Al Jazirah NewsPaper Sunday  27/07/2008 G Issue 13086
الأحد 24 رجب 1429   العدد  13086
هل ستستفيد المجتمعات من حوار الحضارات..؟
د. سعد بن محمد الفياض

من المعلوم أن هناك أشياء مشتركة بين بني الإنسان، من خلالها يتعاملون وبها يتعايشون، وذلك من خلال العهود والمواثيق التي توثق تلك العلاقة وتقوي أوصارها القائمة على الحوار والشفافية وحسن التعامل، والتي مبناها الاحترام المتبادل والأمانة والوفاء والصدق المبنية على العدل والانصاف والقسط والميزان، والبعد عن الظلم. وما ذلك المؤتمر الذي دعا إليه خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - إلا امتداد لتلك الحوارات التي كانت تقوم بين الإسلام وأتباعه وبين أهل الكتاب من اليهود والنصارى من أجل الالتقاء إلى كلمة سواء، والذي هو منهج القرآن الذي ربا عليه أتباعه: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ}حوار غياته الحث على الأخلاق الحسنة، وإشاعة مبادئ العلاقات الإنسانية من التقدير والإحسان وتبادل المنافع، مع الالتزام بالثوابت والمسلمات:{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}.

* (ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقول لسفانة بنت حاتم لما وقعت في الأسر وقد مات أبوها مشركاً، يقول لها بعد أن حاورها وحاورته عن أخلاق أبيها: خلوا سبيلها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ).

وديننا قائم على الحوار والسؤال وخصوصاً مع أهل الأديان الأخرى، لأنه قائم على العدل والحق.

* (والراهب - جرجيس - المعروف ببحيرا يقول في حواره مع أبي طالب لما قدم الشام والنبي صلى الله عليه وسلم معه وهو ابن اثنتي عشرة سنة وقد أخذ بيد النبي بعد أن تأمله وعرفه بصفته قال: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال أبو طالب: وما علمك بذلك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا وخر ساجداً ولا تسجد إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل غضروف كتفه مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا... وأيضاً قريش لما بنوا الكعبة واكتمل البنيان اختصموا فيما بينهم في شأن من يضع الحجر ويمتاز بهذا الشرف فحكموا أول الداخلين عليهم، فإذا هو محمد صلى الله عليه وسلم عندها هتفوا: هذا هو الأمين رضيناه هذا محمد. ومعلوم حله لتلك القضية التي كادوا يتقاتلون عليها!! وذلك من خلال حواره وفكره الراجح ومنطقه الصادق ونهجه الأمين).

* (وكلنا يعلم ذلك الحوار الذي دار بين النجاشي ملك الحبشة وهو على نصرانيته وبين الصحابة المهاجرين إليه عندما طلب زعماء قريش إرجاعهم وتسليمهم إليهم.. عندها رأى النجاشي أنه لابد من تمحيص القضية وسماع أطرافها ومعرفة الحقيقة وهذا لا يكون إلا بالحوار والمصارحة. فسمع من جعفر بن أبي طالب وكان هو المتكلم عن المسلمين: حيث شرح له حالتهم وحالة قومه من الجاهلية التي كانوا عليها والظلم الذي يعيشونه والأخلاق السيئة التي كانوا عليها من القتل والغدر والخيانة حتى جاءهم الله بهذا الدين العظيم على يد هذا الرسول الأمين فصدقناه واتبعنا النور الذي جاء معه، ثم قال: فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى!!! وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال له جعفر نعم! قال: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدراً من سورة مريم (كهيعص) فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصافحهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.. ثم قال للمسلمين: اذهبوا فأنتم (شيوم بأرضي) والشيوم: الآمنون بلسان الحبشة- (من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم - ما أحب أن لي دبراً من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم) - والدبر الجبل بلسان الحبشة - فانظر كيف بالحوار والنقاش الهادئ الذي أوضح الأمور ووضع النقاط على الحروف والتي منها إقامة العدل وإظهار الحق..)

* (وسلمان الفارسي الباحث عن الحقيقة وقصته وحواره مع النبي صلى الله عليه وسلم المشهودة والتي انتهت بإسلامه رضي الله عنه).

لذا فإن مبادرة تنظيم المؤتمر العالمي للحوار فكرة تستحق كل التنويه والإشادة؛ لأن المجتمعات في هذا الوقت بالذات في حاجة إلى وعاء ثقافي وفضاء إنساني لمعالجة مختلف مشكلاته. ومخرج للأزمات والصراعات التي تشهدها العديد من مناطق العالم والفساد الأخلاقي والفراغ الروحي الذي استشرى في كثير من المجتمعات والأخطار التي باتت تهدد البيئة مما يعرض الحياة البشرية للخطر. والإسلام رسالة خالدة إلى أبد الآبدين وتلتقي مع الرسالات السماوية الأخرى وتتعايش مع الثقافات الأخرى. بل وفيها الحل لمشاكل هذا العصر وصراعاته {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } ..لذا فنحن متفائلون بهذا المؤتمر الذي يرعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - للخروج بنتائج إيجابية لمعالجة القضايا والمشكلات المعاصرة من خلال الحوار والمصارحة والصدق والبيان بين أتباع الثقافات والحضارات من مختلف أنحاء العالم: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.



saad.alfayyadh@hotmail.com

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد