Saturday 21/12/2013 Issue 422 السبت 18 ,صفر 1435 العدد
21/12/2013

ترانيم الشجرة المحرمة

الأصل في المعرفة الاختلاف كما ألمحت فيما مضى فالاختلاف ليس هو المقابل الضدي للتوافق وأن شيوعه أقصد الاختلاف بهذا المستوى الوظيفي للدلالة بأنه مضاد حيوي للتوافق غالبا غايته ما تكون مبنية على مقصد إرادي و موجه للتحكم في اعتقاد الفرد و الجماعة و استعمار فكرهما.

وبذلك فالثنائيات طبيعة قبل أن نحاصرها «بالتجريم» وهي أصل أُسس التخليق في ضوئها قبل أن تكون فائدة مكتسبة أو قيمة إضافية للتنوع و الإنماء.

ومع ذلك ظلت الثنائيات محل جدل و مصدر صراع، وقد يسأل سائل لماذا ما يُحسب وفق قانون الطبيعي هو جالب للخلاف و الصراع؟.

وهو سؤال عماده أن الطبيعي أولى بالتوافق الحتمي من اللاطبيعي،وبذلك فالثنائيات يجب ان تكون عكس ما يُنتج عنها.

وهو عماد يلزم منا البحث في ماهية تلك الطبيعة.

وأول ترهيص للبحث عن خصائص الطبيعة البشرية يبدأ بعلاقة أدم بالشيطان في الجنة و اختبار أكل الشجرة المحرمة.

إنه الاختبار الذي أسس قاعدة الثنائيات في طبيعتها لا في تمثيلها و تصويرها.

كما أنه كان أول اختبار خاضته الطبيعة البشرية في الجنة لاكتشاف تصنيفه عن فئة الملائكة و فئة الشياطين. ؛عندما حرم الله سبحانه و تعالى على أدم الاقتراب من «الشجرة المحرمة «،و الأكل منها.

قد يقول قائل لكن اختبار «الشجرة المحرمة» لم يكن الاختبار الأولى لاكتشاف «التصنيف»؛فاختبار «السجود» كان كذلك.

إن اختبار «السجود» كان متعلقا بمدى قدرة الشيطان على «تنفيذ أمر الطاعة» و لم يكن الاختبار خاصا بآدم بطريقة مباشرة، لكنه كان يحمل رسالة بطبيعة علاقته بالشيطان، و لأن الطبيعة الأدميّة كانت ما تزال في طور الخاصية ،والاختبار غالبا لكل ما يتضمن «صفة ثابتة»، و الخاصية في حكم الصفة وليست معادلا لتمثيلها.

و اختبار «الشجرة المحرمة» كان متعلقا بمدى قدرة آدم على «تنفيذ أمر المنع»،ولم يكن خاصا بالشيطان؛لأن الصفة الثابتة لا تحتاج إلى اختبار،فالاختبار غالبا ما يهدف إلى تثبيت صفة محتملة أو في طور التجريب.

وكلاهما اشتركا في «المعصية» لأنهما لم يستوعبا قوانين «العلليّة».

فكسر آدم قانون المنع و أكل من الشجرة المحرّمة،فهل هو حق أن الطبيعة البشرية جُبلت على «أن كل ممنوع مرغوب»؟.

إن المسألة لا تكمن في «المنع ذاته» إنما كما أحسب أن الأمر متعلّق بالمنحة الإلهية التي مُنحت للإنسان «العقل» مصدر تكريمه المُؤسِسة بنيته على «قوانين العللية»،ولذلك كان التفكر و التأمل و الشك وسائل الإنسان للاهتداء و العلم و المعرفة و مقاومة ما يُفسد أصل طبيعة الإنسان.

وأي منع لا يُدعم بقوانين العللية هو قابل للرفض و الكسر.

لقد حرّض المنع آدم على الاقتراب من الشجرة المحرّمة الأكل منها.

فعلان أخرجا آدم من اعتقاد ما كان يحسبه بأنه يملك حرية مطلقة في كل شيء،ولعله اعتقاد اكتسبه من ما كان يتمتع به من خصائص تميزه عن الملائكة و الشيطان اللذين سجدا له بأمر من الله و فضله.

ومن هنا تبدأ الطبيعة البشرية في التعرّف على خصائصها و خصائص المخالف لها.

سيقول البعض إن الأصل كان معروفا منذ حكاية السجود، فقد طرح الشيطان قضية أصل النشأة لتبرير رفض «الأمر بالسجود».

لكن الأصل لا يكتسب الصفة إلا عبر ثنائية، فالصفة هي التي تُكسب الفعل معرفة.

كما كان اختبار الشجرة أول مواجهة بين الطبيعة الإنسانية و قانون المنع، وخاصة وإن تلك الطبيعة خُلقت بمعية القدرة على التعلّم و التعليم، وهي قدرة قد يُظن إن افترضنا أن آدم آمن بها أنها مانحة بالحتمية و الضرورة الصوابية المستديمة لأي قرار، والاعتقاد كما يعلّم الجميع هو المنظِّم الرئيس لأفعالنا.

إن «المنع» الذي فرض على آدم من خلال «الشجرة المحرمة» كان يقابله»المنح» من خلال السماح له بأن يأكل من كل شيء موجود في الجنة إلا «هذه الشجرة».

ومن هنا أسس المُدرك الآدميّ المفهوم الأولي «لماهية القانون و وظيفته»،كما أدرك الثنائية الأولى « المنع و المنح»، ولم تكن هذه الثنائية قاصرة على «تأسيس الحكم»؛إنما تضمنت أيضا الاختبار الأول للكشف عن الطبيعة البشرية.

إن «الطبيعة الكامنة أو الصامتة» مجهولة الخصائص، و متى ما دفعنا تلك الطبيعة نحو الحركة و السفور اكتشفنا خصائصها،لأن الكمون لا يُشكّل تصورا، في حين أن الحركة هي التي تُشكل التصور من خلال اكتشاف خصائص الطبيعة.

كما أن مواجهة تلك الطبيعة للمنع كانت أول دلالة مُصّدقة صادفتها الطبيعية البشرية في الجنة وهي دلالة التحريم الضامنة لِم يُحسب في قطعية»الحكم».

لِتستنتج من خلالها «دلالة الحلال».

هل يعني هذا أن الدلالة السلبية تسبق الدلالة الإيجابية في تطور و ترقي الطبيعة الإنسانية؟.

المسألة هنا ترتبط بنوع المصدر الذي نتعلّم من خلاله هل الدلالة السلبية هي التي تعلّمنا اكتساب المفاهيم أم الدلالة الإيجابية؟ و الضابط هنا مر جعه أيهما يمنحنا شدة الانفعال،فالدلالة القادرة على تشديد انفعالاتنا هي الأقرب إلى القدرة على تطوير طبيعتنا و الترقي بها.

كما المسألة هنا تتعلق «بالتصديق» المستفِز لانفعالاتنا، فالتصديق روح الاعتقاد ،فالتصور بمفرده لا يصنع قيمة تصديق،كما أن التصور المدعوم بقانون لا يعادل مرتبة التصديق و لا يساوي التصديق بطبيعة الحال.

عندما خلق الله سبحانه و تعالى آدم أخبره بأن الشيطان عدو له وحذره من غوايته، و بذلك كان آدم يملك قيمة التصديق من خلال ممثل التصور الإخبار بحقيقة الشيطان و من خلال ممثل القانون التحذير الذي أُحيط به آدم .

ورغم ذلك استطاع الشيطان «بإرادة الله» أن يغويه و يجعله يأكل من الشجرة المحرمة- لتنفيذ قدر إلهي خُطّ قبل التجربة-،ليكتسب بعدها حقيقة واقعية التصديق؛ «وقوع الإضرار أو الإنفاع «.

ما أقصده هو أن الأفكار في صيغتها الاستباقية أو التنظيرية لايمكن أن تمثل قاعدة صراع، فالأفكار خارج قوة الفعل لا تصنف خيرا أو شرا.

قد يقول البعض إن هذا القول مخالف لتاريخ الصراع البشري، نعم هو مخالف لتاريخ الصراع البشري و ليس مخالفا لأصل الطبيعة البشرية

ظل آدم يسكن الجنة هو و زوجه بمعية الشيطان حتى وقع في «الخطيئة المٌقدّرة» الخطيئة التي اكتشف من خلالها «إمكانية فساد الطبيعة»، الطبيعة التي كان يؤمن بعصمتها المستديمة التي سجد لها الملائكة كلهم و الشيطان.

وذلك الاكتشاف جعله مشاركا للشيطان ليس في أصل الطبيعة إنما في قابلية تلك الطبيعة للإفساد.

كما جعل الشيطان مشاركا للإنسان في ملكية طبيعته.، فأصبح يجري في عروقه مجرى الدم مما يؤكد ملكية الشيطان لجزء من الطبيعة البشرية.

ومن رحمة الله أن تلك الطبيعة ليست مُلِزمة للإنسان للفساد و الإفساد أو مبررة لقانون الفساد و الإفساد و هذه رحمة من الله بالطبيعة البشرية ولأن فطرة الخير أصل ثابت في تلك الطبيعة ،لكن الأصل لا يعصم من الإفساد كما أنه مُوجِه و داعم لنصرة الإحساس بالحق و تنفيذه من خلال المواثيق الحقوقية و القوانين.

إذا آمن بأن الأصل في الطبيعة البشرية هو الخير أو هو كذلك، وأن الإفساد هو الطارئ على تلك الطبيعة.

والحقيقة أن علاقتنا بالخير و الشر و تصوراتنا نحوهما غالبا ما تقترب من منطقة الوجدان أكثر من منطقة العقل؛ و لعل السبب في ذلك أن تصوراتنا الأولية عن الشر و الخير نفهمها من خلال» الدراما»؛لأن دلالة كل منهما مُغرقة في»المعنوية البحتة» أو «التنظيرية البحتة»، لذلك يصعب على الناضجين عندما يُؤسسون دلالتي الخير و الشر ذهنيا في وعي الصغار تثبيت تلك الدلالتين تنظيريا ؛فيتجهون إلى «استراتيجية التصوير و التمثيل» وهي استراتيجية تحصر العلاقات أو تجدّولها من خلال «الثنائيات».

كما أن تلك الاستراتيجية تدفع فكر المتلقي إلى إنتاج تصورات مساوية و مشابهة للمّدخلات التي تبرمج من خلالها مسار وظيفة الفكر.

وقد يسأل البعض وما الضرر في تثبيت الدلالات عبر استراتيجية التصوير و التمثيل؟.

إن أحادية الدلالة تعيق تطور المفهوم،إضافة إلى أنها مُؤسِسة للاعتقاد الذي نستمد منه فهمنا للأشياء و تقويمنا لها وهو غالبا ما يُفسد أصل الطبيعة البشرية.

- جدة