أشكر جريدة«الجزيرة» على إتاحة الفرصة للباحثين والقراء للإدلاء بما لديهم من معلومات وآراء توضح الغموض في بعض مسائل التاريخ النجدي، وفتح باب النقاش الهادف لتلمس حقائق التاريخ.
فقد اطلعت على المقال المنشور في صفحة وراق الجزيرة يوم الأحد 28-2- 1428هـ تحت عنوان (كتاب التويم بين الماضي والحاضر) ترحيب واستدراك لكاتبه عبدالله بن حمد العسكر، الذي أثنى على الكتاب ثم اعترض على مؤلفيه فيما يخص روايتهما عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن بدر (1333 - 1426هـ) إمام وخطيب جامع التوم الأسبق.
والكتاب يستحق الإعجاب والثناء لاستقصائه جزئيات تاريخ بلدة التويم عبر العصور، وربطه بين المعلومات المتناثرة، وأقدم شكري وإعجابي بالمؤلفين في سعيهما الحثيث على تحصيل المعلومات النادرة وتوثيقها، وعلى أريحيتهما وإنصافهما في غربلة ما جمعاه من معلومات، وإثباتهما ما صح من تلك المعلومات ونبذ ما تبين ضعفه وخطؤه، ومن ذلك عدم تسليمهما بما ذكره المؤرخ حمد بن لعبون من أن نشأة بلدة التويم كانت عام 700هـ، وإيرادهما عددا من الأدلة التي تبين خطأ هذا القول.
إلا أنه عندما وقعت عيني على الكتاب لأول وهلة ظننت أن الكتاب يخص تاريخ أسرة التويم، فلذا أقترح عليهما أن يكون عنوان الكتاب (بلدة التويم بين الماضي والحاضر).
أما اعتراض العسكر على المؤلفين فلي معه عدة وقفات:
أولاً: وصف العسكر المؤلفين بعدم التحقق من الرواية التي اعتمداها نقلاً عن الشيخ إبراهيم بن محمد بن بدر وأكد العسكر أن الشيخ إبراهيم واهم فيما نقلاه عنه من أنه قد اطلع على تعليق تملك لأحد أجداده وهو بدر بن حمد بن بدر على كتاب (شرح بن عقيل على ألفية بن مالك) يؤكد وجودهم في بلد أشيقر حتى أواخر القرن العاشر للهجرة، وأنه كان من أهالي أشيقر عام 993هـ.
وقد رد العسكر تلك الرواية من الشيخ إبراهيم بن محمد بن بدر، مستدلاً بالتالي:
1 - أن الشيخ بدر بن محمد بن بدر (ت 998هـ) من الوهبة أهل أشيقر وليس من آل بدر الذين من آل جلاس من عنزة.
2 - أن الشيخ بدر بن محمد بن بدر ناسخ للكتاب وليس متملكاً له.
وتعليقا على استدلاله الأول فإنه من المستغرب أن ترد رواية الشيخ إبراهيم بن بدر فقط لأنها مخالفة لما يتبناه البعض من مقررات مسبقة. ولقد نقل لنا المؤرخ إبراهيم بن عيسى ما كتبه الشيخ بدر على الكتاب المذكور فقال: (اطلعت على شرح ابن عقيل على ألفية بن مالك يقول كاتبها الفقير إلى الله تعالى بدر بن محمد بن بدر بن حسن بن بدر بن علي الوهيبي نسباً الأشيقري وطناً، وكان الفراغ من كتابته في خامس عشر ربيع الأول عام 993هـ من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام) (علماء نجد ج 2، ص 5). فهذا نص لا يمكن لمن قرأه أن يهم، وإنه لا يمكن إلا أن يقال إن الشيخ إبراهيم البدر (ت 1426هـ) يرى أن الشيخ بدر بن محمد بن بدر (ت 998هـ) هو أحد أجداده، وأنه يرى أن عشيرته ترجع في نسبها إلى الوهبة من تميم، إلا أن يقال: إن الشيخ إبراهيم لا يفقه ما يقرأ حاشاه عن ذلك.
فالشيخ إبراهيم بن بدر عالم متعلم وليس بعامي أو أمي تختلط عليه المعلومات، وهو من نفس عشيرة البدر التي خرجت من أشيقر، فهو أعلم بعشيرته وتاريخها، وقد كان رحمه الله ملما بأسر بلدة التويم القديمة، وقد كتب نبذة عن أسرها وهي من مراجع المؤلفين الكريمين، وقد تولى الإمامة والخطابة في جامع بلدة التويم، وكان كاتباً للعقود لأكثر من أربعين سنة، وهو من بيت علم إذ إن والده محمد بن إبراهيم بن بدر (ت 1356هـ) كان من قبله إماما وخطيبا لجامع بلدة التويم وكاتبا للعقود، انظر (التويم بين الماضي والحاضر ص 170 - 117).
ومع هذا فقد رأيت عدداً من الشواهد تؤيد ما ذكره الشيخ إبراهيم بن بدر من أن عشيرة البدور من ذرية هذا العالم الوهيبي، ومن هذه الشواهد ما يلي:
أ - ذكر المؤرخ حمد بن لعبون في تاريخه في معرض قصة إخراج بني وائل من أشيقر أنه خرج معهم بعض الوهبة حيث قال: (فذهب مدلج ورهط يعقوب آل (أبورباع) الذين يقال لهم آل حمد، هويمل، وبقايا الوهيبيين الذين مع مدلج، وتوجهوا إلى سدير، وحاصل الأمر أنهم استقروا في التويم (تاريخ بن لعبون، ص 96) ومما يؤيد ذلك مشاركة بعض الأسر الوهيبية في إعادة إنشاء بلدة التويم القديمة المسماة (العود) مع بني وائل، ويدل على ذلك السكنى القديمة لعدد من أسر الوهبة لهذا الموضع مثل: آل ديحان وآل غملاس، والفاخري وآل فارس وغيرهم (التويم بين الماضي والحاضر ص 37، 36، 35)، وتحالف بعض الوهبة مع بني وائل في الخروج من أشيقر هو ما قد يفسر لنا اختفاء كثير من العشائر الوهيبية من أشيقر والتي كانت تسكنها آنذاك، مثل عشيرة الشيخ عبدالله بن شفيع بن سعيد بن عمران بن مالك الوهيبي التميمي، وعشيرة الشيخ بدر بن محمد بن بدر.
ج - أن أقدم ما اطلعت عليه عن نسب عشيرة البدور ما ورد في نبذة جبر بن سيار (ت 1085هـ) عندما ذكر نسب أسرة الهزاني المنتمية لعشيرة البدور حيث نسبها إلى تميم فقال: (الهزازنة وأهل الهدار بني تميم) انظر (نبذة في أنساب أهل نجد ص 150)، ومن المعلوم أن اسرة الهزاني ذرية رشيد بن مسعود من البدور (أصدق الدلائل في انساب بني وائل ص 207، 559)، وأن مخرجهم من بلدة التويم، انظر (التويم بين الماضي والحاضر ص 116 - 141).
أما الاستدلال الثاني الذي جعل العسكر يؤكد أن الشيخ إبراهيم البدر واهم هو كون أن الشيخ بدر بن محمد بن بدر (ت 998هـ) ناسخ للكتاب وليس متملكا له. ولا أردي ما الذي جعل العسكر يستبعد الوضع الطبيعي وهو أن يكون الشيخ بدر ناسخا للكتاب ومالكا له في آن واحد!؟ وبالتالي فالشيخ إبراهيم بن عيسى نقل لنا خاتمة الكتاب بينما الشيخ إبراهيم بن بدر نقل لنا تملكاً في أول الكتاب وكلاهما لا يُشك في مصداقية نقله.
ثانيا: طرح العسكر احتمالية أن الشيخ إبراهيم بن بدر نقل إليه معلومة التملك عن طريق شخص آخر فحصل الوهم واللبس عليه حيث قال العسكر في مقاله: (وإشارته بأنه (تعليق تملك) وهذا يدخل في تأكيد الالتباس على الراوي وربما أنه نقل إليه ذلك عن طريق شخص آخر فحصل الوهم واللبس عليه)، أقول: إن الشيخ إبراهيم ذكر أنه (اطلع) ولم يقل (نقل إليّ)، وهو أهل ان يقابل بالتصديق لا بغيره، وهذا ما أكده أحد أبناء الشيخ العسكر عندما سألهم عن مصدر رواية والدهم حيث قال: (اطلاع قديم له). ثالثا: إن أقدم من نسب عشيرة البدور إلى بني وائل - بحسب اطلاعي - هو حمد بن لعبون (ت 1257هـ) تقريباً، وهو ذاته من أشار تلميحاً إلى تحالف بعض الوهيبيين مع بني وائل عندما ذكر قصة إخراج بني وائل من أشيقر وأنه خرج معهم بعض الوهيبيين، فلا يمنع أن يكون انتساب البدور إلى عنزة من باب الحلف، والتحالف بين القبائل معروف منذ القدم والحلف يعتبر نسبا عند قبائل عنزة حسبما ذكر ابن عبار (أصدق الدلائل في أنساب بني وائل ص 27). والبدور معدودون من المحلف من الجلاس من عنزة، ومحلف بحسب ما أفاد ابن عبار هو اسم حلف وليس اسم جدّ (أصدق الدلائل ص 502). والله أعلم بالصواب.
خالد بن عبدالرحمن بن عبدالكريم أبانمي