قرأت ما كتبه الأخ محمد بن سند الفهيدي في عدد الجزيرة 12658 وتاريخ 9 - 5 - 1428 بعنوان (للمعلمين كفوا عن التشكي) وقد كان مقالاً هجومياً عنيفاً جانب فيه صاحبه الصواب حين طالب المعلمين بالكف عن التشكي مع أنه وسيلتهم الوحيدة للتعبير عن رأيهم الذي غالباً يكون مجرد صدى لا تسمعه إلا جدران مدارسهم.
|
يقول الأخ الفهيدي في مقاله (مبدئياً نعلم أن هاجد يعمل معلماً، وربما تنحو به العاطفة قليلاً تجاه المبالغة في تصوير حال المعلم، علماً أنه قد اعتاد في كثير من رسومه على أن يجعل من المعلم مأساة تمشي على الأرض، ويسايره في ذلك بعض المعلمين، فهم غالباً ما يتطرقون لهذه المعاناة في وقت يتناسون فيه المزايا الكبيرة التي تمنح لهم خصوصاً في جوانب الرواتب العالية والإجازات الطويلة وغيرها، وفي وقت أيضاً قد لا يساوي فيه راتب موظف من السواد الأعظم من الموظفين ربع راتب المعلم).
|
مهلا أخي يا رعاك الله... فقد قيل: (والنار تحرق رجل واطيها) وهاجد حين صور المعلم على أنه مأساة تمشي على الأرض فلا أظنه كان مبالغاً.... فمن يرقب تلاطم الأمواج وهو يقف بأمان على الشاطئ ليس كمن يصارعها طلباً للحياة بين لجتها..!! ولأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية فدعني أخبرك نبذة موجزة عن المعلم أو المعلمة فالأمر سيان.
|
هو الموظف الوحيد الذي يغلق عليه باب الغرفة مع عشرين إلى ثلاثين نفس بشرية بكل ما تتميز به إحداها عن الأخرى من عادات وصفات وأخلاق وفروق فردية.. إلخ ومطلوب منه التعامل معهم بكل هدوء وحكمة وحسن خلق وتربية وضبط نفس والويل له إن فقد أعصابه... فتخيل نفسك مكانه، وتكابد ما يكابده ست ساعات يومياً ما بين أطفال أشقياء لم يعد للمعلم هيبة في نفوسهم وما بين مراهقين في ثورة المراهقة يتراقصون بالفصل ويتضاحكون ويهددون المعلم بل وقد يقومون بضربه وفي أفضل الأحوال يصبون جام غضبهم على سيارته... هذا إن كانوا لطفاء!! والمعلم خلال يومه لا يرتاح إلا نصف ساعة يلتقط فيها أنفاسه ويتناول فيها إفطاره وهو على عجلة من أمره.
|
|
شأني وشأن أولئك الطلاب |
يدعو إلى الإضحاك والإعجاب |
ذا يبتغي قلماً وذلك آلة |
فأنا هنا في جيئة وذهاب |
وصريرُ أقلامٍ وسحْبُ مساطرٍ |
وتنفّسٌ عالٍ وعضّةُ ناب |
ولربّما دسّ الخبيثُ بمكرهِ |
(برشامةٌ) في باطن الأترابِ |
في الصبحِ يرقبني المديرُ مردداً |
ببلاغةِ الإسهابِ والإطنابِ |
لا تجلسنْ! لا تنطقْ! لا تغفلنْ! |
احذر! تَنَبّه من عيون ذئابِ |
ولو أنني أطرقتُ طرفي لحظةً |
في الأرضِ لاستلّت سيوف عتاب |
كم ساعةٌ مرّت عليَّ بثقلها |
وارحمتاه لصحتي وشبابي |
لا تعذلونني إنْ سقطتُ مُجنْدلاً |
بين الكراسي فاقداً لصوابي |
ذا حالنا يا قوم حالٌ محزِنٌ |
نشكوهُ للرحمن للوهاب |
إني أقولُ فأنصتوا لمقالتي |
يا معشر الأحباب والأصحابِ |
كل البلايا قد تهونُ على الفتى |
إلا بلاء معلم الطلابِ |
والمعلم هو الموظف الوحيد الذي يستهلك أكبر كمية من الأقلام وخاصة القلم الأحمر، وما يدريك ما يعني القلم الأحمر للمعلم!!
|
حين تتكدس كتب الطلاب فوق مكتبه وهي تنظر إليه بتحدٍ، وتكاد تمد له لسانها تشفياً به فهو لا يستطيع تجاهلها ولو لمرة واحدة، والويل له إن فعل.. فسيأتيه المشرف مهرولاً والمدير متوعداً وولي الأمر مهدداً.. ومن ورائهم درجات الأداء الوظيفي تلوح له بكل شماتة... وما أشد شماتة الأعداء!
|
أما الدفاتر فإن رأيت أحدهم يوماً ومعه أكياس مكدسة ينوء بحملها أولو العصبة من الرجال فاعلم أنه معلم يحمل دفاتر طلابه الذي لم يسعفه الوقت لتصحيحها في المدرسة فهل رأيت موظفاً غير المعلم يكمل عمله في البيت دون أن يتقاضى مكافأة خارج الدوام!!
|
والمعلم هو الموظف الوحيد الذي ينطبق عليه لقب (تاكسي تحت الطلب) كما وصفه أحدهم.. فعليه أن يكون على أهبة الاستعداد رغماً عنه للانتداب من مدرسة لأخرى عند حلول ظروف معينة أو لتكميل جدول ناقص في مدرسة نائية... أو للإشراف في وقت الاختبارات دون النظر إلى ظروفه الأسرية أو حتى النفسية... وإذا كان الموظف يصرف له بدل ندب حين يندب فالمدرس لا يصرف له سوى درجات لا تسمن ولا تغني من جوع بل تضيع هباءً منثوراً عند المفاضلة والتميز!
|
والمعلم هو الموظف الوحيد الذي يصاب بالضغط والسكر وقرحة المعدة والاكتئاب وهو مايزال في بداية طريقه أتدري لماذا؟؟!!
|
لكثرة الأعباء الملقاة على عاتقه وإليك شيء من هذه الأعباء:
|
1 - الأنشطة اللامنهجية بشكلها التقليدي الروتيني التي تثقل كاهل الطالب والمعلم.
|
2 - الإذاعة المدرسية التي تستهلك الكثير من وقت المعلم داخل الفصل من أجل الإعداد لها.
|
3 - حصص الرياضة وهي تشكل ضغطا على معلم الفصل خاصة إن كان نصابه كبيراً.
|
4 - حصص الانتظار وهي تشكل ضغطا نفسيا على المعلم.
|
5 - تزيين الفصل والإنفاق عليه من مال المعلم الشخصي ضمن ما يسمى بمسابقة أحسن فصل.
|
6 - الإعداد للحفلات المدرسية... كمجالس أولياء الأمور. حفلة آخر العام... المعارض في مدارس البنات... وهو في ذلك كله مستسلم... لأن صوته مجرد صدى لا يتعدى أبداً جدران مدرسته... ومن أجل ذلك يتشكى المعلم فلماذا تستكثر عليه هذا المتنفس الوحيد.... مع أن الشكوى لغير الله مذلة!!
|
والمعلم هو الموظف الوحيد الذي لا يجيد حل الكلمات المتقاطعة أثناء اليوم الدراسي!
|
|
لأنه لا يملك الوقت ليفعل ذلك... كبعض الموظفين الذين سيصيبهم يوماً ما التشنج من طول مكوثهم فوق مكاتبهم وحل الكلمات المتقاطعة!!
|
واعلم بأن المعلم أخي الكريم لا يلومك حين طلبت منه عدم التشكي... لأنك لم تجرب يوماً أن تخرج عند الساعة الثالثة فجراً كما تفعل المعلمة التي تم تعيينها في قرية نائية، وهي تسعى جاهدة للقمة العيش الشريفة، وتظل لسنوات تحلم بالنقل دون جدوى... أما الآن فإنها تحلم أن يعيدها الله سالمة إلى أطفالها بعد أن أصبحت حوادث المعلمات شيئاً مألوفاً خلال مسيرة المعلمة المكافحة.
|
ولا يلومك المعلم لأنك لم تشعر بالإحباط كالمعلم الذي يتم تعيينه على مستوى دون الذي يستحقه بكثير..
|
ولا يلومك المعلم لأنك لم تجرب يوماً بند محو الأمية... أو بند (105) الذي قبعنا عليه لسنوات دون أن يلتفت إلينا أحد!!
|
ولا يلومك المعلم لأنك لم تجرب أن تكون يوماً معلماً متميزاً... مثالياً... محافظاً على الدوام معطياً بلا حدود.... لتتفاجأ في النهاية بأنك والمعلم التقليدي سواء بسواء... لا تميز.. لا تقدير... بل ربما أن من قمت بتدريسهم يصبحون مديرين عليك يوما وأنت مازلت تأخذ النصاب كاملاً دون النظر إلى سنوات الخدمة أو حتى الأقدمية في التعليم!!
|
ولا يلومك المعلم لأنك لا تعلم بأنه بمجرد وصوله إلى مرحلة التقاعد المبكر فإنه يهرب من المهنة هروبه من الأسد ضارباً عرض الحائط بالرواتب العالية والإجازات الطويلة التي يحسده الموظفون عليها.
|
وأنا شخصياً لا ألومك أخي الكريم... لأن أمير الشعراء أحمد شوقي البعيد عن مجال التعليم قال :
|
|
|
فرد عليه ابراهيم طوقان الذي عانى من أهوال التعليم فجاءت أبياته التالية صادقة مثقلة بالمعاناة التي لا يشعر بها إلا المعلم!
|
شوقي يقول - وما درى بمصيبتي - قم للمعلم وفه التبجيلا
|
اقعد فديتك هل يكون مبجلا |
من كان للنشء الصغار خليلاً!.. |
ويكاد (يفلقني) الأمير بقوله |
كاد المعلم أن يكون رسولا!.. |
لو جرّب التعليم شوقي ساعة |
لقضى الحياة شقاوة وخمولاً |
حسب المعلم غمَّة وكآبة مرأى |
(الدفاتر) بكرة وأصيلا |
مئة على مئة إذا هي صلّحت |
وجد العمى نحو العيون سبيلا |
ولو أن في (التصليح) نفعاً يرتجى |
وأبيك، لم أكُ بالعيون بخيلا |
لكنْ أُصلَح غلطة نحوية مثلاً، |
واتخذ (الكتاب) دليلا |
مستشهداً بالغرّ من آياته أو |
(بالحديث) مفصلاً تفصيلا |
وأغوص في الشعر القديم فأنتقي |
ما ليس ملتبساً ولا مبذولاً |
وأكاد أبعث (سيبويه) في البلى |
وذويه من أهل القرون الأولى |
فأرى حمارا بعد ذلك كله |
رفَعَ المضاف إليه والمفعولا!! |
لا تعجبوا إن صحتُ يوماً صيحة |
ووقعت ما بين الصفوف قتيلا |
يا من يريد الانتحار وجدته |
إن المعلم لا يعيش طويلاً! |
سلوى حسن العضيدان |
محافظة الغاط |
|