أرثيك أم أرثي ورداتك الجميلة المتزينة في مكتبتي أقول لها إن من أنبتك وجعل منك ورداً رحل (فلا تصدقيني)، أقول لها إن من زرعك بذرة تنمو في نفوس جيل بأكمله رحل (فلا تصدقيني)، وأبقى لي أنيسة خيالي؛ فزارعك غازي القصيبي علمني تذوق الأدب وجميل الحرف وحلو الكلام وأنت الباقية لما زرعه. أم أرثي نفسي لأني لن أجد حروفاً جديدة منه أضمها إلى فكري وإحساسي من كتاباته الجديدة.
لم أكن أصدق أن هذا الإنسان الجميل عندما رأيته آخر مرة في مستشفى التخصصي واقفاً صامداً كان المرض صديقه أحسست وقتها بأنه يستطيع أن يتغلب عليه ويتجاهل آلامه وإحساسه به، نظرت ترحيبه بضيوفه يرمي بينهم ملاطفات ومداعبات والكل تعلوه الابتسامة وقبلهم هو هذا العملاق واقفاً على قدميه كأن المرض غار وأحس بأنه يخسر معركته معه فاستخدم كافة الأساليب للتغلب عليه ولكن لكل أجل كتاب.
مازلت أتذكر كلمته الهاتفية لأكثر من عقدين من الزمن عندما كنت أستفسر منه عن كلمة في أحد كتبه التي كنت أقوم بتجهيزها وقتها إذا قرأت بإحساسك فسوف تفهم بعقلك ولن تسألني بعدها جعلني من وقتها أعيش في كل كلمة خطها بيده أو بكتاباته التي أصدرها أو بمقالاته ومحاضراته وكيف لا وهو زارع الورد وتراه في ابتسامة كل من ساجل معه في قراءة كتبه فهو يشعرك بأنك جليسه لا ترغب في ترك مقعدك.
واراك الثرى أيها الإنسان الجميل وتركت إرثاً من الأحاسيس الجميلة لقمة المشاعر الإنسانية التي قلت في هذا الزمن.
أصدقكم القول لم يترك إلا أجمل الذكريات كي تحملها النفوس التي تعلقت به في أيام عمره ولتزرع وتشهد بالحب الذي ملأ قلوبهم وتحملني أوراقه وهو يجاهد ليبني دار الأطفال المعوقين التي شهدت له ورمزاً على إنسانيته الجميلة حجراً فوق حجر لتفتح بابا جديداً لتأهيل وعلاج الأطفال المعاقين من بعض الفئات التي لم يحالفها الحظ في وجود أماكن علاجية لها في المملكة. وكيف جعلها معلماً من أهم المعالم في مدينة الرياض شاهدة على خير هذا الوطن في التكافل والدعم الاجتماعي وأصبحت مزاراً للوفود الرسمية وكبار الشخصيات العالمية.
لم تكن جمعية الأطفال المعاقين وحدها شاهدة على إنسانيته التي رأيتها بأم عيني ولكن هناك الكثير ما حمله زمن حياته فيما قدمته يده اليمنى ولا تعلمه اليسرى من خير لكل من طرق بابه أو سأله في أي مسألة أيا كانت.
سأقنع نفسي زمناً بأنك رحلت أيها الإنسان الجميل العملاق في كل شيء وعزائي وسلوتي ورودك وزهورك الرائعة في كل بستان سوف أنهل منها عبق رائحتك وحلو كلامك.
أسأل الله لك أن يسكنك فسيح جناته وأن يغفر لك ولي وللمسلمين.
فحقاً كم كنت إنساناً جميلاً رائعاً فهذا أنت غازي القصيبي.
(إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).