الروح هي الماهية الروحية التي تعتبر المنشأ الروحي أو العلة المحركة لحياة الفرد وهي المصدر الروحي الذي يتجسد في الكائنات البشرية، وبمعنى آخر إنها طبيعة الإنسان الخلقية والعاطفية الفضلى، وأما النفس فهي تجريد لسلوك الفرد المؤقت المتغير أو لشخصيته النموذجية إذا أمكنه السيطرة عليها. |
لقد انشغل العلماء والفلاسفة والمفكرون عبر التاريخ في الحديث عن النفس والروح، وكان هناك آراء متقاربة عبرت جميعها عن الروح والنفس بطرق مختلفة، ولكنها أجمعت كلها على أن الروح خالدة، وأنها ذات صفة مميزة بالنبل وهي التي تحدد سلوك الفرد الأخلاقي الثابت، وأما بالنسبة للنفس فقد أشارت الدراسات إلى أنها متقلبة إلا إذا تدخل العقل وعقلها. |
يروى أن أحد المتأملين أراد أن يفهم بالضبط طبيعة الروح والنفس فذهب إلى أحد الحكماء وسأله كيف يمكنني أن أعرف ملامح وكنه الروح والنفس، وأين أستطيع أن أجد من يزيل جهلي وأميتي حول ذلك الأمر فقال له: |
عليك بالعودة إلى القرآن الكريم وتراث الفلاسفة وعلماء الاجتماع والمفكرين فقبل النصيحة واتجه إلى القرآن الكريم فوجد الكثير حول الروح والنفس ومن ذلك. |
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}، {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ} |
وبهذا استطاع أن يفهم أن الروح تعود إلى بارئها بعد أن تغادر الجسد وهي خالدة وأن كل نفس ستتذوق طعم الموت لا محالة وهي نزاعة إلى الشر. |
وبعدئذ رجع إلى تراث سقراط فوجد أنه اعتقد بكمال الروح وآمن أن الرجل الصالح هو الذي يتمتع بروح نبيلة وبالتالي لا يمكن أن يأتيه أذى في حياته أو مماته وهو يؤمن بخلود الروح ويعتقد أن هناك خمسة أشياء يهلك الإنسان فيها نفسه وهي خديعة الأصدقاء والالتفات عن العلماء واختضار الرجل نفسه وتكبر من لا يسوى واتباع الهوى. |
انتقل بعد ذلك إلى تراث أفلاطون فوجد أنه يعتقد بأن الروح قد تعرفت على المثل في عالم آخر قبل أن تدخل الجسد ولكنها تنسى الشيء الكثير مما تعلمته عن المثل، ومع ذلك فإنها تناضل لاستعادة تلك المثل وتتمكن من رؤية صور باهتة لها. |
وإن أجمل ما قاله افلاطون عن النفس في مخاطبته لها: |
يا نفس إن أهل الدنيا مظلومون ظالمون مغرورون غارون. |
اعلمي يا نفس أن هناك أربعة أشياء هي السبب في هلاكك لا محالة وهي: الحزن والفقر والجهل والخوف، واعلمي يا نفس أن امن ترك المقتنيات الخارجة عنه عدم الحزن، ومن عف عن الشهوات عدم الفقر، ومن بحث عن العلم عدم الجهل، ومن تشوق إلى الموت الطبيعي ورضي به عدم الخوف، يا نفس إني قد تأملت اللذات كلها فلم أجد ألذ من ثلاثة وهي: الأمن والعلم والغنى يا نفس إني كرهت العقاب فاتقي الزلل واحذريه وتجنبي الخطأ واطرحيه. |
ينتهي المتأمل من افلاطون ليقف عند ابن المقفع فيجد أنه ينصح الإنسان بأن يذلل نفسه بالصبر على جار السوء وجليس السوء وجليس السوء فإن ذلك مما يكاد لا يخطئه، وإن الصبر الممدوح أن يكون الإنسان لنفسه غلوباً، وللأمور متحملاً ولنفسه عند الرأي والحفاظ مرتبطاً، وللحزم مؤثراً وللهوى تاركاً، وعلى مجاهدة أهواء النفس وشهواتها مواظباً وعلى الإنسان أن يحبب العلم لنفسه، وأن يعودها على السخاء والابتعاد عن الحسد، وعليه أن يحصي على نفسه العيوب والعورات لكي يفارق تلك العيوب. |
