Al Jazirah NewsPaper Monday  09/02/2009 G Issue 13283
الأثنين 14 صفر 1430   العدد  13283
من القرآن إلى البرهان..
رحلة مفكر عبر تاريخ الأمة

 

صدر عن الجمعية الخيرية الصالحية في عنيزة كتاب قيم للدكتور حمد المرزوقي بعنوان (من القرآن إلى البرهان).

عرض د. المرزوقي في مقدمة الكتاب أسباب وظروف تحولاته الفكرية، ولأهمية ما جاء في المقدمة، سنحاول التركيز عليها في عرض الكتاب لأنها باختصار عرض لمسيرة د. المرزوقي الفكرية.

في البداية تطرق المؤلف إلى البدايات بقوله: قبل ما يقرب من نصف قرن تقريباً، كتبت سلسلة مقالات في جريدة الجزيرة السعودية الصادرة في الرياض، أنعى فيها الغياب الحضاري لأمة ذات حضارة عريقة، وأعني بها الأمة العربية والإسلامية، وأعتقد أن ذلك كان بين العامين (1384هـ) أو (1385هـ) واعتبرت حينذاك (مدفوعاً بحماس الشباب) أن الحضارة الإسلامية الأساس والأصل للحضارة المعاصرة، ومنذ ذلك الحين وقضية (النهضة) و(التخلف) تشغل الحيز الأكبر من تفكيري وتعبيري، وقد تجلى ذلك واضحاً في كتبي السابقة، وأعترف أنني التمست المخرج من المأزق الفكري والمنهجي في الثورة المعرفية المعاصرة، وتبدى لي أن الطريق الوحيد هو النهج الذي سارت عليه الدول المتقدمة في الغرب أو الشرق، وكان موقفي دائماً هو البحث عن صيغة حضارية تخرج الأمة من حالة تخلف وانكسار وهزيمة حضارية تعيشها منذ قرون.

في عقد (الستينيات) الميلادي، كان لدينا حلم وهدف وتفاؤل بنهوض للأمة، وجاءت الأحداث السياسية الكبرى في تاريخنا المعاصر، تكشف لنا أن (الحلم) مجرد (وهم)، وأن أولئك الذين كانوا يبشرون بالحلم لم يكونوا في مستوى التحديات التي تعيشها الأمة، وجاءت نكبة حزيران، والحرب الأهلية في الأردن، وحرب أكتوبر، ومعاهدة كامب ديفد، والحرب الأهلية اللبنانية ثم أزمات الخليج المتتالية، ثم احتلال العراق..؟!

وأمام كل منعطف هزيمة، أقف حائراً في محاولة جادة للبحث عن جوانب للحقيقة.

في (ضيعة) في المتن الشمالي في لبنان، كتبت خلالها كتابي (أفي الله شك)، وكنت خلال تلك (الفترة) كلما شعرت بالوحدة أو الألم لما آلت إليه حال الأمة، ألجأ إلى القرآن الكريم، أتلوه بخشوع وتدبر؛ فأحس بتجاوز لحالة الضيق، واكتشفت ومع الأسف في وقت متأخر من حياتي الثقافية، هذا النور الإلهي، فهو ليس شفاءً للنفس فحسب، بل أيضاً يجيب عن تساؤلاتي بوضوح، ومع مداومة قراءة القرآن انتظمت في ذهني معان واضحة لسنن الله في هذا الكون، (قوانين الطبيعة والاجتماع)، وبدأت أرى تاريخ الأمة، وعالمنا المعاصر في ضوء هذه (السنن) التي تجسد حكمة الخالق ووظيفة المخلوق، وهذا الكتاب هو محاولة قراءة لهذه السنن في أوقات النصر وزمن الهزيمة.. وهي كما ترى قراءة تاريخية تنتهي بسقوط الدولة العباسية تحت سنابك (المغول وأقدامهم).

ثم ينتقل المؤلف إلى الحديث عن عقد السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي فترة التحولات ويذكرها بقوله: في عقد السبعينيات الميلادية، صدر لي كتاب (أوراق وطنية) تضمن محاولة جادة لاستخلاص منهج يعين على تفسير ما نحن فيه وما نعانيه من هزائم روحية وحضارية وأخلاقية، والقارئ لذلك الكتاب يدرك وللوهلة الأولى تأثيرات هيجلية، مع تأثر بالمادية الجدلية، وبصفة عامة، فالكتاب كان ينتمي إلى فكر اليسار، عندما كتبت الكتاب، كنت وقتها أقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وكنا بعد حرب أكتوبر نعاني من أشكال الدعم الغربي لإسرائيل وما يقدمه الفكر الصهيوني وأنصاره في الساحة الأمريكية من دعاية منظمة ضد كل ما هو عربي، إنساناً وديناً وثقافة وتاريخاً وهوية، وبالمقابل، كان الاتحاد السوفيتي يدعم الحق العربي ويتخذ موقفاً سياسياً مناهضاً للعدوان الإسرائيلي، ولعل للموقف السياسي آنذاك.

