المملكة خلال هذه الفترة نجحت في اتباع العديد من التوصيات الـ49 الخاصة بمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب بنفس الوقت، وهذا التقييم لم يأت بالطبع من فراغ، لأن المملكة استجابت لضرورة مفادها أن الظواهر المتعلقة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب تشكل ضرراً كبيراً.
* * *
المشاركون في ندوة الجزيرة
الأستاذ خالد بن محمد اللحيدان
مساعد رئيس وحدة التحريات المالية بوزارة الداخلية
الأستاذ خالد بن عبدالعزيز المقيرن
عضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية بالرياض ورئيس لجنة الأوراق المالية بالغرفة
الأستاذ طلعت بن زكي حافظ
الخبير المصرفي والإعلامي المعروف
الأستاذ محمد بن إبراهيم العبيد
مصرفي وعضو لجنة مكافحة الجرائم المالية وغسيل الأموال
الأستاذ أحمد الدايل
مدير الاستثمار بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض