أضواء تحرك في الليل أشجانه
|

ما ان تقع عيوننا على هذه اللوحة المميزة للفنانة التشكيلية الأميرة اضواء بنت يزيد حتى ندرك ان زمناً
قد تحرك، وأدخلنا في قلب الليل، وأن ثمة تياراً يسري في البدن يزيح منه عوالق مدركاته الحياتية
وترسباتها - تيار يسري في البدن - مع الليل القادم - يزيح عوالق الحس وبقاياه ويفقه شروط الليل
ومشاعره,, السكينة والشجن,, انفتاح كل ابواب الذاكرة على مصراعيها، رغبة التذكر لكل شيء، لكل مبهج,,
كأن الإنسان من طبيعته ان ينشغل او يتشاغل عن الهموم والهواجس في النهار ويسلم نفسه لتذكرها في
الليل,,!، هذا شرط أول من شروط الليل، جعل الشعراء يرون الليل كموج البحر، أو ان الليل فذ مد ألف
جناح فإن ارهقهم إلحاح التذكر وأوجاعه,, خاطبوه: ألا ايها الليل الطويل ألا انجل شرط من شروط اليل
جعله في كل اشكال التعبيرالأدبي والفني ملاذاً للمتعبين واستجارة للمؤرقين تلخصها تلك الصيحة
الوجدانية التي انعقدت عليها فطرة شعبية ساندت الحكايا الأسطورية كذا تبدأ علاقتنا بلوحة الأميرة
أضواء، بانخراط عفوي في هذا التيار، الليل وتداعياته، حتى قبل ان ندقق في ماذا يكون موضوع اللوحة
هنا ايضا تبدأ وقفتنا مع اللوحة, كعمل فني اولاً قبل الدخول الى موضوع اللوحة، اي لوحة، قبل ان تمتد
إليها يد الفنان، سطح ابيض، بداخله,, أوخلفه - يرى الفنان مالاتراه عيوننا نحن نرى أشكالاً والوانا
وعلاقات وهموماً يحجبها جميعاً هذا الابيض الحجري، يرى مارآه سقراط في قلب كتلة من الصخر، أسداً
حبيساً دعا الفنان ان يحرره بإزميله ومطرقته لكن مشكلة الرسام ومهمته أشد صعوبة وهو لايملك الإزميل
والمطرقة، ولايواجه كتلة يختبىء فيها الأسد، بل يواجه سطحاً بلا عمق عليه ان يشق داخل سماكته التي
لاتزيد عن ملليمتر واحد طريقا يمتد أميالاً، وانهارا تجري، وبيوتاً مغلقة على الأسرار أو مفتوحة على
الضجيج,, عليه ان يكشف عن حياة كاملة بألوانها واصواتها وزمنها عبر تلك الطاقة الضيقة لمساحة لوحة
بيضاء,, الفرشاة المغمورة باللون التي يضرب بها الفنان وجه اللوحة لاتضيف لوناً إليه و شكلاً، بل
تبدد الابيض في جانب منه لتكشف عن الشكل الخبيء، وما ان يزيح الفنان كل الابيض ويراجع وضع الأشكال
التي كشف عنها، حتى يطلق صافرة البدء وهو يمسح فرشاته، فتنطلق الأشكال في الحركة، كأنما استيقظت من
سباتها العميق، وتبدأ في الكلام والتعامل، مضيفة قطاعاً امتدادياً جديداً للحياة,
لكن فرشاة أضواء بنت يزيد لم تكن تزيح الأبيض من سطح اللوحة كمن يزيح ستاراً لنافذة ليصل الداخل
بالخارج ضمن زمنه الواحد ولم تكن تنقب عن الأشكال والشخوص وتكشف عنها، وإنما كانت - او هكذا ارادت -
ان ترود محالاً ضاربا الاستحالة، وتحقق منجزاً مبهراً في هذه الريادة, كانت تزيح الابيض عن ثلاثة
عناصر تستحيل على الإدراك الحسي في الحياة، لتقبض عليها في الفن,, الأول هو الزمن الذي يتمدد على
طول المسافةبين حديه، حده المحدود المتمثل في زمن الموضوع في اللوحة والشامل للتاريخ كله, وفي مواجهة
هذين الحدين للزمن، هناك بعد ثالث لزمن ثالث تردنا الفنانة إليه باشعارات ذكية، هو زمن الحاضر،
لحظتنا التي نطل منها على الليل وعلى التاريخ لنرى اللوحة,,
الزمن هو العنصر الأول الذي أزاحت عنه الفنانة اضواء صلابة الابيض والأخلاق هي العنصر الثاني
والفكر أو المعنى هو العنصر الثالث ولنر كيف,,
الليل هو اول ماقدم نفسه الينا في اللوحة، ووجه دعوة باتساع اللوحة للدخول إليه، دعوة مرحبة ومباشرة
وآسرة، إذن سرعان ما اصبحنا في قلب الليل، مفعمين بشجونه ومشاعره، ونحن نقرأ أول كلمتين من نصف بيت
شعري ياليل خبرني وش اخبار اهل نجد؟! لكن ذلك الشجن يحملنا دون ان ندري في قفزة زمنية واحدة طولها
مائة عام حين ندرك مع بداية تأمل عناصر اللوحة، اننا نقف مباشرة وراء القائد المؤسس الملك
عبدالعزيز، لايفصلنا عنه نصف متر، ونسمعه يفضي بأشجان ياليل خبرني التي ان قرأناها بصوت مرتفع صرنا
نرددها معه في نفس زمنه، أو صار يرددها معنا في نفس زماننا وهذه وسيلة فذة من الفنانةلربط الزمن،
في ماضيه بحاضره، او في حاضره بماضيه، فمن وجد واجد ,, هذا الحاضر الماثل، جلالة الملك عبد العزيز
الذي نقف خلفه على مسافة نصف متر نطل معه من حيث يطل من فوق قصر المربع,, من زمنه حين نردد معه
نداء الليل ومن زماننا حين يرى هو معنا بعض ما انجزناه ونعيشه واقعا حاضراً,, هذا الحاضر الماثل
نعلم انه قد مات جسداً - يرحمه الله - وندرك الآن اللحظة امام اللوحة ، انه لم يمت فكرا ووجداً,,
هاهو نقف خلفه ونسمعه في نداء الليل مشحوناً بكل خلاياه بهموم الوطن وهواجسه,, لو أنصتنا قليلا
لسمعنا تنفسه وزفرة الرضى والراحة وحمد الله ان تجري احداث الحاضر على قياس تفاصيل الحلم الذي كان
قد نسجه للوطن,, ارأيت كيف ان الفنانة قد كانت تزيح الابيض في سطح لوحتها عن محالها الثاني، عن
تصوير الاخلاق لا الاشكال,, فهاهو الراحل حياً في زماننا يشاركنا عز الحاضر واطمئنانه مثلما شارك
الناس في عهود كل الذين خلفوه,, وتلك هي اخلاق بطل أخلاق ليست كصفات كل الزعامات السياسية التي
يعرفها التاريخ,
إن طالت وقفتك قليلاً امام اللوحة بدأ هذا العنصر الثالث الفكر يتراءى للعين مؤكداً وجوده في ذلك
التدويم بظلال الأبيض وسط اللوحة، تدويم للفكر، في رأس المؤسس وفي رؤوسنا، يربط مابين عينين،
إحداهما للمؤسس ترى معنا مانراه نحن بالأخرى، أو ان كلتيهما - العينين معاً - له ولنا في آن واحد،
نرى مايراه، او نرى في زماننا ما ارتآه في زمنه او ننصبهما - نحن وهو - شارة وعلامة للقسم والعهد
بأن رؤانا واحدة، ودربنا واحد، يتكشف عبر عينين اثنتين لنا وله,
تسمو اللوحة على كونها لوحة او قصيدة او ملحمة او مقالا رائق الرؤية صافياً في اطروحاتهم الفلسفية،
تسمو على ذلك كله بمادتها المصوغة منها، فهي لاتستعين بألوان الرسم بل بلون الليل والفكر، ولاتنسج
اشكالها من رؤية العين بل من مدركات الحب والمشاعر، ولاتتحدث عن صخب أو تدفع بالمشاعر الى الاستثارة،
وإنما تهيء الوسط فحسب، الذي تجول فوق المشاعر على راحتها، تتواصل وتتوحد دون ضجيج,, لوحة تسمو
على مكانة اللوحة وبالتالي لايليق ان تكون موضوعاً للتداول وإصدار الأحكام وتوجيه الجوائز,, لوحة
أضواء بنت يزيد تدعونا الى محاولة أخرى للاقتراب بعد هذا الاستهلال,
ريمة المبارك
|
|
|