في عقد الثمانينيات الميلادية، دخلت (إسرائيل) بيروت، وخرج ياسر عرفات ومعه فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى منفى جديد، واشتعلت الحرب الإيرانية - العراقية، وجاءت (البيروسترايكا) يطرحها (غورباتشوف) مخرجاً لأزمة نظام يحتضر، وفتحت آفاق لتساؤلات جادة حول طبيعة الدولة السوفيتية، وتكشفت للعالم أخطاء وأوهام ذاعت وشاعت، ثم تبين لنا أن المسار السوفيتي من أكثر الأخطاء البشرية في عصرنا الحديث.

كانت حرب الخليج الأولى مغامرة غير محسوبة وغبية، وبصفة عامة غير مبررة سياسياً وأخلاقياً، ثم جاءت حرب الخليج الثانية، (احتلال الكويت وما تلاه، عاصفة الصحراء)، وكانت صدمة عميقة لنا جميعاً أنها من أكبر الأخطاء الإستراتيجية في تاريخنا المعاصر، وما نعانيه اليوم كعرب هو نتائج وذيول لما آلت إليه الأحداث بعد حرب الخليج الثانية.

وتوقفت فترة للمراجعة، صدر لي وقتها وفي عقد (التسعينيات الميلادية) كتاب (الجنون العاقل)، وكتاب (سفر الخروج) وفي الكتاب الأخير يلمس القارئ معاناة من نوع مختلف إذ يكشف الكتاب عن معاناتي كباحث في العلوم الإنسانية، وذلك عن طريق عرض تجربتي الذاتية كمختص في الدراسات النفسية والتربوية، وفي الكتابين معاً هروب من مأزق السياسي في تكويني الفكري، إلى مأزق المعرفي في ميدان تخصصي، ومع هذا، فإن البحث عن منهج نفسر به الأحداث من حولنا كان رائدي دائماً منذ أن وعيت على الأسئلة الشقية والصعبة في داخلي.

ثم يتحدث المؤلف عن أهم كتبه (أفي الله شك) وهو بداية المراجعة لمسيرته الفكرية ويقول: في آخر كتاب كتبته: (أفي الله شك) حاولت عبر تجربة ذاتية بحتة، أن أتعامل مع الأسئلة التي يحاول البعض أن يجعل منها محوراً يدور حوله عندما يأتي الحديث عن (الدين)، وأحمد الله الذي وفقني في تلك الفترة إلى مراجعة ذاتية عميقة، لقد أحسست طعم الإيمان وروعته، وزالت من ذهني تساؤلات بقيت مضمرة ومستترة حول الدين، ووجدت في تطور العلم ما يعزز قناعة الإيمان، ثم وفي الفترة نفسها اكتشفت نور القرآن في داخلي، فشعرت بالسلام الداخلي العميق الذي لم أشعر به طيلة حياتي، والحديث عن هذه التجربة ليس هذا مكانها، فهي عميقة وغنية وروحية بامتياز.

الإيمان (نور) يغمر قلب المؤمن فيرى من خلاله مشاهد الخلق وعظمة الخالق، والذي لا يستشعر حلاوة الإيمان يصعب عليه أن يستشعر هذا النور، فيشعر بالسكينة والاطمئنان.

