Al Jazirah NewsPaper Monday  09/02/2009 G Issue 13283
الأثنين 14 صفر 1430   العدد  13283
سكيرينه

 

كتب - محمد بن عبدالعزيز الفيصل:

إذا كان الشعر هو الذخيرة (الحية) التي تحرك المعيار (البشري) الذي يمكن من خلاله التعرف على أذواق البشر المتباينة والمتفاوتة طلباً ورغبة؛ لتحكم على النص حكمها الذوقي الخاص الذي يندبه إلى أعلى عليين أو إلى أسفل سافلين, فإن جزءاً حياً من هذه الأذواق قد انتقل بخفة ويسر إلى تلك الفنون الأدبية المجاورة أو المنافسة للشعر -إن صح التعبير- فأصبح من الصعب الولوج إلى تلك الأذواق (المتلونة) لإقناعها على الأقل بقراءة تلك المقطوعات الأدبية بغض النظر عن جنسها.. رواية أم قصة أم شعرا؛ ولكن فئة من تلك الأجناس استطاعت وبكل اقتدار أن تجبر تلك (الأذواق) على قراءتها، والاستمتاع بالتنقل بين عباراتها وفقراتها.. لماذا؟ وكيف؟.. هذا هو السر الذي عجز عن فك طلاسمه أكبر النقاد وأعتاهم قوة, قد تفسر وتحور تلك الجاذبية بتعابير متفرقة (متنوعة) ولكن دون جدوى ستظل تلك الجاذبية مجهولة الهوية, وفي هذا السياق يحضرني حديث أستاذي د.عبدالله الغذامي عندما سألته عن هذا السر فقال لي: أحياناً يصعب علينا أن نسمي هذا السر الذي يتم به النجاح. وأقولها بصدق هذا هو واقع المجموعة القصصية (سكيرينه) التي صدرت للأخ والزميل المبدع تركي بن إبراهيم الماضي، الذي قد انتهى قبل أيام من حفل توقيعها للزوار بنادي الشباب بحضور وكيل وزارة الثقافة والإعلام الدكتور عبدالعزيز السبيل وجمع من المثقفين والأدباء.

خمس عشرة قصة متنوعة توجها الماضي ب(سكيرينه) تروي لك أخي القارئ بصوتها الدافئ الذي ينبض شموخاً وصدقاً نجدياً تعكسه تلك الزوايا الزجاجية المصنوعة من الفخار الناعم الذي لا يلبث أن يتلاشى عند أي محاولة للمسه، هذه هي طبيعة تلك المجموعة (سكيرينه) تدخلك داخل عالم مألوف ولكنه جميل تتوارى زواياه (الصامتة) عن الأنظار عندما تلحظ تلك الأطراف الناعسة التي تلحظها ببطء شديد.

عبق الماضي الممزوج بنفس الحاضر (المعاصر) سيكون وحياً من إيحاءات كل قصة من قصص سكيرينه الغائبة (ضمناً) والحاضرة (مضموناً).

يُصَدّر تركي الماضي المجموعة بالقصة الأولى (صورة صغيرة) المنشورة بمجلة الجيل قبل عقدين من الزمان سطرها القاص عندما كان عمره ستة عشر ربيعاً, تليها قصة (محاولة لكتابة شيء..لأي شيء!!) يصور خلالها مراحل الألم المر (اللاإرادي) الذي يعتصر الكاتب عندما تلوح أمامه الأفكار هائمة في الأفق فلا يستطيع دونها شيء ويشير إلى الحالة الانفعالية التي تنتاب الكاتب بين الفينة والأخرى من خلال سرده لتلك الأحداث المتوالية والمتعاقبة التي تعطي القارئ انطباعاً خاصاً له دلالة رمزية عميقة ممعنة في الوصفية تكرسها كل تلك الأحداث التي يود من خلالها القاص أن يصف الحالة النفسية والشعورية للبطل الضمني في هذه القصة القصيرة، ومن سيقرأ هذه القصة من الكتاب وأصحاب الأقلام فسيعرف تلك الحالة جيداً، وإني على ثقة بأنه سيُفاجأ بهذا النص الذي استطاع أن يتجول داخل شعوره وخيالاته الخاصة.

(ما قبل النوم) قصة تصف تلك الحالة المجزوءة من الزمن وكيف تتزاحم خلالها هذه الكمية الهائلة من الأفكار والأفكار والأفكار.. الهائلة والمشوشة التي قد يتعذر على الواحد منا تذكر ذلك الجزء اليسير منها فكيف برسمها ومزاوجة أحداثها لتكون كالعقد الدرّي! وفي هذه القصة أيضاً نلاحظ تزاحم الأحداث واندماجها رغم الفارق الكبير بينها ولعلها الطريقة (الخاصة) التي يستخدمها الماضي للوصول إلى الحبكة بأسرع وسيلة كانت وبالطريقة التي تسير بالقارئ بهدوء شديد هو أقرب إلى الصخب منه إلى السكون وفجأة يصطدم القارئ بالعقدة فتنتهي عندها القصة, ولعلها الوسيلة الأبرز والأسهل -في نظري- لتوصيف واقع الحال في هذه القصة؛ لحظة الاستيقاظ من النوم الخفيف أو الذي نسميه النعاس.

أختم ب(كغثاء السيل) هذه القصة العميقة التي يمكن أن أصفها بالسهل الممتنع أو (ببعيدة المنال) ففيها يصف الخيال بالخيال ويمعن في تكريس تلك الشخوص التاريخية بمزج متقارب يشيح تارة إلى واقع الخيال وتارة أخرى إلى واقع النص المنشود, السادات.. أمل دنقل.. خالد بن الوليد.. صلاح الدين, أبطال التاريخ كل أولئك ساروا في أحقاف الماضي (كغثاء السيل). ويمزج خلالها بين أحداث التاريخ والواقع الحي (المر) المعاصر فلا يجد أمامه سوى الذكريات السلاح الذكي الذي يسعفه عند أي محاولة للاختناق أو حتى الانتحار!! في جحيم (جوانتانامو), لتطير في النهاية كل هذه الكوابيس في وجه الريح وبسلاح عتيد سيف خشبي (رهيف) يمكن أن يرسم بأدنى حركاته وجهاً عبوساً لتاريخنا الأبدي.

هل هو المذاق خاص أم النكهة الأدبية القصصية النادرة.. لا أعلم ولكنها القدرة الجميلة التي تزين قلم تركي الماضي وفقه الله.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد