Al Jazirah NewsPaper Monday  06/09/2010 G Issue 13857
الأثنين 27 رمضان 1431   العدد  13857
الكذابون
فهد بن سليمان بن عبدالله التويجري*

إن أجمل ما في الحياة محادثة الآخرين، ويزداد الأمر جمالاً عندما تسمع عرضاً جيداً، وقولاً صائباً، لقد كنت أسمع بل وأنصت جاهداً للاستفادة من حكمة أسمعها، أو فائدة أحفظها، أو علم أنتفع به، كل ذلك من أفواه الآخرين، سمعت من أشخاص حدّثوني عن أعمالهم ونجاحاتهم، فمنهم العالم والداعية والأديب والتاجر المستثمر والمسؤول... إلخ.

حقيقة كنت أصدق كثيراً مما يقال، خاصة إذا عبر أولئك بأنفسهم عن أنفسهم وذكروا الشواهد من أرقام أو مواقف تدل على صدقهم، نعم كنت إلى وقت قريب أصدق أقوال بعضهم، وأقول لهم: ما شاء الله تبارك الله، ثم أقول في نفسي: الحمد لله أن المجتمع يلد أمثال هؤلاء، وأستصغر قامتي عند قامتهم، ونفسي عند أنفسهم... ولكن للأسف البالغ غايته، صدمت عندما انكشف الغطاء وظهر المستور، وبانت الحقيقة، واتضحت المحجة من بعضهم، فذلك الذي يدعي نجاحه في الاستثمار والاقتصاد وتفوقه كان قد ضحك على الناس وأخذ أموالهم، فكل ما يركبه ويأكله ويسكنه، بل ويلبسه من أموال الآخرين، وذلك الذي يدعي أنه أديب يكتب أدباً وينشر فكراً، عبر مقالات صحفية أو مواقع إلكترونية، اتضح أن غيره يكتب عنه وليس له من المقال إلا اسمه، وذلك الذي يدعي أنه من أهل العلم والتأليف، اتضح أنه لم يؤلف أو يجمع أو يحقق أو يخّرج وللأسف، والذي يدعي الإنفاق والبذل من ماله، اتضح أنها أموال غيره، ولم ينفق ريالاً واحداً من ماله، وذلك الذي يخطب خطبةً بليغة ويدعي أنها من نظمه وأدبه، اتضح أنه من مواقع سحبها وليس له من حظها إلا قراءتها، وذلك المسؤول الذي يدعي الإصلاح والبناء والتطوير، اتضح أنه طوّر جيبه، وخدم شخصه، وأقلُّ اهتمامته القطاع الذي يعمل فيه.

إخواني.. لقد انتشر الكذب بصورة مطورة واكبت عصراً متطوراً، فأصبح بعض الناس لا يحسن الحديث إلا بالكذب، فإذا أراد أن يتحدث عن نفسه وإنجازاته فهو يكذب، وأقلهم جرماً الذي يبالغ، في يومٍ من الأيام زرت أحد الإخوة، لم أكن أتصور أنه يكذب علينا في إنجازاته وأعماله، فحدثنا ساعة حتى إذا خرجنا منه، قلت لصاحبي: ما شاء الله فلان بلغ مبلغاً عظيماً في إنجازاته وأعماله، فلتفت إليّ صاحبي وقال: أنتَ مصدق ما قال!!، فقلت نعم، فقال (والله إنك حبيب)!! فقلت: كيف؟! فقال: فلان يكذب في كل ما قال، فقلت لماذا يكذب؟! فقال: لا يمكن أن يبرز نفسه إلا بهذه الطريقة، ثم ذكر لي: أن له قضايا في المحاكم تدل على كذبه....... إلخ، ومرة فاجأني شخص من الناس فقال: يا أخ فهد هل بالإمكان أن تكتب لي مقالاً في الموضوع الفلاني، والحق أني تفاجأت بهذا الطلب، وغيّرت الموضوع، ثم من الغد أرسلت له رسالة قصيرة عبر الجوال قلت فيها: إني أعتذر عن المقال......، أما التعديل والإضافة فلا مانع، وأظنه وجد عليّ في نفسه، قد يقرأ كلامي ذلك الشخص.. فأقول لابد أن نعرف أن هذه مواهب وهبات من الله، فهذا تاجرٌ ناجح وهذا كاتبٌ بارز وهذا عالمٌ متبحر وذلك مسؤول متألق.... إلخ

فينبغي علينا أن نكتشف مالدينا من مواهب، حتى ننافس الآخرين، لا أن نستأجر مواهبهم (فإن النائحة المستأجرة ليست كالنائحة الثكلى) ومازلت أستغرب لماذا يريد البعض من الناس الظهور ولو من طريق الكذب.. المهم عندهم الظهور!!

كثيرون هم الذين كذبوا على الناس فأخذوا أموالهم، أو تزوجوا بناتهم، أو أظهروا الصلاح.... إلخ

ولئن كذب بعض الرجال، فإن أكثر النساء يكذبن، فمنهن التي تدعي أن زوجها صعب المزاج، قليل الكلام، نادر الأسفار بها ومعها، شحيح المال، لايحقق كثيراً من رغباتها، والحق أنه سهل طلق سخي كثير المزاح، قد طاف بها البلاد، ولكنه الكذب وكفران العشير، ولئن كان الكذب بالأقوال فإنه يكون بالأفعال وقد يجمع الكاذب بينهما، وأعظم الكذب على الله ورسوله، ومنه شهادة الزور واليمين الغموس واختلاق القصص والأخبار وكذب المنامات...وأخيراً أنقل لك بعضا من أمارات ودواعي ومضار الكذب، من كتاب نظرة النعيم فإليك هي:

من أمارات الكذاب:

1- أنك إذا لقنته الحديث تلقنه.

2- أنك إذا شككته تشكك.

3- أنك إذا رددت عليه قوله حصر وارتبك وغيرها.

و دواعي الكذب كثيرة منها:

1- اجتلاب النفع واستدفاع الضر.

2- يرى أن حديثه مستعذب.

3- يريد صرف وجوه الناس إليه.

4- أن يقصد التشفي من عدوه.

5- أن يكون الكذب عادة ً حتى ألِفها.

وأخيراً مضار الكذب منها:

1- وسيلة لدمار صاحبه أمماً وأفراداً.

2- قد يؤدي بصاحبه إلى النار.

3- سراب يقرب البعيد ويبعد القريب.

4- يذهب المروءة والجمال والحياء.

5- الكذاب لص يسرق العقل كما يسرق اللص المال.

6- الكاذب مهان ذليل.

7- احتقار الناس له وبعدهم عنه.

8- يمقت نفسه بنفسه ويحتقرها.

9- دليل على خسة النفس ودناءتها.

وإلى اللقاء.

*مساعد المدير العام لفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة القصيم


 


صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد