الأمن الفكري الإستراتيجي قاعدة أساسية من قواعد استقرار الشعوب وراحتها ورفاهيتها وشعورها بالأمن والاستقرار الاجتماعي والنفسي وبالطبع السياسي، ناهيك عن كونها محركاً رئيساً من محركات التقدم والنمو والازدهار. كيف لا يكون تكون هذه القاعدة واقعاً ملموساً وهي قاعدة إنسانية تاريخية ثابتة للحفاظ على مكتسبات الشعوب ومنجزاتها التي في حاجة ماسة لاستقرار قلوبها وعقولها وتصوراتها ومشاعرها ورؤيتها للشعوب الأخرى.
الاستقرار الفكري الإنساني استقرار ناجع للفعل وللسلوك الفردي والجماعي ومسبب رئيس لصلاح المجتمعات الإنسانية واستقامتها وتسديد لحركتها ومسارها في الاتجاه الصحيح الذي يخدم مصالحها الوطنية ويساعدها على تحقيق ما تصبو إليه من أهداف وغايات إنسانية قويمة. كما ويؤدي في جميع الأحوال إلى زوال مشاعر الحقد والكراهية والكمون النفسي التي عادة ما تسهم في بروز فكر الضلال وجماعاته ومنطق العنف وسلوكيات الإرهاب.
هذا تحديداً ما يسعى إلى تحقيقه كواقع مشرف للأمة الإسلامية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ أكثر من عقد من الزمن، وتحققت إستراتيجيته الفاضلة بتوفيق من الله ثم بفضل جهوده الحثيثة يحفظه الله بعد أن تكاملت حلقاتها ومن ثم ترابطت الواحدة تلو الأخرى على كافة المستويات الوطنية والإقليمية والدولية، ليتم تتويجها مؤخراً برعايته يحفظه الله للمؤتمر الإسلامي للحوار الإسلامي في مكة المكرمة مهبط الوحي على رسولنا صلى الله عليه وسلم وقبلة المسلمين من مشارق الأرض إلى مغاربها.
الحقيقة التي باتت تدركها شعوب العالم كلها أن بعد نظر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسداد رأيه وحكمته وغيرته على الإسلام والمسلمين دفعته للمناداة بالحوار مع الذات أولاً ومن ثم للحوار مع الآخر، ليس وحسب لتصحيح المفاهيم العقدية الخاطئة وتصويبها ومنع دخولها في مخاطر الزلل، وإنما لتصفية النفوس وغسلها من كل الشوائب والمشاعر السلبية التي تضمن منع ظهور كافة أشكال الانحرافات الفكرية والنفسية والسلوكية.
من هنا فإن دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز للمؤتمر كما أشار في كلمته الضافية (جاءت لمواجهة الانغلاق والجهل ليستوعب العالم مفاهيم وآفاق رسالة الإسلام الخيرة دون عداوة واستعداء، فعظمة الإسلام أسست لمفاهيم الحوار وحددت معالم الطريق له).
وبعد.. أفبعد هذا التعبير الحكيم والمنطق الواعي العقلاني يمكن أن يوجد أي تعبير صادق خالص ومخلص لله ثم للإسلام والمسلمين، إنه منطق إسلامي لمنطق إنساني يعبر عن حرصه يحفظه الله على تحقق الأمن الفكري الإسلامي بعيداً عن التوتر والعداء والمواجهات العقدية العقيمة التي لا يمكن أن تسمن أو تغني من جوع؟
لقد حرص الملك عبدالله بن عبدالعزيز في دعواته العالمية للحوار والنقاش الهادئ البناء على أن يزرع زرعاً طيباً مفيداً ومسمناً للعقول والأجساد تستفيد منه شعوب الأمة الإسلامية وتنطلق من إستراتيجيته لتتبوأ مكانتها العريقة بين الأمم. كما ويهدف يحفظه الله في سياساته وكلماته وكافة تحركاته لمنع كافة المحاولات والمساعي العقيمة التي تروم بالإسلام والمسلمين شراً، وليس بأكثر عداوة وكمونا للشر من فكر التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم القاعدة الذي أوشك، لولا لطف من الله ثم بالجهود الخيرة لقيادة المملكة الحكيمة، من وضع الأمة الإسلامية في موضع الشك والريبة وفي مواقع الخطر المكين.
إن الإسلام في حاجة ماسة لأبطال عظام من القادة العباقرة (القادة الكاريزميون) ممن يؤمنون بالله قلباً وقالباً ويتبعون شريعته الإسلامية السمحة (القرآن والسنة) ويعملون بإخلاص بموجب تعاليمها الخالدة من أجل تأمين مستقبل أجيال المسلمين ورفع شأنهم وعلو مكانتهم بين الأمم.هذا هو الفرق الشاسع بين من يسعى لتوحيد كلمة المسلمين وإصلاح أوضاعهم الإنسانية والعمل على استقامتها بالمنطق الواعي الصحيح وبتعاليم الشرع الإسلامي العريق، وبين من يحاول تفرقتهم وإضعافهم ووضعهم في مواجهات خطيرة تهدد أمن واستقرار الأمة الإسلامية برمتها.
drwahid@com