Saturday 01/02/2014 Issue 426 السبت 1 ,ربيع الآخر 1435 العدد

وتم العناق

ليلى صلاح .. أشعلت النار من الغصن الرطب في غابتها السرية

لم يكن لي اطلاع واسع أو قراءات في الأعمال الإبداعية السودانية إلا القليل جداً.. قرأت للطيب صالح روايته «موسم الهجرة إلى الشمال» منذ زمنٍ بعيد وكذا قرأت للقاصة بثينة خضر مكي وللقاص محمد خلف ولم تكن تلك القراءات بغزارة وليست متعمقة، فهي بالطبع لا تعكس الصورة الكاملة، ولا تعطي الرؤية الواضحة عن الإبداع السوداني، فدولة كالسودان مترامية الأطراف بها العديد من التنوع الثقافي والتعدد من اللغات والتباين في العادات والتقاليد فهي تشكل بمفردها قارة كاملة، وحتماً سينعكس ذلك على الأعمال الإبداعية أياً كان نوعها.. وحقيقةً ليس من المنطق بمكان إعطاء تصوركامل عن الإبداع في السودان بهذه الندرة من القراءة والاطلاع، وإن كان هنالك مؤشرات فإنها تعطي رؤية ولكنها بالطبع ليست كاملة..

رواية «الغابة السرية.. وقائع من حكاية الوجع والجنون « للمبدعة ليلى صلاح تؤكد على أنها جاءت بجديد ملموس على مستوى طرحها وفكرتها فقد استخدمت في لعبتها الروائية أسلوب (المذكرات) وإن سبقها آخرون في ذلك، فقد كان طرحها في غاية الاتزان والتمرس بشكل خاص، كما أنها شكلت ملمحاً مهماً في التجربة الروائية النسائية السودانية، التي اشتغلت عليها الكاتبة وأظن ذلك منذ زمنٍ.. فقد عملت بأدوات الناقد والمبدع وقدرة وفكرة المثقف والباحث في تشكيل الرؤية الواضحة والمختلفة على حد سواء، في وقتٍ انتشرت فيه الرواية بشكل لافت للنظر في الوطن العربي، وتسيدت الساحة الأدبية.

«الغابة السرية...» تشكل طفرة في العمل الروائي النسائي السوداني حسب اطلاعي فقد خرجت ( ليلى صلاح ) عن المألوف وربما تجاوزت الخطوط الحمراء وأظهرت ما كان مخفياً تحت الثياب وخلف الجدران.

(ليلى صلاح) أبحرت بقاربها في البحيرات الثلاث المحرمة (الدين - السياسة - الجنس) واستطاعت أن توازن في إبحارها بين هذه البحيرات بأدواتها الروائية، ولم يكن هنالك فقدٌ للسيطرة على توازن إبحار هذا القارب رغم ما تضج به هذه البحيرات الثلاث من هيجان وثوران عند البعض.

استطاعت (ليلى) أن تمسك بخيوط اللعبة الروائية، وقد جسدت العلاقة بين المكان والشخوص والزمان وما كان متناقضاً فيها وبينها.. وأظهرت ليلى من خلال عدسة مجهرها إسقاطات متعددة في المجتمع السوداني رغم أنه مجتمع متحفظ ومحافظ للغاية، بفنيات سردية متقنة وبلغة وبناء متينين، فقد أبحرت (ليلى صلاح) في عملها حتى وصلت إلى الضفة الأخرى دون أن يشعر من كان معها في القارب أن هنالك خللاً في قاربها وإن كان القارب به بعض العطوب إلا أن مهارة القيادة تجعله لا يشعر بها.. تضمنت الرواية بعض المواقف والأحداث المثيرة والإغرائية التي تعكس الحقيقة بشكل تعمق خيالي، بأسلوب وحبكة روائية حيث مسكت العصا من الوسط في هذا العمل، ونقلت حقائق ملموسة، وإن كانت مغطاة ومخفية خلف جدران عازلة ومانعة للضوء والهواء والصوت، وحولتها إلى جدران زجاجية شفافة يُرى ما خلفها وإن لم تُسمع منها الأصوات؛ فالرؤية وسيلة معبرة لواقعٍ أياً كان هذا الواقع وإن كان مؤلماً.. اختارت (ليلى) الخيانات وسلطت الضوء عليها كقضية من قضايا المجتمع، لكونها قضية مثيرة للاهتمام وتشكل نقطة هامة في الحياة الاجتماعية وكأن (ليلى) أشعلت النار من الغصن الرطب رغم أنه في الحقيقة لم يكن رطباً ولكنه يُظهر لنا ذلك..

(ليلى) في هذه الرواية تنقلت بين إسقاطات كثيرة غير الخيانات وإن ركزت على بعضٍ منها فهي تشكل في النهاية تعرية لمجتمعٍ محافظ. والجميل أنها عملت بشكل توازن وفي تسلسل أحداثها مع حقيقة أبطال هذه الأحداث..

لم تتوغل الكاتبة في الرمز فقد حبكت أحداث روايتها بشكل تلقائي، ربما لأنها بعيدة عن سلطة الرقيب، ولأنها أيضاً لم تعرف أن هنالك رقيباً في الأساس، وهذا ما أعطى عملها عمقاً إبداعياً كبيراً.. فالثالوث المحرم (الدين - السياسة - الجنس) كان ظاهراً بجلاء ليس لترويج العمل كما يصنعه غيرها بل جاء ضمن أحداث الرواية بشكل تلقائي بعيداً عن التصنع، وهذا ما جعل روايتها ذات زخم روائي متين. ومن الجميل في هذه الرواية أن ابتعدت الكاتبة (ليلى) عن الذاتية والشخصنة اللصيقة بها، ولم تتقمص أي دور ولم يكن لها حضور إلا واحداً هو قوة التكنيك الروائي.

«الغابة السرية.. وقائع من حكاية الوجع والجنون» رواية تعكس الاتجاه العام نحو عناوين ومذكرات ماتعة وجلية الوضوح ومسكونة بهاجس الإثارة والتشويق..

ختمت (ليلى صلاح) روايتها بعدة تساؤلات على لسان أبطالها، وربما آخر جملة في الرواية هي: (لا أدري..) أبلغ من أي إجابة مهما كانت بليغة، وهذا يدل على ذكاء وفطنة من الكاتبة حتى لا تفتح ولا تدخل في أحداث وحوارات جديدة تعيق من جودة العمل، وبهذا أسدلت (ليلى صلاح) الستار على روايتها، والتي تعدُ عملاً روائياً يستحق الإشادة والقراءة، وجدير أن يخضع لقراءات ودراسات نقدية معمقة.

حسن علي البطران - الأحساء Albatran151@gmail.com