وبعد ذلك يلتفت إلى العلماء فيجد أن النفس تمر في ثلاث مراحل في تطورها: |
المرحلة الأولى: حيث تكون النفس نزاعة إلى الشر وإذا لم تضبط تؤدي بصاحبها إلى الهلاك. |
المرحلة الثانية: وهي النفس اللوامة وهنا تشعر النفس بأنها واعية بالشر ونتائجه وتطلب الرحمة والعفو من الله بعد الندم وتحاول أن تصلح ما أفسدت وتأمل بالتخليص من الخطيئة والنجاة ويمكن أن نصف هذه المرحلة بصحوة الضمير. |
المرحلة الثالثة: وهي النفس المطمئنة وهنا تكون راضية مرضية وهي أعلى الدرجات عندما تحقق الراحة والرضا. |
وينتقل إلى كانت والاسكندر المقدوني والإمام على فيجد أن الأول يقول: السمو هو عظمة النفس وأما الثاني فيقول: من عجز عن تقويم نفسه فلا يلومن من لا يستقيم له وأما الثالث فيقول: آفة النفس ألوله بالدنيا. |
ولعل البوصيري ناظم قصيدة البردة يعطينا صفوة الحديث عن النفس حينما يقول: |
والنفس كالطفل إن تهمله شب على |
حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم |
فاصرف هواها وحاذر أن توليه |
إن الهوى ما تولى يصم أو يصم |
نعم على الإنسان مخاصمة نفسه ومحاسبتها والقضاء عليها ولاريب أن النفس إذا خالفت هواها أعقبها فرحاً وسروراً ولذة أكمل من لذة موافقته بما لا نسبة بينهما وهنا يمتاز العقل عن الهوى. |
وفي هذا المجال كتب حكيم في سيرته الذاتية: صليت لله وسألته أن يعطيني قوة حتى أتمكن من تغيير العالم بأكمله ولكن بعد أن تقدمت في العمر لم أتمكن من فعل شيء فقلت سأكتفي بإصلاح عائلتي وهنا فشلت وتحققت بأنه إذا كان بإمكاني أن أقوم نفسي فإن ذلك يكفيني وصليت لله ورجوته أن يسمح لي في القيام بذلك فقال لي ربي كان عليك أن تطلب ذلك منذ البداية لأنه إذا أراد الإنسان أن يغير نفسه فإن الأمر ليس من السهولة كما يتصور، إذا إن الإنسان عالم كامل وإن ذلك العالم يستقر في نفسه وإذا فهم نعمة الله فإن تغيير نفسه يصبح ممكناً. |
خلاصة القول علينا أن نعلم أن للأنفس شهوات وأهواء ورغبات تعتم الروح وعلى المدى الطويل لاتسمح لها مطلقاً بالتمييز بين الخير والشر، وإن هيجان الرغبة في النهار لايمكن تداركه في هدوء الليل، ولذلك على الإنسان أن يقمع نفسه ويذللها حتى تعترف بوجوب استقامتها علماً أن طباع النفس الأمارة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى والأماني فيما بقي وفي هذه الحالة على الإنسان أن يرد على نفسه معاذيرها وعللها وشبهاتها وأن يعاقبها وأن يتذكر السيئات التي أوقعته فيها فيتجنبها ويمكن القول: إن أفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بهذا أخذا وأحرصهم تأديباً لنفسه. |
نعم على الإنسان ألايسمح لهواه بالغلبة لأن الهوى يحقق رغبة لفترة ساعة، ولكنه إذا استحكم الإنسان فإنه يدمره طيلة حياته ولهذا ينبغي على كل منا أن يقف لنفسه بالمرصاد، وأن يكون لها قاهراً حتى يسمح لروحه بالترقي والسمو والانطلاق نحو الخير المطلق والمحبة بغية في تحقيق السعادة الحقة التي يتطلع إليها الإنسان وتصبو إليها الروح الخيرة. |
|
|