Saturday 19/04/2014 Issue 435 السبت 19 ,جمادى الآخر 1435 العدد

المسألة الثقافية السعودية

جدليّة التوازن المادي - الوجودي (1)

(أ)

ينطلق هذا الموضوع: (المسألة الثقافية السعودية: الواقع ومحتملاته وممكناته) من مرجعيّة مادية ترى الواقع مادة للفكرِ، والحقائق نتائج حركات الواقع وارتباطاته الداخليّة في جدليّات فوق ثنائيّة أسمّيها (جدل الفوضى الماديّة): وهو جدل متعدّد يتحرّك بموجب قانون النظام والفوضى، ويفرز في كلّ دورة ضروراته السياسيّة والاجتماعيّة وأخرى ثقافيّة ناجمة عن تقويم هذين الاضطرارين: فضرورات تفرضها الدولة لبقاء الدولة، وضرورات تفرضها مكوّنات الدولة لحماية المكوّن، ولذلك لا توجد حقيقة مطلقة خارجة عن مصداقية الواقع في حركته الماديّة؛ ومن هنا، فإنّ أيّ قراءة لحركة ثقافيّة في بلد ما، عليها متابعة وتحليل حركة الواقع نفسه والاستناد إليه، دون ذلك ندخل في متاهات فكريّة عدميّة.

وهذه الحال ليست بعيدة عن الحركات (أو الموجات) الثقافيّة في السعودية، لطالما بقيت في مراحل عديدة دون تأثير على الواقع، وخاصة تلك الحركات المثالية الكلاسيكية التي تنطلق –وعيت أو دون وعي- من تصوّرات مثاليّة مفادها: أنّ الفكرَ مادةُ الواقع، وهو ما يقودها إلى التورّط بوجود الحقائق المطلقة، أو الزعم بسلامة النظرية إذا فشل التطبيق، لأنّ الفكرَ في زعمهم أو في لا-وعيهم الثقافي مهيمنٌ على الواقع، وهو تيهٌ فكريّ يدّعي أنّه يؤثّر على الواقع بينما لا يقدر على الإتيان ببرهان على ذلك، وعجزه أنّه لا يستند إلى الواقع في مشاريعه وتصوّراته وافتراضاته، ثمّ يتساءل: لماذا فشل التنوير؟ لماذا غاب المثقّف عن حداثة الدولة؟ لماذا تضخّم التطرّف والعنف؟ ومجموعة هذه الأسئلة جميعها تنصبّ في تأكيد عدمية الفكر وهزالة تأثيره على الواقع صاحب الكلمة الفصل، ومادة الفكر والثقافة أيضاً، و/أو عبثيّة أيّ مشروع ثقافي تنويري لا يستند إلى الواقع السعودي بتفاصيله الراهنة والمتراكمة.

إنّ الاستمرار بالعودة إلى بدايات ما يسمّى بالحركة الثقافيّة الكلاسيّكيّة، والإصرار على ما قدّموه جيل (ما يُسمّى بالروّاد)، ونحن هنا لسنا ضدّ التسمية بالمطلق على الرغم من مفاسد التوثين في مجتمعات دينيّة وجدانيّة ترى (الحبّة قبّة) وترى المدنية مخترلة في تعبيد الشوارع وأرصفة القارعات وإنارة الأحياء السكانيّة؛ وحينما نحاكم مسمّى الريادة الثقافيّة أو التنويريّة أو الحداثيّة فإنّ الأصل في ذلك، أنّ الريادة لا تكون في مشاريع فاشلة، فشيْءٌ من الريادة يكون في نجاح مخرجات المنهج الذي انتهجوه، وهو ما يعجز أحد إثباته في الواقع السعودي؛ ونحن هنا لا نعتمد إقصاء ما حملته من أفكار ونوايا، لطالما هي أفكار قد تكون مستمدّة من واقع مغاير للواقع السعودي ممّا يجعلها مثاليّة وليست ماديّة، وإن كانت أفكاراً ماديّة في واقع آخر ودول أخرى؛ وأنت قد ترى للمسمّى سطوته المعاصرة والتأكيد عليه كلّما ذكرت الثقافة، فإذ بالقوم يعودون إلى المدرسة المثاليّة التي تنطلق من كون الفكر مادة الواقع، وهي التي تجعلنا نمجّد مجموعة من الأفكار لم تكن لها (مصداقية) على الواقع ونظن أن الحلّ بالأفكار وحدها، والصدق لدينا هنا ليست مسألة أخلاقية، بل مسألة مرهونة بتحقّقه في الواقع، وهذا أصل في جزئيات المسألة الثقافيّة كونها بقيت مأسورة للفكر المثالي: الفكر فوق الواقع، وهو فكر لم يثمر تغييراً في الواقع، لأنّه يرى نفسه فوق الواقع.

ولذلك فإنّ الكتابة في مسألة من مسائل المجتمعات، أو التطرّف، أو التغريب.. كلّها مسائل يكتفي الفكر المثالي بالتنظير لها على أساس أنّ الفكر وتنوير الفكر هما الكفيلان بتغيير الواقع، وهو ما عجز عنه في قضايا عديدة لغيابه عن العمل السياسي الثقافي بسبب غياب القنوات المشرعنة رسميّا-وغياب الرؤية، وكان فعل التحديث والحداثة أيضاً من جانب السلطة، وهو ما يجعل أيّ سلطة –رغم ما قد تتعرّض له من سلبيات وأحاديّة- ذات إيجابيّات تتفرّد بها دون منتقديها الفكريين الطامحين إلى المشاركة في صناعة القرار النهضوي.

(ب)

لا أظنّها مسألة متوارية عن وعي المواطنين أنّ المملكة دولة تتعرّض لمجموعة من الانتقادات لشؤونها الداخلية، منها ما هو بنّاء، ومنها انتقادات هدّامة، غايتها أجندات لا تستقيم مع وحدة المملكة. وإذا ما أخذنا مجموعة هذه الانتقادات البنّاءة والهدّامة معاً والتي تنصبّ في الحقول التالية: (الحريّات، الأحادية وحقوق الاعتقاد، القضاء، الهويّة والتعدّديّة السكّانيّة، مشاريع التنمية والإسكان والعمل..) فإنّ هذه الحقول تتقاطع مع (الفضاء الثقافي)، بوصفها مسائل تدخل في صُلب المسألة الواقعيّة المادية، والتي نراها أساس التنوير التحديثيّ للدولة، ولأنّها تدخل في (جدليّة التوازن المادي الوجودي لأيّ دولة)، وهذه الحقول التي تدور فيها أعمال السلطات: (التشريعية والتنفيذيّة والقضائيّة) لا تخلو لدينا من تأثيرات الفضاء الديني بمدوّنته الانتقا ئيّة الاختزاليّة لرجال الدين المحافظين على هذه المدوّنة المنتقاة بوصفها تمثّل كلّ السلف، ولا تخلو أيضاً من تأثير الفضاء الاقتصادي على الرغم من محدوديّة تأثيراته، ذلك أنّ اقتصاد الدولة مهيمن وأقوى من اقتصادات رجال المال الرأسماليين، ممّا يجعلهم تابعاً لا مؤثّراً إلاّ في حدود أدوار ضيّقة، بل حتّى في مسألة الإسكان والبطالة تجد الرأسماليين السعوديين لا يتحرّكون من لدنهم في معالجة هاتين المسألتين الوطنيتين أو المشاركة في حلّها إلاّ إذا تدخّلت الدولة بتحريضهم وإجبارهم عبر العديد من الإجراءات والتنظيمات، ورغم ذلك، ما يزال رأس المال السعودي بعيداً عن مشاريع التنمية في الإسكان والتوظيف السعودي والصحة والأعمال الخيرية المستديمة.

والمقصدُ هنا: أنّ هذه الفضاءات التي تنصّب فيها الانتقادات، هي -تحديداً- ما تظهر المسألة الثقافيّة (بصفة عامّة) بين غيابٍ وحضورٍ، بين تأثيرٍ وتأثّر، بين صراع وتفاوض، وهو ما يجعل قراءة المسألة الثقافيّة السعودية لا تتجاوز هذا الفضاء المعقّد والمتشابك بين السياسة والدين والعلم، من منطلق قراءة في أوهام الثقافة السعودية بأدواتها الفكرية المثالية وتفكيك عجز الفكر السعودي في تغيير الواقع، وذلك لابتعاده عن قضايا واقعه المؤثّرة عليه وجودياً ماديّاً، ومن منطلق قراءة في التجارب المحدودة جدّاً للجدلية الماديّة في قدرتها الواقعيّة على تأثير خطاب فكري متأثّر بالواقع وله حضوره في القرار السياسي والاجتماعي.

ذلك أن (المسألة الثقافيّة السعوديّة و/أو مسألة الثقافات السعودية) ليست تحت صراع متكافئين أو فريقين (السلطة) من جهة، و(المثقّفين) من جهة أخرى، لأنّ غياب العوامل المؤسِّسة لجدلية التوازن المادي-الوجوديّ والتأثير والتأثر المتبادل الذي يربط مكوّنات الكيان على أساس المصالح المشتركة حالَ دون بناء علاقة أفقيّة نديّة بين السلطة والمثقّفين، بل جعلها إلى حدّ ما علاقة رأسيّة؛ طرفان على دلالة الأبويّة-السلطة والأبنائيّة-المثقّفين؛ ونحن لا ننتقد هذا الشكل الرأسي ونزعم أنّه شرّ مطلقٌ، بل ننتقده إذ يعمل على طمس الشكل الأفقي للعلاقة بين السلطة والمثقّفين، فكلا العلاقتين لهما إفرازات إيجابيّة وأخرى سلبيّة، لكنّ وجود شكل أحادي للعلاقة مع السلطة يفرض قوانينه على الواقع، و يختزل ماديّات الواقع في ماديّة بسيطة يهيمن عليها افتراض مثالي: سياسي وديني. فإنّ هذا البتر مفاده أن يؤثّر على (التوازن المادي الوجودي للدولة) في الحقول المتداخلة والبانية لجدليّة التوازن الوجودي (التشريعات المنظّمة لنقد السلطة، حقوق الحريّات، المؤسّسات الأهليّة، تنوّع برامج التعليم، تعدّد الهويات) وغيرها، وهذا البترُ من جهة السلطة، وهذا الغيابُ من جهة الثقافة (لطالما كان المثقّف ينطلق من فوقانيّة الفكر على مادة الواقع) أثّر ويؤثّر في تعطيل إرادة الهوامش الثقافيّة في اظهار الهويّة الأولى البسيطة والجهر بها كجزءٍ من لحمة الهويّات المكوّنة للهويّة المركزية، وتوريطها بالانكفاء الذي قد يفرز اشتباهاً في قوّة لحمته الداخليّة مع افتراضات لحمته الخارجيّة ذات الارتباط العرقي والمذهبي، وهذا أكبر مخاطر مادية الدولة المعاصرة حينما تنشئ على مفاهيم الدم والدين وتتغاضى عن مكوّناتها.

وبناء على هذا التعطيل فإنّ المركزيّة تفقد إظهار قوّتها الواقعيّة المكوّنة لهويّتها القويّة بوصفها المركز، وهويّتها المجمّعة/المتنوّعة بوصفها مركزاً جاذباً بالرضا؛ إذّاك يكون المواطن حاملاً لهويّتين، هويّة ثقافيّة وجوديّة وهويّة سياسيّة انتمائيّة، الهويّة الثقافيّة الوجوديّة التي لا تسعى إلى طمس الهويّة الكليّة، والهويّة الانتمائيّة الضامنة والموجدة للهوية الفردية، بحيث تكون ماديّة الدولة قائمة على واقعيّة فوق الهويّات والمذاهب، وفوق المجتمع بأعرافه وعاداته وتقاليده، وهو ما يأخذها باتّجاه التوازن الوجودي لمكوّناتها؛ إنّ الاعتراف بجدليّة التوازن الوجودي كجدليّة ماديّة تؤثّر على الفكر والواقع مدخلٌ لمعرفة الضمانات الواقعية لربط مكوّنات الدولة المتنوّعة والمتعدّدة، وهي الجدليّات التي يقوم عليها الجدل الثقافي السعودي: الجدل والتفاوض من أجل تأسيس توازن وجودي ثقافي متنوّع ذي حريّة في التفاعل الطبيعيّ الإيجابي، وهو جدل ما انفكّ يتصادم مع السلطة والفكر الديني الأحادي. فما هي المسألة؟ ولماذا الثقافة السعودية أو الثقافات السعودية مسألة؟

ياسر حجازي - جدة