ما إن أقبل فصل الشتاء حتى كان الجميع منا يرفع أكف الضراعة لبارئه لينزل علينا الغيث وأن يجعل موسمنا خيراً كله.. حتى إذا ما تأخر المطر رحنا وبأمر ولاة أمورنا نصلي الاستسقاء، ولم يخب الله رجاءنا ودعاءنا فأقبل الغيث من السماء وارتوت الأرض وأنبأت عن موسم مزهر - بإذن الله - جل ثناؤه.
ومع هطول الأمطار انخفضت درجات الحرارة بشكل مفاجئ حاد أدى في كثير من مناطق المملكة إلى رفع حالة التأهب بين الأسر؛ حتى أصبح التعاون لمواجهة البرد من المسلمات اليومية إلا أن المسألة أصبحت أكبر من أن نتجاوزها بغطاء أو غطاءين زيادة في البيت، فقد تتطلب الأمر مشاعر الدفء بين أبناء المجتمع الواحد قبل دفء الصوف والوبر.. فهذا يبذل ماله وهذا يبذل جهده!! إلا أن الأجواء وما امتلأت به من برد قارس قد تنسي صاحب الواجب شيئاً من واجبه وذلك من غير أولئك الرجال أصحاب الهمم والمعنويات المرتفعة الذين يكونون حيث وجودهم زماناً ومكاناً.. ومع البرد الشديد الذي أقبل علينا تطلب الموقف دفئاً من نوع آخر إنه دفء الشعور بالآخر.
وقد جاء موقف المليك ليكون قدوة - كما عهدناه دوماً - فقد التهبت مشاعره الأبوية الحنونة فلم يلبث من ساعته حتى أمر بما يليق وحجم الموقف.. أمر بالمال وأمر بالتنفيذ فوراً لأن البرد عدو لا يرحم وقد حذر منه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من قبل، ومن كان على نهج عمر لن يخيب.. وقد امتلأت الأجواء في مملكتنا الحبيبة بدفء المشاعر حتى لمسنا ذلك في عيون الأطفال والأسر التي تم توزيع ما يلزم عليها من مؤونة وغطاء وكساء، حتى تلك الأسر وأصحاب الأموال حصل لهم من دفء مشاعر مليكنا وهم ينظرون إلى تلك اللفتة الكريمة كيف أغنتهم عن البحث والعناء لإيصال ما تجود به أنفسهم في مثل تلك المواقف.. حتى جاء موقف مليكنا مشرفاً وكأنه يقول لهم: أنا عينكم الساهرة والأمر يحتاج إلى ولي أمركم حتى يخوض غماره واتركوه عليّ، وعليكم أيها المسؤولون في المناطق أن تواصلوا ليلكم بنهاركم حتى ما يبقى في مملكتنا مواطن معوز إلا أوصلتم إليه ما يكون مانعاً للبرد أن يصبح مؤرقاً للمضاجع أو منبهاً للمواجع (هكذا استشعرت موقف مليكنا المفدّى).
وإننا لا ننكر أبداً أن فضل الله يؤتيه من يشاء وأن الله يجعل من القلوب من هي أوسع من هموم البشر وأن من الرجال من يصرفه الله لمنفعة عباده وبلاده.. فلله درك يا مليك الإنسانية يا درة الزمان وحامي حمى الأوطان، كيف كان موقفك نبيلاً ومشرفاً ومخففاً لآلام الكثيرين منا.
وأخيراً أسأل الله العلي القدير أن يكون ما قمتم به يا خادم الحرمين الشريفين في ميزان حسناتك وحسنات اخوانك البررة وموازين حسنات كل الذين لبوا النداء بأمانة وإخلاص من الموظفين والعاملين عليها.
وتبقى كلمة الإجلال والإكبار أسطرها لمن أوصل دفء مشاعره قبل أن يصل إلينا دفء الشتاء والغطاء.
S_almazin@yahoo.com