أثارت المحاضرة التي ألقاها الأستاذ ناصر بن محمد العُمري عضو نادي الباحة الأدبي جدلاً مطولاً بين من يرون قرب التخلص من الأدب المطبوع والتحول إلى الأدب الرقمي وبين الأغلبية التي ترى صعوبة ذلك. وكان المحاضر قد تطرق في محاضرته إلى تعريف الأدب الرقمي على أنه أدب العصر القادم الذي يوظف الثورة الرقمية والحاسوب وتطبيقاته المختلفة في كتابة النصوص الأدبية، ورأى فيه أدب العصر القادم لكونه يتقاطع مع ثقافة الجيل التقنية ومع طبيعة هذا العصر الذي يمكن أن نسميه (عصر الديجتال بامتياز)، كما يرى.
ثم تحدث عَّما أسماه المراحل التي مرَّ بها الأدب عبر الزمن تبعاً للوسيلة التي يتخذها للوصول الى المتلقي حتى وصل إلى الأدب الرقمي، قائلاً:
بدأ الأدب مشافهة، ثم تحول إلى أدب مطبوع بعد اكتشاف القلم وفن الكتابة والمطابع وآلات الطباعة والتصويت حول الأدب إلى ما يمكن أن نسميه (الأدب الرقمي) بعد اكتشاف الحاسوب وتطبيقاته والوسائط المتعددة والبعد الثالث. وأضاف أن هذا اللون الأدبي يستمد قوته من كون أن لكل عصر ظواهره وفنونه ومتطلباته ومفاهيمه، ولإنسان كل عصر وسائل التعبير الخاص به... والظاهرة الأكثر بروزاً في هذا الزمن هو (الديجتال) والتطبيقات التقنية المختلفة لهذه الصناعة .
ثم ألمح بشكل سريع إلى تاريخ الأدب الرقمي، مؤكداً أن الأدب الرقمي يتخذ من فن السرد مسرحاً له، وأول لون أدبي ضمن هذا اللون الأدبي هو (رواية تفاعلية عنوانها الظهيرة قصة الافتر نون مستوري) عام 1986م ل(ميشيل جويس) واستخدم في كتابتها برنامجاً خاصاً لكتابة النص المتفرع، ثم جاء (بوبي رابيد) برواية تفاعلية أخرى، وجاء (كاندل) في الشعر التفاعلي بقصيدة تفاعلية، عربياً كان هناك روايات الدكتور محمد سناجلة منها (صقيع)- ظلال الواحد وكتاب تنظيري لهذا اللون من الأدب عن (الواقعية الرقمية).
* ثم تطرق إلى ظهور هذا اللون الأدبي مصحوباً بالصراع بين الورقيين والرقميين، فالورقيون قابلوا هذه التجربة بالرفض الشديد واتهموا منتجي هذا الأدب بابتداع لون أدبي بلا مشاعر، وإنهم يعملون جهودهم لتقويض أركان الأدب المطبوع التي بناها خلال السنين الطويلة، فيما رآه البعض الآخر خرافة وأنه زوبعة في فنجان.
الرقميون توقعوا سقوط مملكة الورق هذا، لأن هذا الأدب ابن شرعي للثورة الرقمية المتسارعة ويتوافق مع طرق تفكير الجيل القادم وثقافتهم التقنية.
ورأى المحاضر أن من مميزات الأدب الرقمي أن الكلمة تأتي فيه على شاشة حاسوبية على وسيط من الوسائط المتعددة (الملتي ميديا) يصاحبها مؤثر صوتي وحركي وبعدي، فهي أشبه بفيلم سينمائي، وأنه في الأدب الرقمي تتحطم الحواجز بين الأجناس الأدبية لصالح البعض المتعدد.
* الأدب الرقمي مطلب حضاري بامتياز لأنه يعد من حضارة هذا العصر وتقنياته وانتشار الوسائط الرقمية يعزز من ظهوره وبالتالي فهو كتابة أدبية تستخدم أشكالاً جديدة ولغة جديدة أنتجها العصر الرقمي وتقنياته (النص المترابط) الهايبر تكشف مؤثرات (المالتي ميديا) من صوت وصورة وحركة وفق (الجرافيكس والانيميشن) وتدخلها ضمن بنية الفعل الكتابي أو النص المنجز.
* المنتديات الإلكترونية المنتشرة بكثرة مشكل وقتاً رقمياً حتى وإن كانت لا توفر الحد الأعلى من شروط الأدب الرقمي والواقعية الرقمية.
ورأى أن الأدب الرقمي يتجسد في فن الرواية بشكل واضح وتعد الرواية الرقمية بمثابة مظلة عريضة لهذا اللون الأدبي وتظل تحتها أشكال متعددة يتيحها لها الواقع الرقمي، فهناك الرواية الخطية، الرواية الشعبية وهناك الرواية متعددة الوسائط، وهناك الرواية التفاعلية.
ثم استعرض سمات الرقمي والكاتب الرقمي والناقد الرقمي والقارئ الرقمي:
يجب أن يكون الكاتب والناقد والقارئ الرقمي ملماً بتطبيقات الحاسوب المختلفة:
* فوتوشوب.
* باوربوينت.
* باور بوينت دايركتور.
* الجرافيكس.
* فنون الإخراج.
إضافة إلى مختلف أنظمة التشغيل والبرمجيات المختلفة، ثم تحدث عن مميزات النصوص المكتوبة رقماً وأنها تستأثر بالقارئ وتجذبة لفترات طويلة، وهذا النوع من الأدب لا يجعلك تقرأ باسترخاء لأنك أمام أمواج متلاحقة من المؤثرات والصور والحركة مما يجعله متابعاً مستفزاً أكثر ومتأثراً أكثر باللون والصوت وبالحركة وبالفلاش التي يوفرها.
وأشار في محاضرته إلى أن أول من طرح فكرة موت الأدب الورقي هو( ديك براس) مسؤول قسم النشر في شركة ميكروسوفت 2000م. وبنى تأكيداته على رهانات اقتصادية وثقافية واجتماعية كبيرة.
المحاضر رأى في الأدب الرقمي ضرورة تعرضها الحاجة إلى تدوين أكبر كم من المعلومات في حيز صغير جداً والحاجة إلى التنظيم الفضائي للكتابة
ثم تساءل عن: هل هناك أجناس أدبية ماتت؟ وأجاب بنعم، فالمقامات والألياذة والتوقيعات كفنون أدبية هي اليوم أحاديث تروى وأحيلت إلى متحف التاريخ.
وأكد أن الحديث عن الأدب الرقمي يحتم علينا الحديث على أمن المعلومات والتعريف بمصطلحات ذات العلاقة، وهي:
الهاكرز - الكراكرز -
وأبان أن هناك خطأ في تعريف الهاكرز بالمخترقين والمدمرين للمواقع رغم أنهم -أي الهاكرز- أشخاص لديهم خبرة عالية في مجالات أنظمة التشغيل والبرمجيات والتطبيقات الحاسوبية، وهؤلاء في عرف الباحثين في مجالات الأمن والحماية أشخاص يبحثون عن ثغرات في نظم التشغيل والبرمجيات بقصد تقديم المساعدة في حل المشكلات المترتبة عليها، بينما الكراكرز: هم من يبحث عن الثغرات في أنظمة التشغيل بقصد تدمير المواقع واستغلال تلك الثغرات سلبياً. وهذا عكس ما هو متعارف عليه اليوم في أوساط الناس والشائع بينهم.
وأكد أن الأدب الرقمي أسهم في نقل الأدب من أوساط النخب الثقافية والصالونات الأدبية إلى الناس والمجتمع بشكل يقرب الأدب من حياتنا عن طريق التدوين (فأصبح الكل يبث للكل بدلاً عن أن البعض يبث إلى الكل).... وهذه من أهم مميزات الأدب الرقمي وعبر عن سعادته وغبطته بهذا الأمر.
كما تطرق إلى سرعة معرفة ردة فعل المتلقي حول النص وتحقيق ما أسماه التغذية الراجعة الفورية ووصول النص الأدبي للمتلقي وسرعة معرفة ردود الفعل حول النص الأدبي بدلاً عن السائد سابقاً، فقد كان صاحب النص ينتظر أوقاتاً طويلة لمعرفة رأي المتلقي فيه.
ثم ختم محاضرته بعرض مقطع من رواية صقيع بعد إغلاق الأنوار في الصالة وسط أجواء المؤثرات الصوتية والحركية (ورسومات الانيمنشن) التي ضلت بها الرواية في المقطع الذ ي عرضه.
رئيس النادي الأدبي في مداخلته رأى أن الأدب الرقمي صرعة وقتية لن تستمر بحكم أن الوسائط المتعددة والتقنية سريعة التغير ولا تكتسب صفة الديمومة مستدلاً على ذلك بالبيجر الذي كان صرعة في يوم ما وهو اليوم لا وجود له مطلقاً، لذلك فهذا اللون لن يصمد أمام الكتاب الورقي الذي استمر سنين طويلة صامداً.
الأستاذ علي أحمد صبحية تحدث في مداخلته عن التجديد في الأدب وخصوصاً في فن الشعر والقصة ولكنه ألمح إلى أنه يتمنى أن يموت قبل أن يرى الكتاب الورقي في متحف التاريخ وأن يأتيه الموت والكتاب على صدره لارتباطه وجيله بالنسخة الورقية.
الأستاذ الشاعر محمد الشدوي تطرق إلى ثغرات الأدب الرقمي والنشر الإلكتروني وبعض الممارسات المشينة التي تسيء للأدب الرقمي التي من أهمها التمترس خلف أسماء مستعارة واستغلال هذا الأمر للكتابة بأكثر من معرف وكتابة النصوص والرد عليه تحت أكثر من اسم رغم أن الردود هي للشخص نفسه.
كما رأى أن هناك ما أسماه جريمة أخلاقية في حق الفتاة عندما يكتب رجل باسم فتاة ويمارس تحت هذا الاسم الوهمي ممارسات تسيء لجنس النساء بوجه عام.
الشاعر محمد فرج رأى صعوبة التحول إلى الأدب الرقمي لأسباب تقنية ومعرفية تتعلق بأمية الحاسب الآلي وتطبيقاته في الأوساط الثقافية والأدبية.