يقول إسماعيل (1988م): إن النفس تصنع الأدب، وكذلك يصنع الأدب النفس. النفس تجمع أطراف الحياة لكي تصنع منها الأدب، والأدب يرتاد حقائق الحياة لكي يضيء جوانب النفس. والنفس التي تتلقى الحياة لتصنع الأدب هي النفس التي تتلقى الأدب لتصنع الحياة. إنها دائرة لا يفترق طرفاها .....
.....إلا لكي يلتقيا. وهما حين يلتقيان يضعان حول الحياة إطاراً، فيصنعان لها بذلك معنى. ويقول نافع (1403هـ-1983م): إن دراستنا لشعر المتنبي وتأملنا في حياته لا يدع لنا مجالاً للشك في أن الرجل لم ينكفئ على ذاته بل كان ينطلق من حدود الفردية إلى الذات الاجتماعية، وأن أحداث البيئة والعصر كانت تملك عليه تفكيره، وأن نزعات في النفس والقلب كانت توجه عقله إلى ارتياد سر الحياة وتصوير الناس على ضوء مثله العليا.
تعرف السمة في علم النفس بأنها صفة ثابتة تميز الفرد عن غيره، وهي بمعناها الشامل تضم المميزات الجسمية والحركية والعقلية والوجدانية والاجتماعية، أي أنها تضم الذكاء، والقدرات، والاتجاهات، والميول، والعادات. قال أبو الطيب المتنبي:
وكل يرى طرق الشجاعة والندى
ولكن طبع النفس للنفس قائد
قد يقوم الإنسان بتصرف أو سلوك يخالف حقيقته الفعلية، وما يقوم به من تصرف وسلوك ما هو إلا زيف وخداع ونفاق. قال أبو الطيب:
إذا ما الناس جربهم لبيب
فإني قد أكلتهم وذاقا
فلم أرودهم إلا خداعاً
ولم أر دينهم إلا نفاقا
وقال:
خليلك أنت لا من قلت خلي
وإن كثر التجمل والكلام
وقال:
غيري بأكثر هذا الناس ينخدع
إن قاتلوا جبنوا أو حدثوا شجعوا
أهل الحفيظة إلا أن تجربهم
وفي التجارب بعد الغي ما يزع
وما الحياة ونفسي بعد ما علمت
أن الحياة كما لا تشتهي طبع
قد يقوم الإنسان بأفعال معينة يعتقد المراقب له بأنها تمثل حقيقة وطبيعة هذا الإنسان بينما هي بالعكس. قال المتنبي:
فقد يظن شجاعاً من به خرق
وقد يظن جبانا من به زمع
والخرق: طيش وحفة، والزمع: رعدة تعتري الشجاع عند الغضب. قد يقوم شخص ما بإظهار سلوك تصنع لعواطف نبيلة تجاه شخص آخر يقصد بها إخفاء حقيقة شعوره نحوه. قال أبو الطيب:
فلا تغررك ألسنة موال
تقلبهن أفئدة أعادي
قد يختلف الناس فيما بينهم في معرفة وإدراك ما يدور من حولهم من أمور، وهذا يعود إلى ما يتمتع به الفرد منهم من ذكاء وفطنة. قال المتنبي:
أفاضل الناس أغرض لذا الزمن
يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
قد يقوم شخص ما باتباع أسلوب المراوغة والحيلة مع الآخرين لتحقيق أهدافه: قال أبوالطيب:
ومن يظن نثر الحب جوداً
وينصب تحت ما نثر الشباكا
وقال:
إذا اشتبهت دموع في خدود
تبين من بكى ممن تباكا
يقول العقاد (1970م): سوء الظن شعور يخامر جميع المجربين المحنكين الذين عرفوا وخبروا تقلبات القلوب ونفذوا إلى خبايا السرائر، ولكن المتنبي وحده هو الذي يقول حين يسيء الظن بالناس:
ومن عرف الأيام معرفتي بها
وبالناس روى رمحه غير راحم
فليس بمرحوم إذا ظفروا به
ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
قد يقوم بعض الأشخاص بسلوك فيه تكبر وتعجرف باتجاه الآخرين، وهذا سلوك قد يقصد منه إخفاء ماهية وشخصية وحقيقة من يقوم بهذا السلوك. قال أبو الطيب المتنبي:
وإني رأيت الضر أحسن منظراً
وأهون من مرأى صغير به كبر
من المعروف في علم النفس أن نفس الإنسان لها أخلاق وطبائع تدل على ماهيته. يقول المتنبي:
وللنفس أخلاق تدل على الفتى
أكان سخاء ما أتى أم تساخيا
يبدو أن المتنبي قد فقد الثقة في أهل زمانه، ولذا فقد نصح بأن لا يشكو الإنسان إلى أحد ما يلقاه من مصائب لأنه قد يشمت به، فهو إن فعل، فهو كمثل جريح يشكو إلى الغربان والرخم والتي اجتمعت حوله لأكل لحمه، وأوصى كذلك بالحذر من الناس، وإخفاء هذا الحذر منهم، وأن على الإنسان أن لا ينخدع بابتسام الناس، فإن خدعهم في صدورهم، فهم يضمرون في قلوبهم غير ما يظهرون. قال:
ولا تشك إلى خلق فتشمته
شكوى الجريح إلى الغربان والرخم
غاض الوفاء فما تلقاه في عدة
وأعوز الصدق في الأخبار والقسم
المعروف أن المرائي هو الذي يتصنع العواطف النبيلة وغرضه في ذلك الإغراء أو السيطرة أو التملق أو التزلف، وقد يعرف صاحب الفطنة من الناس أن هذا السلوك ما هو إلا مكر وخداع فيقابله بالمثل وقد ينتاب صاحب الفطنة نوع من الشك فيمن حوله من الناس. يقول أبو الطيب:
فلما صار ود الناس خباً
جزيت على ابتسام بابتسام
وصرت أشك فيمن أصطفيه
لعلمي أنه بعض الأنام
إذا عرف الإنسان أن ما يقوم به من تصرفات وسلوك تجاه الناس الآخرين ما هو إلا زيف وخداع فإنه قد يصاب بنوع من الاضطراب النفسي بحيث إنه إذا سمع بكلام سوء أو وصف مشين فهو يعتقد أنه هو المقصود به قال المتنبي:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه
وصدق ما يعتاده من توهم
وعاد محبيه بقول عداته
وأصبح في ليل من الشك مظلم
يبدو أن المتنبي فقد الثقة والصدق في الناس، وأن الدنيا خلت من الكرام، فما فيها إنسان يركن إليه؛ لأنه لا مكان في هذه الدنيا إلا وقد وصل إليه اللؤم والجور وأهله لا يحفظون الجار فيسر بجوارهم. قال:
أما في هذه الدنيا كريم
تزول به عن القلب الهموم
أما في هذه الدنيا مكان
يسر بأهله الجار المقيم
هذا بعض مما ورد في شعر المتنبي عن ماهية الناس في عصره والتي قد تنطبق على الناس في العصور التالية لعصره!؟.
الرياض: 11642. ص.ب: 87416
***
المراجع:
عز الدين إسماعيل، (1988م): (التفسير النفسي للأدب). دار العودة. بيروت.
عبدالفتاح صالح نافع، (1403هـ-1983م): لغة الحب في شعر المتنبي) دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان- الأردن.
عباس محمود العقاد، (1970م): مجموعة أعلام الشعر العربي). دار الكتاب العربي، بيروت.