Al Jazirah NewsPaper Tuesday  16/01/2007 G Issue 12528
الرأي
الثلاثاء 27 ذو الحجة 1427   العدد  12528
رحلتي الأخيرة مع الشهم الكريم سعد المسند
عمر بن عبدالعزيز بن عبدالرحمن المسند

لطالما رافقت الشيخ سعد بن صالح بن علي المسند في رحلات متنوعة، فهذه رحلات للعمرة، وأخرى لربيع الصحراء، وظلال أودية نجد، وشاطئ نصف القمر، وكورنيش الدمام والجبيل، ورمال الدهناء، ومصيف أبها، وشلالات النماص، وغابات الباحة، ومرتفعات فيفا، وجزيرة فرسان، وغيرها، وفي جميع تلك الرحلات كان سعد منطلق كل نشاط ومحوره، كما كان تأثيره في حياته اليومية جلي على كل من حوله.

لكن رحلتي الأخيرة معه كانت مختلفة.. أثرها فاق جميع الرحلات السابقة، وسعد كان مؤثراً أكثر من أي وقت مضى، مع أنه كان ساكناً، لم يتحرك أو ينطق ببنت شفه! إنها حين رافقته مع بعض الأقارب في رحلته من المستشفى إلى مغسلة جامع الراجحي بالرياض بعد أن أسلم روحه السمحة إلى بارئها غرة ذي الحجة من عام ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين للهجرة، كنت في شوق لقربه فجلست إلى جوار جسده المسجى كي أطفئ لهيب الشوق إليه، لكن سرعان ما زاد شوقي لرؤية وجهه فكشفت عنه، كان مهيباً شامخاً حتى بعد وفاته، ألقيت عليه نظرة ودعوت له ثم أعدت الغطاء.

ما هي إلا دقائق حتى عاد شوقي إلى رؤيته فكشفت عن وجهه ثانية، قبلت جبينه ثم غطيته، ذهب ذهني يجول في ذكريات تلك الرحلات والمواقف وصور سعد تتزاحم على مخيلتي وصوته يرن في أذني، وشعره الذي يصف فيه موته وتغسيله ودفنه يهزني بأن هذا ما كان يهتم له! فما البث حتى يفزع قلبي لغيابه، فالتفت عليه هلعاً كي أحاول أن أطمئن نفسي أنه لا يزال هناك متسع لصحبته فيما تبقى من دقائق من هذه الرحلة، أرى جسده إلى جواري بلا حراك، فيعود شوقي إلى رؤية وجهه، وهكذا.. حتى وصلنا إلى المسجد.

يالها من رحلة سريعة مرت كدقيقة أو ثوانٍ تمنيت لو أن المسافة طالت قليلاً، ولأول مرة، تمنيت ازدحام شوارع مدينة الرياض في صباح تلك الجمعة المباركة.

حملناه إلى المغسلة وانتظرت خارجاً، بعد انتهاء غسله، دخلنا للسلام عليه، فكان طيب المحيا والرائحة، كما كان في حياته بشوشاً طيباً، متوضئاً متطيباً.

صلي عليه وشيعه خلق كثير، ثم بقيت في المقبرة أدعو له، وأتأمل وفاته - رحمه الله - فقد كان كثيراً ما يسأل الله حسن الخاتمة وسهولة خروج الروح ففاضت روحه وهو صحيحاً نائماً في فراشه.

وقد رثى بعض الفضلاء سعداً فكتبوا عن أخلاقه، ومسارعته في ميادين الخير، وكرمه، وجديته فقد كان هماماً يصدق، نرجو له الخير والفلاح حيث شهد له الناس بالصلاح.

لكني أحببت أن أكتب عن بعض الجوانب التي كان رحمه الله لا يذكرها وإنما عرفتها عنه بحكم قربي منه، وأوردها هنا للعظة والفائدة لنا معاشر الأحياء علها تكون دافعاً للمسابقة إلى الخيرات:

كان - رحمه الله - له نصيب من صلاة الليل لا يتركه في حضر ولا سفر، ولا بر، ولا برد، ولا مطر كما كان كثير الذكر لله يتلو نصيباً من القرآن الكريم والأوراد المأثورة يومياً بما في ذلك التسبيح والتهليل والاستغفار لأكثر من مائة مرة، بالإضافة إلى الأدعية الواردة بعد كل صلاة.. كما كان يقضي ما يستطيع من العشر الأواخر من رمضان قرب الحرم المكي يطعم ويتصدق ويتعبد، كما كان يؤدي الحج سنوياً منذ أكثر من ربع قرن يحمل معه في كل مرة أناساً لم يحجوا من أقاربه وجيرانه وأصدقائه، حملة تطوعية منه يتكفل فيها بالسكن والأكل والنقل والقيادة والخدمة.. كما كان يقضي في كل عام فترة من الإجازة الصيفية في رحاب مكة المكرمة يعتمر ويطوف ويتلو القرآن، وفي السنوات الأخيرة زاد مكثه فيها حتى صار يقضي أغلب الصيف قرب البيت العتيق.

لقد كان التفكير في الآخرة والاستعداد لها يشغلان قلبه مع جديته في إنجاز أعماله الدنيوية متمثلاً حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها) رواه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي عنه.

لقد رحل الشهم الهمام ابن العم الشيخ سعد بن صالح بن علي المسند عن عمر يربو على الخمسين عاماً بقليل، بعد أن زرع علاقة حميمية مع جميع أقاربه وأصدقائه، وجيرانه، وزملائه حتى كانت له لمسة متميزة يتركها لدى كل من رآه ولو لدقائق ممن يعرفه ولا يعرفه، بل لقد كانت له بصمة خاصة يطبعها على كل عمل يقوم به مهما كان حجم العمل وطبيعته، سواء كان ذلك العمل حسياً أو معنوياً، صغيراً أو كبيراً.

إن عزاءنا هو موت خير البشر ومعلمهم وقدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم من قبل، ثم خاتمة الشيخ سعد التي نحسبها صالحة إن شاء الله وجنازته المشهودة، وكثرة محبيه الذين يدعون له.

راجياً أن يكون هذا المقال إشارة لسيرة أحد القدوات الصالحة إن شاء الله من أبناء مجتمعنا الطيب الخير، وسبباً في الدعاء للميت، رحمه الله رحمة واسعة، وألهم أهله الصبر، ورزقهم الأجر والسلوان، وأصلح ابنيه وبناته وتولاهم سبحانه بحفظه إنه حكيم عليم.

إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا لفراقك يا سعد لمحزونون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ }.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد