الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السياراتالجزيرة
Monday 31th July,2006 العدد : 164

الأثنين 6 ,رجب 1427

أساطير العنف الجديدة (1)
فاضل الربيعي

عندما زار رالف والدو إميرسون مدينة مانشستر عام 1748م كتب في صحيفته قائلاً: إن على الأسطورة الحديثة أن تكون صناعية وميكانيكية وعلاوة على ذلك أن يصبح أبطالها: آستور، فولتن، آرك رايت..الخ... لقد كان إميرسون يبحث عن قديسين علمانيين لعصر دنيوي.
هاري ليفن
(انكسارات: لندن - نيويورك 1980)
بعد وقت طويل من الجدل في مختلف الأوساط، يبدو من الواضح أننا لم نتمكن بعد من فض النزاع الأبدي بين الأسطورة والخرافة. ومع أننا نعيش في مجتمع عربي معاصر يعج بالأساطير والخرافات، وهي أشياء تسطع بقوة تمايزها وافتراقها عن بعضها البعض، على مستوى الإرسال والتلقي والدلالات، فإنه لمن النادر رؤية من هو قادر بالفعل، حتى من بين الكتاب والمثقفين، على التمييز بدقة كافية بين مفهوم الأسطورة ومفهوم الخرافة.
إن فض هذا النزاع يتطلب من الباحث، لا الأدوات والمناهج الدراسية ولا القدرة النظرية على تحليل المعطيات وعرضها بشكل صحيح وحسب، وإنما بقدر أكبر من كل ذلك، يتطلب تحديد التخوم والحدود المفهومية بين الأسطورة والخرافة، وإلى الدرجة التي يمكن فيها تنشيط الخيال وتحريره، وبما يساعد القراء والمتلقين على إتمام عملية تفكيك تلقائية أثناء القراءة.
إن ذلك القدر من التشابك أو التلازم بين المفهومين في ثقافتنا وفي مجتمعنا العربي المعاصر، يستدعي مثل هذا التفكيك بوصف هذا العمل استطرادا في سلسلة من أشكال التفكيك الأخرى الضرورية، للتصورات والرؤى والمفاهيم التي تتلازم وتتشابك مع بعضها البعض.
وإذا كنا قادرين حقا على إعطاء تمييز نهائي وحتى حدود ذهنية مقبولة، تساعد في الفصل بين مفهومي الخرافة والأسطورة، فإنه لمن المتعذر مواصلة هذا التمييز على مستوى المفاهيم الأخرى مثلا: فصل الدين عن الأسطورة وإعادة تركيب الرؤى والصور الدينية بوصفها نسقا ثقافيا خاصا ومستقلا عن أنماط موازية من الخطاب الأسطوري الشعبي، أو تفكيك العلاقة بين المثيولوجيا والسياسة، ثمة إلى جانب ذلك شكل آخر من أشكال النزاع بين المفاهيم السائدة في العالم العربي، بعضها يتسم بطابع أزلي مماثل، قد يصعب أو حتى يستحيل معالجته بسهولة مثلا، التداخل بين مفهومي العنف والضحية.
إن العنف غالبا ما ينازع الضحية على امتيازها الاستثنائي (بما هي ضحية مقدسة) تماما كما تتنازع الأسطورة مع الخرافة والجريمة مع البطولة والدين مع المثيولوجيا.
إن هذا التنازع غير مرئي، ولكن الذي يصادفنا مع ذلك في كل لحظة من لحظات حياتنا، هو الذي يتيح للمفاهيم أن تلتبس وتتداخل، فيبدو الدين مثلاً، نوعاً من مثيولوجيا بلغت ذروتها من حيث متانة بناها السردية، وإلى الدرجة التي تبدو كما لو أنها حققت قدراً رفيعاً من قوة التأثير على الجموع، فيما تبدو المثيولوجيا، على العكس من هذا، نوعاً نيئاً وفطرياً من دين. ولنقل من دين ظل نيئاً بتعبير شتراوس أو ناقصاً، فلم يبلغ بعد ذروته القصوى، أي لم يتمكن من تأسيس سردية قادرة على التأثير في الحشود. ولما كانت للأسطورة قوة إرسال دلالي، تجعل من إغراء السرد وجاذبيته أمرا تفتقد إليه بنى الخرافة، فإن النزاع بينهما سيظل محصوراً في هذا النطاق. هذا هو الامتياز الاستثنائي للأسطورة في نزاعها المرير مع الخرافة، وذلك هو امتياز الدين على المثيولوجيا، والبطولة على الجريمة والسياسة على الأساطير.
إن السياسة (والفكر السياسي السائد في العالم العربي) ليسا تماماً حقلاً نظيفاً صافياً وخالياً من المثيولوجيا، وأنهما على الأرجح الحقل الوحيد الذي وجد فيه الخطاب الأسطوري مكانة لائقة ومنزلة متفردة فيه. هذا التداخل المدهش وغير المرئي بين السياسة والمثيولوجيا هو الذي يطبع بطابعه كل أساس محتمل للنزاع بين المفاهيم. وسيكون مفيدا وفعالا بصورة لا توصف، أن يتمكن القراء غير المتخصصين من أن يستنبطوا ما أمكن ذلك، كل ما هو جوهري من هذا النقاش وتوظيفه بالطبع في خدمة أفكار أخرى أعم. إن السجال حول العلاقة بين المثيولوجيا والسياسة، في مجتمع عربي معاصر يعج بالخرافات والأساطير كما يزعم، يمكن أن يُرى إليه كاستطراد في سجال بمستوى آخر وأدوات أخرى حول الفكرة ذاتها، النزاع الأبدي بين سلطتين، ولنقل بين نوعين أو تجليين من تجليات السلطة تماثلا إلى حد بعيد في أشكال سيطرتهما على الجمهور، وحتى في أساليب الهيمنة عليه واحتكاره:
الأول: سلطة الخطاب الأسطوري القديم المستمر باستمرار المجتمع.
والثاني: سلطة الفكر السياسي الجديد والحداثي (جزء كبير من هذا الفكر الذي يبدو جديداً وحداثياً يستمد بعض مرجعياته من الماضي أو بات أسيراً لها).
اليوم يصبح الأمر مثيراً بصورة محزنة حين نرى شعراء حداثيين وكتاباً وأساتذة فلسفة وأدباء، ممن يقدمون أنفسهم للمجتمع كقادة لتيار الحداثة في الثقافة العربية، وقد تصرفوا كطائفيين يكرسون كل مهمتهم في نقطة واحدة: الدفاع عن تاريخ مثيولوجي لنزاع ملتبس في الإسلام. هؤلاء يتصرفون في الواقع كزعماء فكريين لطوائف متنازعة بأكثر مما يتصرفون كقادة حداثيين للمجتمع كله. وهذا وجه آخر من وجوه المفارقة في تداخل المفاهيم. في هذا النطاق يتضح بجلاء أن شكلا آخر من النزاع يبزغ اليوم في مجتمعنا العربي المعاصر بين المثيولوجيا والحداثة، وكما أن من المحال رؤية أسطورة صافية خالية مما يبدو خرافات، فإن لمن المتعذر كذلك رؤية خرافة صافية خالية من أي أثر للأساطير. والحال هذه، فما من فكر سياسي صافٍ في مجتمعنا المعاصر خالٍ من المثيولوجيا والعكس صحيح. كان هاري ليفن يردد فكرة معدلة مُستلهمة من فكر شتراوس تقول، إن الجنس البشري شب عن الطوق (طور المراهقة الأولى) وأنه قادر على المضي قدما دون أساطير.
بيد أن هذا الأمر لا يبدو محتملاً حتى اليوم، فالمجتمع البشري ما يزال برغم تقدمه التقني الهائل، يحث الخطى على طريق إنتاج وخلق أساطير جديدة، هي في خاتمة المطاف أساطير الماضي المنقحة، وعلى مستوى الأدب يمكن للنقاد أن يلاحظوا الكيفية التي يصبح فيها الواقع أسطورياً، أكثر فأكثر مع انتصار التيارات الجديدة في الرواية، فيما تغدو الأسطورة نوعاً من واقع (وهذا ما سوف يزعزع أركان الفكرة الخاطئة عند بعض مثقفينا بأن الأسطورة شيء مماثل للخرافة).
ولذلك سأركز ملاحظاتي انطلاقا من فكرة الترابط هذه بين ثلاثة أسس ناظمة للحياة العامة في مجتمعاتنا: العنف، التضحية، السيطرة على الجموع، وعلى أساس أن العنف والتضحية تلازما في الكثير من المجتمعات العربية المعاصرة بصورة عضوية يصعب تفكيكها، وكما برهنت التجارب التاريخية، فإن هذا التلازم أو ما يبدو في أنظارنا تلازماً، أضحى وثيق الصلة مع وجود فكرة راسخة لدى سائر الجماعات السياسية عن السلطة، وبشكل أدق مع تأسيس السلطة لمفهوم شاذ وغرائبي عن معنى الاستقرار والتطور والعلاقة بين الفرد والجماعة في المجتمع. لقد قامت فلسفة السلطة في المجتمع العربي الحديث، على نمط من تقديس العنف وتقديس التضحية في الآن ذاته. وهذا ما تمكن رؤيته بوضوح من خلال أطنان من الأدبيات السياسية والعقائدية، التي ميزت هذه الحقبة من التاريخ السياسي والاجتماعي، حيث جرى في مراحل مختلفة ومنذ الخمسينات تقديس فكرة استخدام العنف والضرب بيد من حديد، وفي الآن ذاته الحض على التضحية في سبيل المبادئ والأهداف الكبرى.
بيد أن هذا التقديس (لكائنين متنازعين هما العنف والتضحية) ارتبط غالبا وبصورة مطردة، بتطور فكرة الاستقرار نفسها عند سائر الجماعات السياسية وتحولها، من تصور سياسي عن أسلوب فرض السيطرة على المجتمع وإدارته، ثم تنظيم شكل الانتشار والتوسع الإيديولوجي فيه، إلى نظام ثقافي متكامل تلعب فيه أساليب السيطرة والرقابة على المجتمع دورا مركزيا مهيمنا، على هذا النحو يمكن ملاحظة الكيفية التي جرى فيها تعديل الفكرة الأصلية للاستقرار كما فهمتها هذه الجماعات، أي تحويل فكرة نشر الاستقرار إلى وسيلة لفرض الرقابة على المجتمع والسيطرة عليه. وبالطبع فقد بلغ هذا التطور ذروته مع تعاظم دور الحركات والجماعات السياسية إبان مراحل الاستقلال الوطني، وذلك حين جذبت حركات التحرر إلى صفوفها أعداداً متزايدة من الناشطين المؤمنين بأيديولوجية السيطرة الجديدة، التي ستحل فعليا محل سيطرة قديمة متآكلة ومنهارة تركتها التجربة الكولنيالية، أو هي خلفتها وراءها قبل رحيلها عن المستعمرات في الشرق العربي.
ومما يدعم هذه الحقيقة أن سعي هذه الجماعات إلى نشر الاستقرار السياسي في المجتمع، كان يرتبط بدوره بدرجة عالية من وضوح المقاصد، بتصور وحيد للوسائل التي تكفل نشر الاستقرار أو بلوغه. وُيلاحظ من تاريخ معظم الحركات السياسية في العالم العربي منذ الخمسينات، وحيث اشتدت معارك الاستقلال الوطني، وتساقطت أعداد هائلة من الضحايا في سبيل النضال ضد بقايا ومخلفات السيطرة القديمة أي الكولنيالية، ولصالح منظومة جديدة ذات طابع وطني، إن هذا الهدف (أي نشر الاستقرار) كان يتموضع كليا من الناحية الإيديولوجية والعقائدية داخل حيز من التصورات الجامدة، التي ترى في العنف، وليس السياسة والفكر، وسيلة مثلى لبلوغ الهدف. ومن نافل القول أن الكولنيالية الكلاسيكية وهي تتراجع وتهرب من المستعمرات، كانت تفرض على جمهور المناضلين في حركات التحرر الوطني وباستمرار، خيارا وحيدا للتفاوض حول الاستقلال (وعمليا: التفاوض حول التخلي عن السيطرة القديمة أو نقلها شكلياً لصالح سيطرة محلية جديدة قوامها طبقات وشرائح ونخب تغريبية) يقوم من بين ما يقوم على القبول بالعنف كوسيلة لتحقيق هذا الانتقال وبالفعل، فنادرا ما سمحت الكولنيالية في الشرق العربي، بأي تطور مستقل لنقل نظام السيطرة بوسائل سلمية من المستوطنين إلى القوى المحلية، ولم يجر فعليا أي انسحاب للجيوش المحتلة إلا بعد قتال شرس وضحايا.
الصفحة الرئيسة
فضاءات
تشكيل
الملف
الثالثة
مراجعات
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved