Al Jazirah NewsPaper Sunday  28/12/2008 G Issue 13240
الأحد 30 ذو الحجة 1429   العدد  13240
اختار الخدمة العسكرية لصنع اسمه...
ونستون تشرشل الزعيم البريطاني وقصته مع الحروب

 

 

 

 

 

 

 

الكتاب: A Life of Winston Churchill at War, 1874-1945

المؤلف: Carlo DصEste

الناشر: Harper Collins

امتدت حياة ونستون تشرشل ليعيش حتى آخر عقدين من عمر الإمبراطورية البريطانية، ويؤرخ هذا الكتاب الصادر بعنوان (حياة وينستون تشرشل في الحرب 1874 ـ 1945) لحياة ذلك الرجل ويسرد فيه المؤلف كارلو ديستيت تتابع الكوارث التي حلت على بريطانيا في الأيام الأخيرة من العصر الفيكتوري التي كانت تؤذن باضمحلال الإمبراطورية البريطانية في الحرب العالمية الثانية. واليوم يعقد المفكرون الأمريكيون مقارنة بين بريطانيا في تلك الأيام وبين بلادهم اليوم وحالة التدهور التي تمر بها، ويقولون: إن ذلك الاضمحلال إذا حل بالولايات المتحدة فيجب إدارته بذكاء وبصورة آمنة. ويقول المؤلف أن الانحدار الجيوسياسي هو الأكثر خطورة وعادة ما يكون مميتًا، وقد قضى تشرشل الجزء المرير من حياته مدافعًا عن مكانة بريطانيا في العالم أمام التهديدات المتزايدة في تلك الحقبة، ثم دافع بعد ذلك عن وجودها كدولة مستقلة أمام ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، لذا يؤكد المؤلف أن السيرة الحياتية لتشرشل هي السيرة الحياتية لكل الشعب البريطاني بنجاحاته المذهلة وبأخطائه المريرة أيضًا، وبهفواته المتعاقبة وبتعاليه وعدم مبالاته وفي النهاية شجاعته غير العادية.

ويقول المؤلف:إن الشجاعة كانت عاملاً مشتركًا في هذا الكتاب المليء بالأحداث، (فتشرشل قبل أن يصبح رجل دولة كان جنديًا بالأساس ومنذ فترة طويلة)، فعندما كان صغيرًا عانى من طفولة قاسية وكانت شخصيته بائسة، لذا اختار الخدمة العسكرية كوسيلة لصنع اسمه ولكي يثبت لنفسه ولأبيه بصفة خاصة أنه ذو قيمة، حيث كان أبوه يعامله ببرود وكان بعيدًا عنه.

ويشير المؤلف إلى أن تشرشل الشاب قاتل في الهند وكاد أن يلقى مصرعه، وفي عام 1898 قاتل تحت قيادة كيتشنر في أم درمان بالسودان وكاد أن يلقى مصرعه أيضًا عندما نجا من الموت بأعجوبة، ثم قاتل بعد ذلك في حرب البوير ووقع في الأسر ولكنه استطاع الهرب، وفي الحرب العالمية الأولى عمل كمسئول حكومي مختص بالتنسيق مع البحرية الملكية، ولكن خططه لفتح ثغرة في الدردنيل فشلت ولقي آلاف الجنود البريطانيين والحلفاء مصرعهم في مدينة جاليبولي لذا استقال من منصبه وأجبر نفسه على القتال إلى جانب أولئك الجنود في الخنادق الأمامية المميتة في فلاندرز بوسط أوروبا).

كل ذلك حدث لتشرشل الشاب قبل عدة عقود من توليه رئاسة وزراء بريطانيا لينقذها والعالم معها من حكم النازي بقيادة هتلر، ويقول المؤلف أن تشرشل لم يكن مجرد رجل سياسة يدير حربًا متقمصًا شخصية زعماء آخرين مثل ويدرو ويلسون أو ليود جورج أو فرانكلين روزفلت، ولكنه كان جنديًا وأمير حرب وكان رجل دولة محاربًا مثل فريدريك الأكبر ونابليون وأوليفر كرومويل ومثل جده الأكبر دوق مارلبورو. وقد جعل المؤلف حياة تشرشل العسكرية هي الموضوع الأساسي لهذا الكتاب، وربما بالغ المؤلف قليلاً في هذا العنوان حيث إن ديستيت هو مؤرخ عسكري وألف العديد من السير الحياتية عن دوايت أيزنهاور وجورج باتون، لذا كان من غير المستغرب أن يصور تشرشل في قالب الجندي أولاً ثم كزعيم سياسي ثانيًا، في حين أن مصدر عظمة تشرشل كانت كقائد وزعيم قومي وسياسي ورجل دولة وهو الشيء الذي كان يطمح إليه طوال حياته.

فقد أحب تشرشل المخاطر وكان جريئًا، في بعض الأحيان إلى درجة التهور، وبينما يلقي بنفسه في أتون المخاطر وكان الرصاص يتطاير من حوله وكانت السيوف تقطع الهواء بجانبه كانت أخباره كلها تعود إلى وطنه الأم في إنجلترا، وبحلول عام 1900 كانت شهرته كجندي قد طغت على كل شيء، بالإضافة إلى أنه في تلك السن المبكرة كان قد ألف عدة كتب تربعت على قوائم الأكثر مبيعًا، وهو ما أتى به إلى البرلمان البريطاني في النهاية، وفي ذلك العام قدمه الكاتب الأمريكي الشهير مارك توين في نيويورك على أنه (بطل الحروب الخمسة، ومؤلف للكتب الستة، ورئيس وزراء إنجلترا في المستقبل)، وكان تشرشل وقتها في السادسة والعشرين من عمره.

وفي ذلك الوقت لم يكن تشرشل يظن أن حياته العسكرية سوف تمتد بعد عام 1900، مثله مثل العديد من زملائه في الجيش، وذلك لأن الجميع كان يعتقد أنه من المستحيل أن تنشب حرب عالمية بين القوى العظمى.

ولكن هذا التفاؤل بدأ يتلاشىشيئًا فشيئًا عندما بدأ تشرشل يرى ألمانيا وهي تبني أسطولها، وعزم قائدها القيصر فولهلم الثاني على جعل بلاده قوة عالمية عظمى، وكتب تشرشل بعد ذلك قائلاً: (لقد فكرت في مشكلات بريطانيا المحبة للسلام وغير المستعدة للحرب والغافلة عن خطط أعدائها، فكرت في قوتها وفي فضائلها وفي مهمتها من أجل نشر الإدراك السليم واللعب النظيف، ورأيت ألمانيا وقوتها تتعاظم، وتقوي طموحاتها الإمبريالية وهي تغوص في حسابات قاسية وباردة ومتعمقة ومتأنية).

ولكن تشرشل لم ينظر إلى تلك التهديدات المتزايدة بعين الجندي أو أمير الحرب، ولكنه كان ينظر إليها كزعيم كرس نفسه لحب بريطانيا ومبادئها وتقاليدها الليبرالية. وقد حذر من منفاه السياسي عقب الحرب العالمية الأولى من صعود الدكتاتورية في ألمانيا وإيطاليا واليابان وإسبانيا والاتحاد السوفيتي، إلى درجة جعلت منتقديه الذين كانوا لا يريدون التفكير بعد اليوم في المواجهات الكبرى يصفونه بأنه داعية حرب. كما شجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه في ميونيخ عام 1938 وحذر من أنه (لن تكون هناك صداقة بين بريطانيا الديموقراطية والحكم النازي).

وبالرغم من خبراته العسكرية إلا أن مكانة تشرشل لا تنبع من مهاراته أو فطنته الحربية، فقد خطط للعديد من العمليات العسكرية الفاشلة، في جاليبولي في الحرب العالمية الأولى وفي الغزو الوقائي الفاشل للنرويج في الحرب العالمية الثانية، وطالما تذمر القادة البريطانيون من تدخل هذا الرجل السياسي الهاوي في شئون الحرب، في حين أن ذلك التذمر لم يكن يسمع في جيوش نابليون أو فريدريك أو مارلبورو. ولكن مكانة تشرشل تنبع من رؤيته الثاقبة غير المترددة، وهو الشيء الذي فشل فيه أو لم يرده أعظم رجال العسكرية في عصره. فتشرشل على سبيل المثال أدرك أنه لن يكون هناك سلام آمن مع هتلر بعد غزوه لبولندا، في الوقت الذي كان يأمل فيه كثيرون أن بريطانيا سوف تبقى خارج أتون تلك الحرب القارية، وبعد سقوط فرنسا كان أصحاب المذهب الواقعي أمثال اللورد هاليفاكس يحثون على عقد اتفاقات سلام بحجة أن بريطانيا لن تنجح مطلقًا في الحرب بمفردها ضد ألمانيا (وأنه ليس من البطولة أن يتم استدراج بريطانيا إلى حرب تستطيع أن تتجنبها)، ولكن تشرشل كان يدرك أن هتلر لن يسمح بأن تظل بريطانيا دولة مستقلة، وكان دومًا يهدد بسيطرة ألمانيا على أوروبا، وكان يستخدم السلام كأداة لاستجماع قواه لشن الهجوم الأخير.

كما كان تشرشل يدرك أكثر من جنرالاته وقادة البحرية أنه من الأهمية أن تبدأ بريطانيا بالهجوم، وصرح لجنرالاته عام 1940 قائلاً أن (جنوح العقل إلى الدفاع هو ما دمر فرنسا، ولا يجب أن نسمح لذلك أن يفسد علينا كافة مبادراتنا في الحرب)، وربما أن هذا التوجه الهجومي هو الذي أدى إلى الفشل في جاليبولي والنرويج، ولكن تشرشل كان يؤمن دومًا أنه خير لك أن تحاول وتفشل من ألا تحاول على الإطلاق. وكان مثله مثل لينكولن يرى أهمية شحذ معنويات شعبه، وكان يدرك خطورة الحديث عن مبادرات سلام بينما تخسر بلاده الحرب، وأعلن قائلاً: (سوف نستمر في القتال وسوف نستمر في الزود عن بلادنا، وفي النهاية إذا قدر لهذه القصة الطويلة أن تنتهي وكان من الأفضل للجميع أن تنتهي فإن ذلك لن يكون من خلال الاستسلام ولكن فقط ونحن ممددون على الأرض بلا حراك)، كما لم يشكك أحد في صدقه عندما وعد بالموت ومسدسه في يده مقاتلاً النازيين في شوارع لندن.

وتلك الصفات هي التي جعلت البريطانيين يفضلونه على نظرائه من رجال السياسة وجعلتهم يسيرون وراءه في صراعهم المرير ضد الأسوأ القادم، وقالت مارجوت أسكويث الكاتبة: إن (الناس كانوا يتطلعون إليه بسبب قدراته القيادية ولم يكونوا يحترمونه فقط بسبب عقله أو حكمته ولكن أيضًا بسب شجاعته وتنوعه، حيث كان يجمع ما بين الصنعة والجرأة، ولم يتهرب يومًا ولم يتملص من شيء ولم يرغب في حماية نفسه، وكان يخوض غمار المخاطر العظيمة وكان في أفضل حالاته حينما يتوارى الآخرون حزنًا وقلقًا وعندما كانوا يخشون على حياتهم، في كل ذلك كان وينستون تشرشل جريئًا وشجاعًا وحريصًا على أمن قومه ومتعاطفًا معهم)، وقالت: إنه كان ربما يريد أن يقاتل مع الجنود في الخنادق لأنه ولد كجندي.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد