هوليود - محمد رضا
تسأل أي طفل حول العالم عمَّا يرغبه في مستقبله من متع الحياة وأسباب رفاهيَّتها يجيبك: سيارة. أترك أي طفل (فقيراً أو غنياً) داخل سيارة متوقّفة وأوّل ما سيفعله هو احتلال مقعد السائق والقبض على المقود بكلتي يديه لينطلق بخياله في رحاب بعيدة. ها هو يسابق الريح والبشر والسيارات الأخرى،
حين يصبح الولد شابّاً، وإذا ما كان بمقدوره أو مقدور والده، فإن أول ممتلكاته هو سيّارة. ليس لأن ركوب التاكسي أمر مزعج، بل لأن السيارة هي السبيل إلى التمتع بشعور التفوّق، على نحو طبيعي، إذاً ترمز السيارة إلى السيادة والقوّة والثروة، وهي تفعل ذلك في الحياة كما في السينما. والتقدّم التقني لم يزدها سوى مناعة. ها هو فيلم Fast AND Furious يحقق في أيام افتتاحه الثلاث الأولى نحو سبعين مليون دولار. هذا أكثر من 23 مليون دولار في اليوم أو نحو مليون دولار في الساعة الواحدة. آخر مرَّة حقق فيلم ما مثل هذا الرقم.
ليس هذا برقم يهم المتخصصين والاقتصاديين وحدهم، فهو ليس رقماً يحدث كل يوم ولا حتى في أي فيلم سيارات، فمجموع ما حققه الجزء الثالث من هذه السلسلة قبل عام ونصف العام في كل عروضه السينمائية كان تقريباً الرقم الذي حققه هذا الفيلم في (الويك) الأول له. الأكثر من ذلك هو أن هذا الافتتاح هو أعلى افتتاح لفيلم فيه سيّارات. هذا منذ أن سجّل فيلم (سيارات)، ذلك (الأنيماشن) الجيِّد، 60 مليون دولار ومئة ألف دولار في المدّة ذاتها حين انطلقت عروضه في العام 2006م.
أرقام وعجلات ساخنة
معظم الداخلين إلى الفيلم لديهم سيّارات. سيّارات مثل تلك التي في الأفلام أو أقل منها سرعة وضجيجاً، لكنهم جميعاً يحبّون السيارة وما تعنيه لهم. إنها في الغرب ليست لمجرد إيصال الأولاد إلى المدرسة أو شراء الحاجيات من السوق. إذا كنت ممن يفعل ذلك، فإنك -على الأرجح- لست من هؤلاء الذين سيشاهدون الفيلم فهو موجّه إلى الشباب الذين يتمنَّون اختفاء الكاميرات الراصدة لكي يطلقوا عنان السرعة لسيّاراتهم، وبعضهم لا يكترث لها في الأصل.
في هذا الفيلم لديك نوعان من الشخصيات: الرجال والسيارات، الرجال الغاضبون والسيارات السريعة، أو العكس صحيح أيضاً، لأن لا شيء بعد ربع ساعة من الأحداث يستطيع أن يسجّل على الشاشة ما هو أكثر من ذلك. إذا ما شاهدت أياً من الأجزاء السابقة، أو أي فيلم اعتمد السيّارات كبطولة مثل (خط أحمر) و(سباق الموت) و(ترانسبورتر) الخ...، فإن الأحداث هي في الأساس واحد: استخدام السيارة للبرهنة على أن البطل وحليفه على حق والمنافسين الأشرار على باطل. والنصر، بعد أن تتوعّك السيّارة التي يمتطيها البطل (فن ديزل في هذا الفيلم) قليلاً وتزمجر طويلاً، من نصيب الأول.
الحوار لا يقف على قدمين. تقريباً لا أهميّة له ويحتل الصف الثاني وراء حوار الموتور: فروووووم... فرووووم كما لو أن السيارة في الأصل كانت ثوراً اعتاد حفر الأرض بقدمه قبل الاندفاع في المصارعات الإسبانية. القصّة تدور حول دومونيك (ديزل) الذي كان لجأ إلى الدومونيك (الجمهورية) هرباً من حكم قضائي في الولايات المتحدة، لكنه يعود الآن إلى أميركا بعدما وصله نبأ مقتل صديقته التي كان يحبّها واسمه لفتي (ميشيل رودريغيز). وقاتلها هو رئيس عصابة من المخدّرات. الآن - ولتلميع صورة دومونيك (الممثل وليس الجمهورية) يُسمح له لا بالعودة إلى أميركا فقط، بل بتوليه منصب القيادة في قوّة من الأف بي آي تتعقّب ذلك المجرم ولن يستطيع سوى دومونيك الوصول إليه.
رمز للزمن الغابر
الفيلم مربوط بمطارداته وسباقاته. أي بالسيارات وقدراتها الفذّة وذلك بدءاً من المقدّمة، حيث يتسابق دومونيك وراء حافلة تجر أربع خزانات بنزين ومنطلقة، رغم حمولتها تلك، مثل الريشة في مهب الريح وعلى طرق غير مستوية ولا متّسعة. بذلك دور السيّارة هنا هو أن تظهر قدراتها وقدرات قائدها لا لشيء إلا لتظهر قدراتها وقدرات سائقها. بينما لو انتبهنا إلى أفلام سيارات أخرى، نجد أنها تستطيع أن تلعب دوراً درامياً بمجرّد منح الشخصيات التي تقود والصياغة التي يحتاجها الفيلم أهمية تفوق العجلة بحد ذاتها. السيارة رمز للقوّة لكن هذه القوّة يمكن أن تُترجم إلى أفعال أفضل أو أن تكشف عن شخصيات أعمق، أو -ببساطة- أن تكون وسيلة تشويقية مبتكرة.
خذ (سيارات)، الفيلم (الأنيماشن) الذي تم افتتاحه قبل أقل من عامين بأسابيع قليلة، تجد أن السيارات هنا تمثِّل حالة من (النوستالجيا) قائمة بذاتها. هي أيضاً كانت -كما نلحظ من موديلاتها- سيارات سرعة وسباق، لكنها وكحال كل قوّة في العالم، تشيخ وترتاح. ومكان الراحة بالنسبة للسيارات في ذلك الفيلم مناسب لرمز أكبر: الغرب الأميركي ذاته. ذلك الذي ذهب عنه سحر غابر وانطوت أيامه في المتغيّرات. ككل أفلام شركة بيكسار الشهيرة في هذا المنوال من الأفلام، الفيلم عن الأيام الأفضل، تلك التي مضت ولمزيد من الدلالات يوفّر مشهداً يقص حكاية الطريق الذي كان يشق الصحراء قريباً من تلك البلدة التي كانت مزدهرة به. الآن وقد تم افتتاح طريق سريع بعيد ما عاد أحد يزور البلدة ولا يكترث لسيارات الأمس المرصوفة فيها.
بوليت الأفضل
هذا الفيلم يبقى (الأنيماشن) الوحيد الذي يدور عن السيارات (من دون آدميين أو حيوانات). ولهذا السبب هو أيضاً الفيلم الوحيد (أنيماشن أو لا) الذي تضطلع ببطولته السيارة وحدها. لكن السيّارة وحجم دورها كان موجوداً في عدد لا يحصى من الأفلام. إنها في كل مرّة تفرض الأحداث مطاردة بين مطارِد ومطارَد. شرطي ومجرم. صيّاد وطريدة. وذلك عوضاً عن الجياد التي سادت أفلام ما قبل الخمسينات في أفلام رعاة البقر.
لكن من هذه المرّات التي لا تحصى، هناك عدد محدود استطاعت فيه السيارة أن تؤدي دوراً أساسياً من دون أن تكون مجرّد دمية أو لعبة إلكترونية تزعق وتضج وتأكل الطريق بسرعات خيالية لا لشيء إلا لتثير المشاهدين!
في فيلم (العملية الإيطالية) للبريطاني بيتر كولنسن سنة 1969 تم استخدام السيّارات لغاية الهروب من مكان الحدث. هذا فريق من أمهر اللصوص يسطو على حمولة من الذهب وعليه أن يهرب بعدد من سيارات الميني كوبر في شوارع وأزقّة مدينة تورينو الإيطالية.
هنا استخدم كولينسون السيارة كموضوع أساسي ينص على تمجيد السيارة الصغيرة وتصويرها في مهمّات صعبة ومنح دور أساسي لطبيعة البلدة وأزقّتها وتلك المدرّجات العريضة منها والضيّقة التي على السيارة أن تهبط عليها في محاولتها الهرب من سيّارات البوليس الأقل مهارة.
نسخة ثانية من الفيلم نفسه ظهرت في العام 2003 للمخرج ف. غاري غراي ليست سيئة، بل وفيها الكثير من الحسنات وتتساوى في النهاية مع الفيلم السابق وربما تجاوزته أكثر بقليل.
في فيلم بيتر ياتس البوليسي (بوليت) استخدام آخر للسيارة، نعم هي سريعة وخطرة والمشاهد التي ترد فيها موظّفة للتشويق. ولكن المحسوب هنا -بذات الأهمية- السائق الذي يقودها.
في ذلك الفيلم الذي تم إنتاجه سنة 1968 وتصويره في مدينة سان فرانسيسكو، يلاحق التحري بوليت (ستيف ماكوين) قاتلين مأجورين قتلا شاهداً مطلوباً في قضية والتحري الذي كان يحرسه. بسبب تحرياته يقرران ملاحقته والقضاء عليه. يلحظهما في المرآة. من هنا يلعب المخرج لعبة ذكية وواقعية لإبراز عوامل عدّة من بينها الدوافع النفسية لدى التحري لدخول المطاردة (التي لا تعد مجرّد ملاحقة عنصر لآخر) ومن بينها الديكور الطبيعي للمدينة وشوارعها الشهيرة بتلالها ومن بينها -وبل في صلبها- الطريقة التي استخدم المخرج المونتاج لإنجاز أهم مطاردة سيّارات في تاريخ السينما.
حين يلحظ بوليت أن هناك سيّارة تلحقه يختفي في زقاق، لا نرى تماماً أين اختفى بل ينقلنا المخرج إلى السيارة التي يجلس فيها المجرمان: واحد بمعطف أصفر شاحب متقدّم في السن يعمد إلى بندقية (بوب أب)، أي تلك التي تُطعم رصاصات كبيرة ولا تتطلب تصويباً دقيقاً بل تنفجر حين تصطدم، والآخر -السائق- ذي سحنة آتية من أفضل مخيّلات فناني سينما وكوميكس وروايات الأكشن البوليسي. مستطيل الوجه مع فك عريض وشفتين مصممتين! فجأة ينظر هذا إلى مرآته، ويجد أن بوليت هو الآن وراءهما.
المدينة الطاحنة
الموسيقى الاستعدادية الرائعة (من نوع الجاز) تستمر إلى اللحظة التي يقرر فيها السائق القاتل الانطلاق سريعاً للفلات من بوليت. الموسيقى تتوقّف وصوت العجلات والموتور يعلو. فجأة نحن في وسط مطاردة تنطلق فوق شوارع سان فرانسيسكو بسرعة لم تكن -آنذاك على الأقل- محسوبة وسريعاً ما نجد السيّارات وهي تطير من فوق الهضبة إلى الأرض على نحو لم نره في أي فيلم سابق (ثم في كل فيلم لاحق). ذلك لأن شوارع سان فرانسيسكو النازلة من الجبال المحيطة إلى البحر مؤلّفة من تلك الهضاب بمعنى أن الشارع ليس سويّة واحدة منحدرة. بل ينحدر جزء من الشارع ثم يعلو ثم ينحدر ثم يعلو من جديد. بين كل علو وآخر سيكون في مقدور إحدى السيارتين اختصار المسافة والطيران أمتاراً لتحط على الأرض من جديد.
لكن هذا يستمر لبضع دقائق لأن السيارة الهاربة تقرر الخروج من المدينة إلى الطريق السريع وبوليت في أثرها. إطلاق نار. ظهور دراجة نارية غير محسوب. انزلاق. قيام السيارة المطاردِة (التي كان يقودها الممثل ماكوين بنفسه) بضرب جانب السيارة الهاربة ودفعها إلى محطّة بنزين حيث تنفجر هي والمحطّة معاً.
فيلم (العملية الإيطالية) جاء بعد هذا الفيلم كذلك فيلم جون فرانكنهايمر (الاتصال الفرنسي) وإذا ما كان فيلم بيتر ياتس دار في رحى سان فرانسيسكو وفيلم بيتر كولينسون في رحى مدينة تورينو فإن (الاتصال الفرنسي) سيدور في رحى مدينة نيويورك.
قصّة بوليسية أخرى يطارد فيها بطل الفيلم (جين هاكمان) قاتلاً فرنسياً كان حاول اغتياله (مارسل بوزوفي) والمطاردة تتم في شوارع مسطّحة ما يتيح استخدام ديكورات طبيعية أقل لكنها ليست معدومة التأثير تنطلق فيه السيارة لتسابق المترو فوق الجسر ولتتحاشى دهس امرأة تجر طفلها في العربة ثم لتصل إلى المحطّة حيث يحاول المجرم الهرب ركضاً لكن التحري المطارِد سوف يبت أمره بسرعة ويجهز على الشرير قتلاً.
المشكلة في أفلام اليوم هي أن لا شيء يمكن ترجمته إلى معقول. المطاردة باتت الغاية بحد ذاتها والنتائج محسوبة. ستنقلب حافلة الركّاب سبع مرّات ويخرج أيدي مورفي سليماً منها. ستطير السيّارة فوق الجسر بعلو عشرين متراً وتحط من دون أن تتحطّم. ستسير على عجلتيها اليمينتين مسافة طويلة وتمر بين سيارات متقاربة وبعد ذلك ستكسر الحواجز وتدخل في الشوارع ذات الاتجاه المضاد وبل ستصعد حافلة أو ستنزل عن قطار وكل ذلك من دون أن يُصاب راكبها خصوصاً إذا ما كان البطل.
وفي حين بات زر الكهرباء في الأفلام يُصدر صوتاً أشبه بقنبلة، لك أن تتصوّر الأصوات الزاعقة التي ستصدر عن مثل تلك المطاردات الجديدة.