Al Jazirah NewsPaper Sunday  04/02/2007 G Issue 12547
وَرّاق الجزيرة
الأحد 16 محرم 1428   العدد  12547

نظرة في كتاب
(جمع الجواهر في الملح والنوادر) (*)

تأليف : أبي إسحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

قراءة: حنان بنت عبد العزيز آل سيف

المجلة العربية منبر علم، ومنارة فكر، دأبت على إذكاء جذوة الأدب، ورفع صروح الثقافة، فمن خلال صفحاتها التي تربو على المائة صفحة يتابع متلقي الأدب، متعطش المعرفة، صولة وجولة الحركة الإبداعية الأدبية والعلمية والثقافية، سواء أكانت في المملكة العربية السعودية أو خارجها كمصر والسودان وسورية، وغيرها من أقطار عربية متنائية.

وتذكرني هذه المجلة بمثيلات لها كن في قمة هرم الإبداع والتألق الفكري العربي كالرسالة والمقتطف وغيرهما، ثم إن الله تعالى حباها برئيس تحرير له همة همّامة، وروح وثابة، سقاها من جهده الجهيد، وعمله المفيد، وكفاحه الفريد، فلله درها من رسالة أدبية من لغة الضاد تنهل، وإلى كل متحدثي العربية ترحل، ولله در قاضيها العصامي الذي عناه الشاعر الأول بقوله:

نفس عصامٍ سوّدت عصاما

وعلمته الكر والإقداما

وصيرته بطلاً هُماما

حتى علا وجاوز الأقواما

والمجلة العربية هي السباقة دائماً في السعي إلى نهضة فكرية أدبية عربية إسلامية، وما تلك الكتيبات التي تزين بها ناصيتها إلا دليل على هدف نبيل، ومسلك جميل، وهي حركة تواصل واتصال وتأصيل بينها وبين رواد الفكر، وعمالقة العلم، ففي كل شهر لها فارس مغوار، وقائد مقدام، يتحفنا بقلمه، ويسعدنا بحبكه، ويمتعنا بذوقه، له وجه ثقافي، وتوجه علمي مبسوط، يعكس ما يحمله ذلك المفكر من كم عميق، وكيف رفيع، وفارس هذا الشهر عظيم الهمة، أصيل الموهبة، طويل الباع، مديد الذراع، وهو معالي الدكتور الأريب، والوزير الأديب عبد العزيز بن عبد الله الخويطر - أمدَّ الله مجد دولة الأدب وسؤددها بطول عمره - أمين.

وفي استهلالة الكتاب وإرهاصته كلمة مختصرة بليغة يقول فيها - حفظه الله - ورعاه: (هذا الكتاب هو (جمع الجواهر في الملح والنوادر) لأبي سحاق إبراهيم بن علي الحصري القيرواني، وهو اسم على مسمى فقد حوى من الجواهر ما يجعل القارئ لا يضعه من يده حتى يأتي على ما فيه، من جواهر في الأقوال، وجواهر في الأفعال، وجواهر في التجارب، وجواهر في عرض طباع الناس، وما يحدث بينهم، فيه كشف لأنفس الطباع واختلاف أحدهم عن الآخر، في هذا كله أزهار جميلة ذات روائح زكية ونظرات تأسر الناظر).

ويصف خويطرنا ذلك الغواص الماهر عمل الحصري القيرواني بقوله: (لقد استطاع المؤلف أن يكون مثل نحلة تنتقل من زهرة إلى أخرى، كل زهرة تمسك بك حتى تمتص ما فيها من رحيق، فيه من الفواكه والفوائد ما يملأ النفس علماً وثقافة، ويمدها بمعلومات وتجارب تعب عليها الآخرون، فقدمت لنا هنا على طبق من بلور).

ثم يوجه الدكتور الخويطر - حفظه الله - نداءً عاماً لأدباء ومتأدبي زمانه يقول فيه: (ليتنا نجمع مثلهم ما يمر بنا في حياتنا من مثل ما مرّ بهم ودونوا من الملح والنوادر، وما يمر بنا ونهمله، وطالما طالبت بتدوين أحاديث المجالس التي تمر بنا عفواً وهي أزهار مختلفة الألوان والروائح، لقد اقتطفوا من مجالسهم ما زان كتب الأدب عندهم مثلما زان قبل ذلك مُلح سمرهم في مجالسهم).

وهذه النوادر المليحة، والطرف الظريفة، تجد فيها لنفسك كقارئ ومتذوق ومتلق متعة ومتنفسا للبال والخاطر، ويختلف العلماء في طريقة سياقها في مؤلفاتهم ومفرداتهم وفرائدهم، فمنهم من يفرد لها مؤلفاً مستقلا كما فعل صاحبنا الذي نحن بصدد دراسة مؤلفه وكتابه، وهذا واضح وملحوظ وبين من عنوان كتابه الذي سماه كما مر بك سلفاً: (جمع الجواهر في الملح والنوادر).

ومنهم من يخللها بين فوائد كتابه، ودرر مصنفاته، كما أتى بذلك الجاحظ، ذلك الأديب العباسي الفحل في كتبه المتناثرة مثل (الحيوان) و(البيان والتبيين) و(البخلاء) وغيرها، حيث كان يستظرف أحاديث الأعراب جداً ويقول: (وأنا استظرف أمرين استظرافاً شديداً، أحدهما: استماع حديث الأعراب، والأمر الآخر: احتجاج متنازعين في الكلام وهما لا يحسنان منه شيئاً)، ويقول الجاحظ معلقاً في بيانه على ما قاله وتفوه به أعرابي قح ظريف: (وهذا الشعر من المظرف الناصح الذي سمعت به، وظرف الأعراب لا يقوم له شيء).

ويصف الأديب الخويطر - رعى الله خاطره من السأم والكلل - موهبة الجاحظ وتألقه في حبك النوادر والملح فيقول: (والجاحظ أديب مبدع يأخذ من فكره أكثر من تجربته، وإذا خطرت بذهنه الخاطرة الجميلة، مما فيه إبداع سارع بوضعها في إطار يوحي بالتوثيق، وأحياناً هي ليست من ذلك بشيء، ولا يتردد أحياناً أن يلصقها بنفسه، فما يريد الا ادهاش الناس أو إضحاكهم، فإذا وصل إلى هذه الغاية لا تهمه الوسيلة، وهو مثل الأصمعي في هذا، ومن المؤكد أن هذه القصة التي أحسن الحصري في اختيارها ما هي إلا من بنات أفكار الجاحظ، ولكن الفكرة صحيحة، في أن كل إنسان يتأثر بمهنته، ولكن ليس إلى هذا الحد من الإتقان الأدبي المبهج).

ومن الخطوط العريضة التي ألمح إليها أديبنا الخويطري - سلمه الله - في عرضه وقراءته لهذا الكتاب المرح ما نصه: (ونبّه الحصري إلى خطته في تأليف هذا الكتاب، وأفصح عن جانب منها فقال: (وقد جعلت ما عملت مدبجاً مُدرجاً لتلذ النفس بالانتقال من حال إلى حال فقد جُبلت على محبة التحول، وطبعت على اختيار التنقل) ثم ذكر أمثالاً لأناس مرموقين اختاروا التنقل من حال جد إلى حال ترفيه واستراحة، يطول الحديث لو دخلنا روض ما ذكره، ولكننا نثني على كلامه، لأن الأحماض فيه إزاحة للتعب، وإعداد الجسم للعمل مرة أخرى، وما قاله يدل على عمق فهمه لما أصبح يسمى اليوم: (علم النفس) وما قاله هو تبرير مقدم لما سوف يضمه كتابه من بعض ما قد يعده بعض الناس مخلاً بمستوى الكتاب الذي ظنوا أنه سوف يكون عابساً).

هذا وحديث مؤلفنا الخويطر يشوبه الإمتاع وتشوبه الواقعية فهو يضمن نظرته لكتاب الحصري القيرواني شيئا من قصص الواقع التي عاصرها وعاش أحداثها وأحاديثه عنها جاءت من باب توارد الخواطر، وتداعي المواقف، فالشيء بالشيء يذكر وخذ مثالا على هذا التوافق القصصي، والتناسب الفكري، في قوله: (ذكر عن الفتح بن خاقان أنه كان مع المتوكل فرمى المتوكل عصفوراً فأخطأه، فقال: أحسنت يا أمير المؤمنين، فنظر إليه نظرة منكرة، فقال: إلى الطائر حتى سلم، فضحك المتوكل).

في هذه بلا شك سرعة بديهة وصفاء عقل، استحق معه الفتح أن يكون جليسا للمتوكل، هذه القصة ذكرتني بقصة لها مماثلة، حدثت عندما كنت أدرس في القاهرة في الجامعة، وزارنا في دار البعثة صاحب السمو الملكي الأمير عبد الله الفيصل، وأقام الطلاب حفل سمر على شرف سموه، ألقيت فيه بعض القصائد والخطب، ودعانا سموه إلى نزهة في القناطر، فسبقنا إليها، ومعنا أدوات التسلية بما فيها (الكيرم) وعندما وصل سموه صار ينتقل بين المجموعات، وأطال المكث عند الذين كانوا يلعبون الكيرم، فدعت المجموعة سموه الى المشاركة ففعل، وعند أول ضربة لم يدخل من القطع التي كان من المفروض أن يدخلها شيئاً، وأدخل اثنتين خطأ، فقال أحد الاخوان الطلبة بحماس متناه: حلو يا سمو الأمير، فالتفت إليه سموه وقال له: من أين تأتي الحلاوة، فرد الطالب: الحمد لله أنه لم يدخل المضرب، فضحك الأمير وضحكنا معه، وعددناها سرعة بديهة من الطالب وحسن تخلص).

والحقيقة الواضحة الجلية من هذه القصة، ومن هذا التعليق، أن شخصية الوزير الأديب الخويطر تتكشف عما يكنه شخصه من دقة وذكاء وفراسة، فالنوادر والملح والطرف تحتاج إلى حضور بديهة، وسرعة ارتجال، وهي سمة من سمات العرب، طالما أبدعوا من خلالها، وتفننوا عن طريقها، فأمثالهم السائرة، وحكمهم الذائعة، وأشعارهم الرائقة، وخطبهم المتنوعة، كل شيء إنما هو بديهة وارتجال، فالأعرابي الذي يمتح بدلوه على رأس بئر، والرامي الذي ينبل السهم، والفارس الممتطى لصهوة فرسه، يترنمون بالأبيات ذوات العدد، من غير استجلاب أو استلهام.

ومن قصص الكتاب الدالة على حضور البديهة ما ذكره الحصري تحت باب: (قاض دفع مالاً لمن توجّه إليه باليمين)، ومن طريف ما في هذا الباب ما حكاه الصولي، قال: (كنت يوماً بين يدي أمير المؤمنين الراضي بالله، إذ دخل عليه بعض الخدم برقعة دفعها صاحب الخبر، الملازم لمجلس أبي عمر القاضي، يذكر أن رجلاً أحضر خصماً للقاضي وادعى عليه مائة دينار، فألزم القاضي الغريم اليمين إذ لم يجد الخصم بينة، فأخذ الداوة وكتب بيتين، فدفعهما إلى القاضي، فأمر القاضي غلامه فأحضر مائة دينار، ودفعها إلى الرجل، والبيتان هما:

وإني لذو حلف كاذبٍ

إذا ما اضطررت وفي الأمر ضيق

وهل من جناح على مسلم

يدافع بالله ما لا يطيق

فعجب الراضي من الرجل وديانته، لخلاصه من الحكم، وعجب من كرم القاضي وحسن فعله، ثم أمرني بالركوب إلى القاضي، ومسألته في البحث عن صاحب البيتين وإحضاره إليه، فلم نزل أياماً حتى حصل لنا، فجئنا به إلى دار السلطان فأمر له بألف دينار، وخمس خلع، ومركوب حسن، وأمره بملازمة الدار، ثم قلّده الأهواز وأعمالها).

وأخيراً ففي هذه النظرة النقدية ما يُعجب ويُمتع ويُؤنس، وهي تتضمن دعوات بحثية، ورسائل توجيهية علمية ثقافية خويطرية.

(*) كتيب المجلة العربية رقم (109) محرم 1427هـ - فبراير 2006م.

عنوان المراسلة: ص.ب (54753) - الرياض (11524)


 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد