نجحت الجهود الإعلامية (المرئية والمسموعة والمقروءة) في مواكبة الجهود الأمنية في حربنا المصيرية مع الإرهاب، واستطاع الإعلام أن يتفوق على كثير من مؤسسات المجتمع المدني وأسهم مساهمة كبيرة وفعالة في فضح التيار المتطرف، وفند كثير من الرؤى والأفكار الباطلة التي تغذي هذا الفكر من خلال تسليط الضوء عليه وكشف خططه وبيان زيفه من خلال طرح عقلاني تنوري وبرامج توعوية هادفة، ومما لا شك فيه أن الإعلام اليوم تقع عليه مسؤولية كبيرة وجسيمة في المجتمع أكثر من غيره في ظل الظروف الراهنة التي تتجاذب فيها كثير من التيارات الفكرية عقول الشباب في ظل العولمة وما جلبته من تأثيرات فكرية سلبية تستلزم منا تضافر كثير من الجهود الفكرية التصحيحية والحراك الإعلامي الثقافي لمواجهة تيارات العصر المختلفة بعد أن بلغت وسائل الإعلام في الوقت الحاضر درجة عالية من التقدم والتطور بفضل النقلة النوعية والحضارية التي وصلت إليها أنظمة الاتصالات والمعلومات، وهذا مما شعب من وسائل الإعلام ووسع من انتشارها ورفع من قيمة تأثيرها على المجتمع لذا من الممكن لها أن تكون أداة فعالة لتحقيق الأمن والاستقرار إذا أحسن توظيفها في نطاق علاقة تبادلية بين وسائل الإعلام والأجهزة الأمنية لتحقق الغرض المنوط بها في حفظ الأمن والاستقرار بعد أن أصبحنا بين مطرقتين التزمت في الدين نتيجة الفهم الخاطئ له والانسلاخ والبعد عن الدين من خلال ما نسمعه ونشاهده في كثير من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية المشبوهة التي تستهوي كثير من الشباب ويتم من خلالها بث سمومها وأفكارها الهدامة في عقول شبابنا والتغرير بهم. إننا في الوقت الراهن ووفق متطلبات العصر الذي نعيشه أحوج ما نكون إلى وضع استراتيجية إعلامية واضحة قريبة وبعيدة المدى تتبناها وزارة الإعلام بالتنسيق مع مؤسسات المجتمع المدني من جهة والمؤسسات الأمنية من جهة أخرى في علاقة تفاعلية لمواجهة هذا الغزو الإعلامي والفكري الذي يسعى جاهدا لتدمير أغلى ما نملكه (عقول) شبابنا، ولمواجهة هذا الخطر لا بد من حضور إعلامي قوي يتمتع بمهنية عالية ورؤية واضحة وبرامج حسنة التخطيط وأن تشتمل هذه الاستراتيجية محورين أساسيين (المحور الأول العلاجي - المحور الثاني الوقائي - أي التدابير الاحترازية) ويشتمل على برامج وقائية بعد أن تبين أن أسلوب الوقاية هو أحد الأساليب المهمة في عملية التوعية الأمنية الإعلامية انطلاقاً من مفهوم الوقاية خير من العلاج. كما أن التوعية تعزز المعرفة مع إيجاد أساليب حماية فكرية وطنية وعُقدية مواكبة لكي يتكامل تحصين الشباب داخل المجتمع من الأخطار، حيث أثبتت كثير من الدراسات أن أهم المجالات التي يمكن أن تعمل على تطوير العمل الأمني الوقائي في المجتمع هي: (وسائل الإعلام) إذا أحسنت عملية إدارتها وتوظيفها أصبحت أداة مؤثرة وفعالة لخدمة جميع قضايانا الحياتية وخصوصاً المصيرية مثل قضايا التكفير والإرهاب كما حدث في النجاح الأمني الأخير الذي أثبت بأن وسائل الإعلام كان لها دور إيجابي في القبض على المطلوب (عبدالله ساير المحمدي) أحد قتلة الفرنسيين من خلال نشر صوره في أماكن متعددة مما أسهم في التعرف عليه ورصده ومن ثم ضبطه، إذاً المطلوب من وسائل الإعلام لدينا لتحقيق النجاح في أداء رسالتها الإعلامية أن تعمل من خلال استراتيجية محكمة على خطين متوازنين الأول: الاهتمام بالشأن الداخلي وتكريس مفهوم الوعي وخصوصاً الأمني والفكري والثقافي التي تنمي الحس الوطني والشعور بالمسؤولية الفردية والجماعية الملقاة على عاتق الجميع ولا بد لوسائل إعلامنا أن تخلق لدينا من خلال رسالتها الإعلامية المواطن الواعي المثقف المزود بالمعرفة حتى يكون ممن يستوعبون الأخطار قبل حدوثها وتكون لديهم حصناً واقياً ولا سيما أن الإعلام يعتبر في الوقت الراهن خط الدفاع الأول عن قيم المجتمع إذا أحسنت إدارته وتوظيفه من خلال ما يبثه من برامج ثقافية ودينية وفكرية من تنمية الشعور الوطني لدى المتلقي الذي يجعلهم مفتخرين بدينهم وهويتهم الوطنية والتنسيق مع السلطات الأمنية بسرعة نشر الحقائق قبل أن تتلقاه من مصادر مشبوهة ومغرضة والتعاون مع السلطات الأمنية في عدم نشر الأخبار بحجة السبق الصحفي الذي قد يؤدي لفشل الخطط المرسومة أمنياً، مع مناقشة وسائل الإعلام للقضايا الملحة التي أدى الجهل بها إلى وقوع كثير من الشباب في الانحراف العُقدي والفكري من خلال طرح إعلام مقنن ومدروس تكون ثماره خروج جيل واع يسهم في البناء والتنمية.
يقول سمو وزير الداخلية الأمير نايف - حفظه الله - مخاطباً رجال الإعلام: (تعلمون مدى أهمية الإعلام في عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام جزءاً أساسياً في حياة الفرد والمجتمع، وتعلمون ما تقوم به هذه الوسائل من أدوار وتأثير في الحياة عُقديا واجتماعيا وتعليميا وسياسيا واقتصاديا إلا أن الأهمية لهذه الوسائل لا تكمن في اقتنائها ومجاراة الآخرين في توجيهها كيف ما كان ذلك التوجيه، وإنما في كيفية استعمالها وتوظيفها في المسار السليم على النحو الذي يجعلها تتصف بالتعبير الموضوعي لعقيدة الأمة وفكرها وقيمها وثوابتها وبحيث يتسم كل ما يصدر عنها بالصدق والدقة والوضوح وعرض الحقائق والوقائع والأخبار دون تحريف أو تضخيم..).
الثاني: تعاطي وسائل الإعلام مع الشأن الخارجي وننطلق من هذا الجانب على ساس أننا أصحاب رسالة إسلامية خالدة للبشرية جمعاء تنطلق من أرض الحرمين التي منها أشرق نور الحضارة ومنبع الرسالة من أجل إعادة صورة الإسلام الناصعة المشرقة التي اختطفها دعاة الشر والضلال بأفعالهم الإجرامية الإرهابية فشوهوا معاني الإسلام الخالدة، قدموا من خلالها خدمة للصهيونية العالمية استغلتها للإساءة للإسلام حتى تجرأ من يصفنا بالفاشية والهمجية والعنف والإرهاب. وأصبح العالم العربي والإسلامي يتعرض لضغوط وخطط لتغيير ثقافته وفكره بسبب أفعال من أساء لدين الإسلام وأهله من بني جلدتنا، فالغرب والصهيونية العالمية قد تبنوا قضية من قبل هي الإساءة للدين الإسلامي وجاءتهم الفرصة على طبق من ذهب قدمها لهم أبناؤنا في أحداث 11 سبتمبر، فيجب أن يكون لدينا وسائل إعلامية ترد على افتراءات الغرب المغرضة ومحاولتهم الربط بين الإسلام والإرهاب من خلال إعلام رزين قوي يخدم قضايا الأمة العربية والإسلامية ويظهر سماحة الإسلام. لذا مسؤولية وسائل الإعلام كبيرة وعظيمة ومهمة ينبغي أن تكون بحجم التحدي الذي نتعرض له في أمننا الفكري والثقافي، فالمسؤولية علينا كبيرة في بيان أن الإرهاب لا دين له ولا وطن له وتوضيح أن ما حدث من بعض أبناء المسلمين شاذ لا يقاس عليه وقد حدث من غيرهم كما يحدث في فلسطين من قبل اليهود المغتصبين، من خلال إعلام قوي وفعال يستطيع أن يوصل هذه الرسالة للعالم أجمع، يجب أن يتم مخاطبتهم باللغة التي يفهمونها لغة وفكراً، والدولة - أيدها الله - لم تقصر في هذا الجانب فهي من الدول السباقة ولكن المطلوب من البقية وأخص بلدان العالم العربي والإسلامي، وخصوصاً من أصحاب الفضائيات التي تجاوزت (3000) قناة تدور معظمها حول الأغاني والإسفاف والدجل، لو سخر 10% منها فقط لخدمة قضايانا العربية والإسلامية لاستطاعت تغيير كثير من المفاهيم الخاطئة عن الإسلام المفترى عليه، والسؤال الذي يطرح نفسه إذا كانت اليهودية والصهيونية العالمية استطاعت أن تسخّر الإعلام لخدمة قضاياها غير المشروعة وتحول الرأي العالمي إلى تصديق افتراءاتها وكذبها ومحرقتها المزعومة واستطاع أن يمتلك الصهاينة أربع وكالات أنباء عالمية من أصل خمس، كوكالة رويتر البريطانية، والأسوشيتد برس واليونايتد برس الأمريكيتين، ووكالة هافاس الفرنسية، وهذا يعني أن الذي يتحكم في صياغة وصناعة الخبر هم اليهود الصهاينة رغم قلتهم قياساً بالأمة الإسلامية، ألا نستطيع نحن المسلمين من إنشاء وكالة عالمية لمجابهة هذه الحملة الصهيونية وبيان سماحة الإسلام وعدله، أعتقد أن ذلك من السهل جداً قياساً بما لدينا من إمكانات مادية وبشرية ينقصها فقط التدريب وأن يكون القائمين عليها من الوسطية التي أوصى بها الإسلام حتى نواصل الدعوة الخالدة التي كلفنا بها، قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف.
Hdla m@hotmail.com