إن قلق المعرفة لمن تعذبه الأسئلة الشقية والصعبة هو من أشرس وأقسى أنواع القلق عذاباً، وليس هناك ما يساوي لذة الشعور بالأمن عندما تشعر أن الله سبحانه وتعالى يخاطبك مباشرة في كتابه الكريم، وتجد في الوقت ذاته - الإجابة عن الأسئلة الكونية الصعبة التي انشغلت بها وعلى مدار عقود من الزمن، إن نعمة الإيمان لا يساويها نعمة أخرى في هذه الحياة، فإذا قست عليك الحياة فزعت للقاهر فوق عباده الرب الرحيم والرؤوف والمنعم، وإذا حققت هدفاً من أهدافك، شكرت وتواضعت لعظمته، وحمدته على توفيقه وإحسانه، والمؤمن الذي يقرأ القرآن بتدبر ووعي، يدرك أن الحياة الدنيا في جوهرها (ابتلاء) - أي اختبار-، اختبار لإرادتك في قمع نوازع الشر في داخلك، وترويض الشهوات، وتجنب فتنة الشبهات والشهوات، وهي أيضاً اختبار لأخلاقك وخشيتك وخوفك وطمعك فيما عند الله، فإن أوذيت احتسبت ذلك عند الله، وإن أنعم عليك، حمدت الله وشكرت، هذا التوازن المذهل لا يعلمه ولا يحسه ولا يستشعره إلا من عاش حياتية وهو مؤمن بالله حقاً.

ولكن الإيمان بالله يتضمن مسؤولية كبرى، فالمسلم مكلف ليس بنقل الرسالة الإسلامية فحسب، بل أيضاً بالدعوة إلى الإصلاح، وتصحيح الأخطاء، والإسهام في تحقيق الرسالة كل حسب قدرته وإمكاناته، ولذلك، فإن ضعف الإيمان وسوء فهم هذا الدين الإسلامي العظيم، من أسباب هزيمة أمة كلفت بالدعوة والتبليغ، وفي الوقت نفسه تخلت عن رسالة (العدل) لتحول الدين إلى شكليات لا قيمة حقيقية لها، فتخلت عن الجوهر وتعلقت بالقشور، أو خرجت متأثرة بمذاهب أخرى غير إسلامية، فزاغت، فأزاغ الله القلوب.. (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم).

ومن هنا أصاب الأمة الضعف والهوان والهزيمة، إنك لا تستطيع أن تبلغ رسالة، ما لم تكن أنت (مجتمعاً ودولة) متمثلاً هذه الرسالة في نظمك السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، فإذا لم يشاهد الآخرون ذلك، فإنهم لن يستجيبوا لدعوة لم تطبقها الأمة في حياتها.

ثم بعد ذلك يتحدث المؤلف عن فكرة هذا الكتاب الذي بدأ بمشروع محاضرة وانتهى بمشروع كتاب قيم.. فيقول عن ذلك: لقد كانت فكرة هذا الكتاب محاضرة ألقيت في مركز ابن صالح الثقافي في مدينة عنيزة، في نهاية العام الماضي، وعندما شرعت في إعداد المحاضرة تبين لي أنها بحاجة إلى توسع لكي نبرهن على فروض كنت قد أعددتها محاور للمحاضرة.

كان العنوان الرئيس للمحاضرة يدور حول سؤال مهم، ما الذي جعل العرب - وهم على ما هم عليه من بدائية وضعف في الإمكانات - يتمكنون خلال عقدين من الزمن من أن يسقطوا أكبر إمبراطوريتين في التاريخ آنذاك (الروم والفرس).

كان العرب قبل الإسلام معادلة صفرية في السياق العالمي؛ قبائل متنافرة ومتقاتلة ووثنية، ولهم من دون شك فضائل أخلاقية، مثل ما عرف عنهم من المروءة والكرم والوفاء بالعهد، ولكن هذا السلوك الفردي يقابله تعصب وتشرذم، فلما جاء الإسلام تحول هؤلاء الأعراب إلى دعاة هداية وخير، ثم تمكنوا من إقامة إمبراطورية كبرى وأقاموا حضارة متميزة بعلمها وأخلاقها.

إذا كنت أيها القارئ، ممن يؤمن بأن القرآن الكريم هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فإن الإجابة عن السؤال السابق سهلة، وقد أجبت في الفصل الأول من هذا الكتاب عن هذا السؤال الهام، وأقول هنا باختصار، الله سبحانه وتعالى يقول في محكم التنزيل {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} (47) سورة الروم، وفي سورة غافر الآية 51 يقول سبحانه: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}، فالنصر مرتبط بالإيمان، والإيمان قول وعمل، عقيدة وسلوك.. ولذلك انتصرت الدولة الإسلامية الأولى، وعندما انحرفت الأمة كلها، هزم الأحفاد ودخل المغول بغداد.

وعندما جاء الملك الصالح العادل (صلاح الدين الأيوبي) وسلك سلوك المؤمن، انتصر وفتح القدس، والنماذج (نماذج النصر والهزيمة) هي ما يحاول هذا الكتاب أن يشرحه.




 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

رأي الجزيرة

صفحات العدد