إذا كان عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز يمثل عصر انفتاح في الاقتصاد الوطني، وتأسيس المدن والمشروعات الاقتصادية الكبرى، والتوسع في افتتاح الجامعات وكليات المجتمع، والتطور العمراني، واستكمال البنى التحتية في مختلف أنحاء المملكة، وكذلك التوسع في التأهيل والتدريب والابتعاث الخارجي لأبناء الوطن، فإنه -من ناحية أخرى- يمثل أزهى عصور الثقافة والحرية الفكرية في بلادنا بما في ذلك التوسع في الطبع والنشر والترجمة وحرية دخول الكتاب إلى المملكة، والمرونة في فسحه وطباعته ونشره وتشجيعه وتوزيعه وعرضه في معارض الكتاب التي أقيمت في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية، وأغنت كثيرا من محبي الكتاب عن السفر إلى الخارج لحضور معارض كتب خارجية كانت حتى وقت قريب هي الخيار المفضل لكثير من المثقفين السعوديين. أما في عهد الملك عبدالله فإن الكتاب النظيف -وأكرر النظيف- الذي تجده في معرض الكتاب بالقاهرة ودمشق، أو حتى في ألمانيا وفرنسا تجده حاليا بين يديك في معارض الكتب التي أقيمت على تراب المملكة العربية السعودية، وأيضاً في مكتبات البيع بالمملكة التي كبرت هي الأخرى، وتوسعت وارتقت وازدهرت حتى بزّت مختلف المكتبات في الشرق الأوسط، ونافست مثيلاتها في أوروبا وأمريكا، ونشطت حركة توزيع الكتاب السعودي والمشاركة به في المعارض المتخصصة في الداخل والخارج، واتخذ مكانه ووضعه على أرفف المكتبات العربية والأجنبية.
وتجيء جائزة الملك عبدالله للترجمة حافزا ومشجعا قويا للتوسع في الترجمة من العربية وإليها، وهي -دون شك- سيكون لها إسهامها المميز في نشر الثقافة في بلادنا في هذا العهد الذي تشهد فيه أزهى عصورها.
وتزامن عهد الملك عبدالله مع اكتمال التشكيل الجديد لوزارة الثقافة والإعلام التي دفعت بالحراك الثقافي في بلادنا خطوات وخطوات إلى الأمام؛ فأعادت تشكيل مجالس الأندية القديمة، وافتتحت أندية جديدة، وساندتها بتأسيس لجان ثقافية مرتبطة بالأندية في مختلف محافظات المملكة، ولها نفس نشاطات الأندية أو قريب منها، وهي في سبيلها إلى تحديث أنظمة الأندية، وتطوير لوائحها، وأطر عملها؛ فاتسع نشاطها، وتنوع طرحها، وانفتحت على مختلف التخصصات والاهتمامات الثقافية والفكرية التي يُعنى بها قطاع كبير في المجتمع. كما انفتحت الثقافة السعودية على الخارج، فاستحدثت وزارة الثقافة والإعلام وكالة جديدة هي وكالة الوزارة للعلاقات الثقافية الخارجية في موازاة وكالة الوزارة للشؤون الثقافية في الداخل، فتقاطر مثقفو المملكة العربية السعودية وأدباؤها وكتابها وأكاديميوها رجالاً ونساءً إلى مختلف قارات الدنيا، وبصحبتهم فرق شعبية متنوعة هدفها نشر ثقافة المملكة العربية السعودية وفكرها وتراثها (فولكلورها) السعودي المميز تحت اسم: أيام سعودية التي أقيمت في عدد من عواصم العالم, وسنحت لي الفرصة شخصيا في المشاركة في بعضها. وهناك في تلك الأقاصي البعيدة من الدنيا تجلّت الثقافة السعودية في أحسن صورها بما في ذلك تراثها أو فلكلورها الراقص الذي رقص على إيقاعاته الأصيلة حكام ووزراء ومسئولون ومثقفون وعامة في مختلف أنحاء العالم من أوزبكستان إلى السنغال، ومن أنقرة واسطنبول إلى الجزائر وتونس، ومن روسيا وتترستان وأذربيجان إلى البحرين والقاهرة وتناولته وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة في تلك البلاد بكثير من البهجة والسرور والثناء والإعجاب.
واستيقظ المسرح السعودي في عهد الملك عبدالله بعد سبات عميق، وبعد أن كان الحديث عنه لا يخرج إلا همساً، والآن أصبحت الإعلانات عنه وعن المسرحيات التي تنظمها أمانة مدينة الرياض، ووزارة الثقافة والإعلام وجامعة الملك سعود تزين واجهات الجسور المعلقة والميادين الفسيحة في عاصمة المملكة العربية السعودية، وقبل أشهر فقط عقد واحد من أكبر التجمعات المسرحية في الرياض شارك فيه إعلاميون وأكاديميون ومسرحيون ونقّاد وكتبة نصوص مسرحية، وغيرهم من سائر مناطق المملكة العربية السعودية، ومن دول مجلس التعاون الخليجي، وبعض الدول العربية، وشهد مسرح مركز الملك فهد الثقافي بالرياض، عروضا مسرحية على جانب كبير من الروعة والأهمية. كذلك استيقظ مهرجان سوق عكاظ بالطائف بعد أنه طوى النسيان فكرته زمناً طويلاً، وعلمت أنه في محل عناية الملك عبدالله واهتمامه، وسيشهد سوق عكاظ نقلة حضارية وسياحية واقتصادية فضلاً عن الثقافة في المستقبل القريب، بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بفضل دعم الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ومباشرة سمو الأمير خالد الفيصل أمير منطقة مكة المكرمة لمختلف مهام السوق، وحرص سموه على تطويرها والارتقاء بها، وبمختلف ما سيقام على أرضه من فعاليات ونشاطات، وما يحتاج إليه من منشآت وبنى تحتية. هذا هو حال الثقافة في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز في هذه المدة القصيرة من حكمه الميمون بعون الله وتوفيقه. ولا غرو، فالملك عبدالله عُني بالثقافة منذ وقت مبكر من تسلمه مسؤولية الحرس الوطني بالمملكة، من ذلك رعايته للمهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي يقام كل سنة بالجنادرية، ويدعى إليه علماء ومفكرون وفنانون ومثقفون من مختلف أنحاء المعمورة، وتأسيسه لمكتبة الملك عبدالعزيز العامة الملحقة بقصره في شرق الرياض، ثم شطرها الثاني في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي بوسط الرياض، وفرعها الأول في الدار البيضاء بالمملكة المغربية، وفرعها الثاني (تحت التأسيس) بجدة. هذه المكتبة العظيمة لا تقتصر عظمتها على ما تحتفظ به من نفائس الكتب والمخطوطات وسواها، ولا على ما تقدمه من خدمات للقراء وحسب، وإنما فيما تقيمه من معارض ومحاضرات وندوات، وما تسهم به من نشر علمي متميز من حيث الشكل والمضمون سيتوج قريباً -إن شاء الله- بعمل كبير هو موسوعة المملكة العربية السعودية التي يتوقع أن تصدر في أربعة وثلاثين مجلداً ضخماً.
أستاذ التاريخ الإسلامي والآثار الإسلامية بجامعة الملك سعود، وأمين عام جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية