ارسل ملاحظاتك حول موقعنا   Friday 08/06/2012/2012 Issue 14498  14498 الجمعة 18 رجب 1433 العدد  

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

           

كلُّ ما خلق الله فإنما هو لحكمة، سواء أدركها الناس، أو أبانها العلماء بقدر ما أعطاهم الله من فَهْم وإدراك. ولم يخلق سبحانه شيئاً عبثاً، كما قال سبحانه في الرد على الدهريين {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} المؤمنون 115.

ويقول سبحانه في حكمته لخلق الجن والإنس: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} الذاريات 56, وجاء في الحديث القدسي: “ابن آدم، خلقتك لأجلي فلا تلعب، وخلقت كل شيء لأجلك فلا تتعب”، فهو مخلوق لعبادة الله، فمن ابتعد عن هذه الحكمة، لقي عقابه يوم الجزاء والنشور. وأرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ ليبينوا للناس، وأعطاهم العقول؛ ليدركوا الحكمة التي خُلقوا من أجلها.

لكن كثيراً من البشر لهم قلوب لا يعقلون بها، كما قال سبحانه: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} البقرة 18، ويتكرر في كتاب الله العظيم مثل دلالة هذه الآية كثيراً، من باب التنبيه والتقريع.

ويأتي من علماء الإسلام مَنْ ينبّه بما منحه الله من علم وفقه وخشية لله؛ ليفتحوا باباً في المعرفة، ومن ثم ينشرونه في الناس، أداء لحق العلم بتبليغه، وعدم كتمانه خوفاً من التأثم، وهم كثيرون في أمة الإسلام، وشمس الدين محمد بن أبي بكر، المعروف بابن قيم الجوزية، المتوفَّى عام 751هـ، واحدٌ من أولئك العلماء، ولعلنا في مسيرتنا معه، في كتابه التبيان في أقسام القرآن، نتعرف على بعض الحِكَم في أسرار حواس الإنسان، وتكوينه في نفسه:

وسوف نسير معه خطوات، فهو يقول:

1- لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه دعاه خالقه وبارئه ومصوِّره وفاطره من قطرة ماء إلى التبصُّر والتفكُّر في نفسه، فإذا تفكَّر في نفسه استنارت له آيات الربوبية، وسطعت له أنوار اليقين، واضمحلت عنه غمرات الشك والريب، وانقشعت عنه ظلمات الجهل، فإنه إذا نظر في نفسه وجد آثار التدبير فيه قائماً، وأدلة التوحيد على ربه ناطقات، شاهدة لمدبِّره، دالة عليه مرشدة إليه. ثم دخل في أعضاء الجسم وتركيبه إلى أن قال: وجعل فيه تسعة أبواب، فبابان للسمع، وبابان للبصر، وبابان للشم، وباب للكلام والطعام والشراب والتنفس، وبابان لخروج الفضلات التي يؤذيه احتباسها.

وجعل داخل بابَيْ السمع مُرًّا قاتلاً؛ لئلا تلج فيه دابة تخلص إلى الدماغ فتؤذيه، وجعل داخل بابَيْ البصر مالحاً؛ لئلا تذيب الحرارة الدائمة ما هناك من الشحم، وجعل داخل باب الطعام والشراب حلواً ليسيغ به ما يأكله ويشربه؛ فلا يتنغَّص به لو كان مُرًّا أو مالحاً.

وجعل له مصباحين من نور كالسراج المضيء، مركَّبين في أعلى مكان منه، وفي أشرف عضو من أعضائه طليعة له، وركَّب هذا النور في جزء صغير جداً، يبصر به السماء والأرض وما بينهما، وغشاء بسبع طبقات وثلاث رطوبات، بعضها فوق بعض حماية له وصيانة وحراسة، وجعل على محله غلقاً بمصراعين، أعلى وأسفل، وركب في ذيل المصراعين أهداباً من الشعر وقاية للعين، وزينة وجمالاً، وجعل فوق ذلك كله حاجبين من الشعر، يحجبان العين من العرق النازل، ويتلقيان عنها ما ينصب من هناك، وجعل سبحانه لكل طبقة من طبقات العين شغلاً مخصوصاً، ولكل واحد من الرطوبات مقداراً مخصوصاً، ولو زاد على ذلك أو نقص منه لاختلت المنافع والمصالح المطلوبة، وجعل هذا النور الباصر في قدر عدسة، ثم أظهر في تلك العدسة صورة السماء والأرض، والشمس والقمر والنجوم والجبال، والعالم العلوي والسفلي مع اتساع أطرافه، واقتضت حكمته سبحانه أن جعل فيها بياضاً وسواداً، وجعل القوة الباصرة في السواد، وجعل البياض مستقراً لها ومسكناً، وزيَّن كلاً منهما بالآخر، وجعل الحدقة مصونة بالأجفان والحواجب، والحواجب بالأهداب، وجعلها سوداء؛ إذ لو كانت بيضاء لتفرق النور الباصر؛ فضعف الإدراك؛ فإن السواد يجمع البصر، ويمنع من تفرُّق النور الباصر.

وخلق سبحانه لتحريك الحدقة وتقليبها أربعاً وعشرين عضلة، لو نقصت عضلة واحدة لاختل أمر العين. ولما كانت العين كالمرآة المصقولة، التي إنما تنطبع الصور إذا كانت في غاية الصقالة والصفاء، جعل سبحانه هذه الأجفان متحركة جداً بالطبع إلى الانطباق، من غير تكلف؛ لتبقى هذه المرآة نقية صافية من جميع الكدورات؛ ولهذا لما لم يخلق لعين الذبابة أجفاناً فإنها لا تزال تراها تنظف عينها بيدها من آثار الغبار والكدورات. ثم قال:

وكما جعل سبحانه العينين مؤديتين للقلب، يريانه ويوصلان إليه، كما ترياه، جعلهما مرآتين للقلب، يظهر فيهما ما هو مودع فيه من الحب والبغض، والخير والشر، والبلادة والفطنة، والزيغ والاستقامة؛ فيستدل بأحوال العين على أحوال القلب، وهو أحد أنواع الفراسة الثلاثة، وهي: فراسة العين، وفراسة الأذن، وفراسة القلب. فالعين مرآة للقلب، وطليعة ورسول، ومن عجيب أمرها أنها من ألطف الأعضاء وأبعدها تأثراً بالحر والبرد، على أن الأذن على صلابتها وغلظتها لتتأثر بهما أكثر من تأثر العين على لطافتها، وليس ذلك بسبب الغطاء الذي عليها من الأجفان، فإنها لو كانت منفتحة لم تتأثر بذلك تأثر الأعضاء اللطيفة.

ثم قال: فصل: ومن ذلك الأذنان، شقهما تبارك وتعالى في جانبي الوجه، وأودعهما من الرطوبة ما يكون معيناً على الإدراك، وأودعهما القوة السمعية، وجعل سبحانه في هذه الصدفة انحرافات واعوجاجات؛ لتطول المسافة قليلاً، فلا يصل الهواء إلا بعد انكسار حدته، فلا يصدمها وهلة واحدة، فيؤذيها، وأيضاً لئلا يفاجئها الداخل إليها من الدبيب والحشرات، بل إذا دخل إلى عوجة من تلك الانعطافات وقف هناك فسهل إخراجه.

وتأييداً لما ذكره فإن طفلاً من أقربائنا أحس بثقل في السمع في إحدى أذنيه، وتدريجياً حتى أصبح لا يسمع؛ فذهبوا به لمستشفى دلة، وبالكشف عليه تبين وجود جسم غريب داخل قناة السمع، فسدها تدريجياً، حتى أصبح هذا الطفل لا يسمع، وهذا الجسم كان يتغذى على دم الطفل حتى كبر، وبعدما سيطروا عليه وأخرجوه عاد السمع للطفل سليماً، والجسم الغريب حجمه أكبر من حبة القهوة الكبيرة.

ثم قال: وكانت العينان في وسط الوجه، والأذنان في جانبيه؛ لأن العينين محل الملاحة والزينة والجمال، وهما بمنزلة النور الذي يمشي بين يدي الإنسان، أما الأذنان فكان جعلهما في الجانبين لكون إدراكهما لما خلفهما وأمامهما، وعن يمينه وعن شماله سواء، فتأتي المسموعات إليهما على نسبة واحدة، وخُلقت العينان بغطاء والأذنان بغير غطاء، وهذا في غاية الحكمة؛ إذ لو كان للأذنين غطاء لمنع الغطاء إدراك الصوت؛ فلا يحصل إلا بعد رفع الغطاء، والصوت عرض لإثبات فكان يزول قبل كشف الغطاء، بخلاف ما تراه العين.

وجعل سبحانه الأذن عضواً غضروفياً، ليس بلحم مسترخ، ولا عظم صلب، بل هي بين الصلابة واللين، فتقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، ولا تنصدع انصداع العظام، ولا تتأثر بالحر والبرد والشمس والسموم تأثر اللحم؛ إذ المصلحة في بروزها؛ لتتلقى ما يرد عليها من الأصوات والأخبار.

وكان من عادته إذا أراد أن ينتقل من موضوع لآخر أن يضع رقماً، فهنا وضع 87، وقال “فصل” على عادة القدامى، وهذا الفصل أراده بالحديث عن الأنف، فقال مباشرة:

ومن ذلك الأنف: نصبه سبحانه وسط الوجه قائماً معتدلاً، في أحسن شكل وأوفقه للمنفعة، وأودعه حاسة الشم التي يدرك بها الروائح وأنواعها، وكيفياتها ومنافعها ومضارها، ويستدل بها على مضار الأغذية والأدوية ومنافعها، وأيضاً فإنه يستنشق بالمنخرين الهواء البارد والرطب، فيؤديه إلى القلب، فيتروح به، فيستغنى بذلك عن فتح الفم أبداً، وجعل تجويفه بقدر الحاجة؛ فلم يوسعه عن ذلك، فيدخله هواء كثير، ولم يضيقه فلا يدخله من الهواء ما يكفيه، وجعل ذلك التجويف مستطيلاً لينحصر فيه الهواء، وينكر برده وحدته قبل أن يصل إلى الدماغ، فلولا ذلك لصدمه بحدته وقوته.

والهواء الذي يستنشقه الأنف ينقسم إلى شطرين: شطر يصعد إلى الدماغ، وشطر ينزل إلى الرئة، وهو من آلات النطق، فإن له إعانة على تقطيع الحروف، وكما أن تجويفه جعل للاستنشاق فإنه جُعل مصباً لفضلات الدماغ، تنحدر منه في تلك القصبة فيخرج ليستريح الدماغ؛ لذلك جُعل عليها ستراً، ولم يجعلها بارزة فتستقبحها العيون، وجعل فيها تجويفَيْن فإنه قد ينسد أحدهما، أو يعرض له آفة، تمنعه من الإدراك والاستنشاق فيبقى التجويف الثاني نائباً عنه يعمل عمله، كما اقتضت الحكمة مثل ذلك في العينَيْن.

ثم تأمل الهواء الذي يستنشقه الأنف، كيف يدخل أولاً من المنخرين، وينكسر برده هناك، ثم يصل إلى الحلق، فيعتدل مزاجه هناك، ثم يصل إلى الرئة ألطف ما يكون، ثم تبعثه الرئة إلى القلب، فيروّح عن الحرارة الغريزية التي فيه، ثم ينفذ من القلب إلى العروق المتحركة، ويبلغ إلى الأطراف، ثم إذا سخن في الباطن، وخرج عن حد الانتفاع خرج عن تلك الأقاصي إلى البدن، ثم إلى الرئة ثم إلى الحلقوم، ثم إلى المنخرين خارجاً؛ فيخرج منها ويعود عوضه هواء بارد نافع. والنفس الواحد من أنفاس العبد إنما يتم بجموع هذه الأمور والقوى والأفعال، وحوله في اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نَفَس، لله في كل نفس نعم عدة، قد وقفتُ على القليل منها.

رحمه الله؛ فقد شرح هذه الأشياء أكثر من الأطباء، فما ظنك بما وراء النَّفَس من الأعضاء والقوى، ومنافعها وتمام النعمة بها؟!

وللحديث صلة.

 

حكمة الله في مخلوقاته (1- 2)
د.محمد بن سعد الشويعر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعة حفظ ارسل هذا الخبر لصديقك  

 
 
 
للاتصال بنا خدمات الجزيرة جريدتي الأرشيف جوال الجزيرة السوق المفتوح الإشتراكات الإعلانات مؤسسة الجزيرة