ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Sunday 24/06/2012/2012 Issue 14514 14514 الأحد 04 شعبان 1433 العدد 

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وحدة وطن

      

ستظل شخصية الأمير نايف بن عبد العزيز رحمه الله سجية الليالي، ملهمة للكثير، موحية بالكثير، لأنها معدن لا ينفد بعد أمد من الاستمداد قصير، ومنبع لا ينضب على كثرة الاستسقاء والارتواء، ومنار استوى في الاستمتاع بإشعاعه الخاص والعام من مرتادي حاله وأكنافه، والأصفياء من ملازميه وأصحابه، في بأسائه وسرائه وضرائه.

ولقد أحس الجميع يوم نعاه إلينا ناعيه بأن الوطن العربي بأسره فقد باختفاء الأمير نايف رحمه الله والتحاقه بالرفيق الأعلى، أحد أبناء المملكة العربية السعودية الذين أسدوا إلى بلدهم ووطنهم العربي والإسلامي أعز وأنفس ما يسديه ابن بار، وضغطوا على التاريخ ورسموا على مسيله ومجراه طابع التأثير الذي يحدث التغيير، وينتهي به المطاف إلى التبديل والتحويل، طواه الردى عنا والأمل معقود بامتداد حبل حياته، وحاجة الوطن ما زالت ماسة إلى وجيه رأيه وصائب نظره وجميل تأتيه، وحميد مسلكه ومسعاه {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً}، (إنا لله وإنا إليه راجعون)؛ ومنذ القديم قيل: كل عظيم زعيم أثر في المجتمع الذي يعيش فيه يبتدئ تأثيره في المحيط الضيق ثم يتسع رويدا رويدا حتى يشمل أمصارا وآفاقا أخرى غير التي ظهر فيها، وبقدر اتساع تأثيراته وشمولها الأرجاء البعيدة النائية، بقدر ما تعظم عظمته وتسمو منزلته ويعلو مقامه، وهكذا تبرز عظمة الأمير نايف بمآثره وأبعاده الذي رفع راية العمل حتى ترامت أخباره إلى الأقطار النائية، وعرف في مشارق الأرض ومغاربها بالأمير نايف، وعظمت شهرته والتمس الجميع لديه الملاذ مثلما التمسه فلول الأندلسيين في محنتهم الفاجعة:

جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلما

في الكرى أو خلسة المختلس

فهو بحق من بين أولئك الذين ناضلوا عن أصالة بلدهم ووطنهم ووحدة لواء العروبة والإسلام، وسهروا على إرهاف وعي الخاص والعام وإزاحة رواسب ليالي المحنة والمرهقة بصراع القوى ومعترك المذاهب وصدام التيارات، ويظلون في موقعهم من ميدان الجهاد، حتى إذا توفوا بقوا أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فمثله وإياه كما قال الراثي:

جلت رزيئته فعم مصابه

فالناس فيه كلهم مأجور

والناس مأتمهم عليه واحد

في كل جار رنة وزفير

ردت صنائعه عليه حياته

فكأنه من نشرها منشور

سيثنى عليك لسان من لم توله

خيرا لأنك بالثناء جدير

وكان لتعيين الأمير سلمان بن عبد العزيز، وليا للعهد، نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا الدفاع، دليل على ثقة واستمرارية بيت الحكمة والحكم السعودي، ففي الوقت الذي تتعرض فيه العديد من دول العالم إلى فقدان كامل الثقة بين الحاكم والشعب (حتى في الدول الغربية بما فيها إيطاليا وإسبانيا واليونان وهلم جرا) بدت السعودية أكثر استقرارا ورسوخا وتثبيتا لدعائم الأمن والأمان.

وكان قد حصل لي شرف تقديم مفتاح مدينة فاس إلى سمو الأمير سلمان منذ سنتين لما كان أميرا للرياض، واستقبلني في مكتبه العامر ورأيت بأم عيني كيف أن الأمير سلمان يمتلك قدرة لا توصف في الولوج إلى قلب من أمامه، ويعود ذلك إلى تطبيقه قاعدة الاستماع قبل إبداء الرأي، فهو يحسن الإصغاء قبل الكلام ثم التسلل إلى قلب متحدثه بسهولة؛ ثم إن سمو الأمير سلمان رجل مطلع ومجتهد، وهو قارئ نهم لديه مكتبة كبيرة ومتنوعة، ويبهرك عندما يتحدث معك لسعة علمه وكثرة اطلاعه وصواب تفكيره.. فهي المسيرة التي تستنير كل وقت من أوقات الالتقاء، وكل خطوة من خطوات الاستبصار والاستجلاء والتحليل والتقييم، بنور جديد ويقين وهاج، فشخصية الأمير سلمان شخصية جذابة أخاذة، ثرية وسخية، قائمة على أصول لا تحور ولا تحول، فهو مؤمن أقوى وأصلب ما يكون الإيمان، بأمثل المبادئ وأسمى القيم، ثاقب البصر ناقد الإدراك لمتعدد التيارات والمذاهب، طريفها وتليدها، وكثرة علمه وسعة اطلاعه تجعله في شعوره وتفكيره ونضاله وكفاحه وإرشاده وتوجيهه وتعريفه وتثقيفه صبا عميدا بالأصالة والأثالة، لا يحيد عن قصدهما، ولا يجور ولا يستسيغ من القديم والحديث والغريب والجليب إلا ما يتطلب ويتلاءم وما يؤمن به من أصالة العقيدة وأصالة الالتزام وأصالة المناهج.

وكم كانت غبطتي أن حكى لي سمو الأمير سلمان عن علاقة المملكة العربية السعودية بالمملكة المغربية الشريفة وقصته الشخصية مع مدينة فاس في ستينيات القرن الماضي عندما كان يجول في أزقة مدينة فاس العتيقة وإذا بعائلة فاسية تفتح للمسؤولين المغاربة ولسمو الأمير سلمان وهي لا تعرف أحدا منهم، وتستقبلهم بالصياح وكؤوس من الشاي، وما هاته القصة الفريدة إلا دليل على تاريخ أواصر الأخوة والمحبة الدائمة بين شعبي المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية أيا كان المنصب والمقام، لذا أحسسنا نحن المغاربة كما أحس المواطنون السعوديون بأننا جميعا فقدنا بوفاة الأمير نايف والتحاقه بالرفيق الأعلى أحد أبناء هذا البلد الذين قدموا إلى البلاد والعباد أعز وأنفس ما يسديه ابن بار؛ وأحسسنا بتعيين سمو الأمير سلمان وليا للعهد، نائبا لرئيس مجلس الوزراء ووزيرا للدفاع السعودي بفرحة وغبطة لأنه رجل المرحلة الذي يجيد السياسة المفعمة بأسمى مقاصدها وتجلياتها واستشرافها، وهو رجل العلم والعمل، لذلك شاع ذكره في الشرق والغرب وجرى على كل لسان خاصة وأن السعودية أضحت أكثر من أي وقت مضى باتت عليها مسؤوليات كبيرة تتعلق باستقرار وأمن المنطقة في مرحلة ساخنة من التاريخ المعاصر، وأنا على يقين أن سمو الأمير سلمان سيؤدي الأمانة على أفضل نهج وسيبلغ الرسالة على أفضل منهاج {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً}.

 

سمو الأمير سلمان خير خلف لخير سلف.. قراءة مغربية
د. عبد الحق عزوزي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة