Culture Magazine Thursday  15/03/2012 G Issue 367
فضاءات
الخميس 22 ,ربيع الآخر 1433   العدد  367
 
البيوت
الأبوية وبر الوالدين
لمياء السويلم

 

لا شيء يتردد في كلامنا عن العائلة والعلاقات الأسرية مثل بر الوالدين، ولا شيء يبدو مع الوقت يسرق عمر المجمتع لا عمر الأبناء فقط مثل هذا البر، هذا لأن البر كما يرتفع صوت المطالبين به هو بر أحادي الاتجاه، سلطوي وعنيف لا يحمل من الحب قدر ما يحمل من الاخضاع، لا يؤسس للعطاء بقدر ما يفاقم الخوف والضعف والعجز.

بر الوالدين، في الخطاب التربوي الذي يقرأه الطلاب في مناهج تعليمهم، ويسمعه الآباء على شاشات التلفاز أو من على منابر المساجد، ليس هو البر الذي يمهد للفرد أن يؤدي واجبه نحو والديه، بل هو البر الذي يسلب من الفرد حقه في أن يكون فردا مستقلا وحرا بنفسه، البر الذي يعرفه المجتمع السعودي ليس طريقا لحفظ البيوت من خرابها بل هو طريقة محكمة لإدارة الخوف وإعادة تدويره.

البر الذي لا يتحقق إلا بالترهيب من العقوق ليس برا بل حالة قلق ووجع ضمير مستدامة، بر الوالدين الذي لا يؤمن للطفل حقه في الاقتصاص من أمه عند الآذية، ولا يحفظ للفتاة حقها في القدر الذي تشاءه هي لا أبيها ليس هو البر الذي يبني البيوت، بل هو البر الذي يقتنص أحلام الجيل الجديد، هو البر الذي يبقي لماء التربية الآسن حق الاندفاع في مجرى حياتنا.

بر الوالدين كما قدم ولازال يقدم يشكل أكبر خطر على الوعي الاجتماعي والتقدم المدني، بر الوالدين بهذا المستوى من الطرح يؤصل أسوء وأكبر المشاكل في النفسية الاجتماعية للمجتمع السعودي، وهي مشكلة الأبوية التي تأسس الوصاية على مختلف مستوياتها، الأبوية التي ترهب الابن أن يختلف عن والده وأخواله وأعمامه كما لو أن اختلافه خيانة وطنية لا من بداهات الحياة.

هذه الأبوية التي تقدس جنون الكبار وجنوحهم وتقيض كل تمرد حر ينبت في قلب وعقل الصغار، الأبوية التي تلقن الجيل الجديد في مجتمعنا أنهم خواص على العالمين وتدجن حياتهم في مرابع التقليد والجمود والخوف والعجز عن الاختلاف وتحقيق الذات الفردية، الأبوية هي نظام معرفي راسخ في ثقافة المجتمع السعودي، يتصدره مفهوم بر الوالدين، وهذا البر ليس هو الحق الأبيض، بل هو كنف العائلة السعودية التقليدي الذي تحول إلى كفن للذات.

ليس برا أن يتورط الأبناء بأحلام آبائهم، ليس برا أن تتشرنق الفتيات في مخاوف أمهاتهن، وليس برا أن يغطي جلباب الأب كل العائلة.

قبل البر يجب الاعتراف بأن الفرد حرا من والديه، لأن البر هو امتنان الفرد ابنا وابنه للوالدين، البر هو شعور الامتنان برعاية الطفولة، ومن لم يُرعى في طفولته ليس له أن يمتن لمن تسبب في آلمه، له أن يتحرر من محضن فاسد تعتم فيه الصورة وتعتل به ألوان الحياة، فلا يسود إلا الصوت أو الصوط، للفرد إذن أن يقطع كل حبال الخوف وأن يتحرر من ربوبية أباه وأمه، فما خلق الإنسان إلا لحريته.

بر الوالدين الذين يرفع كلافتة في أوجه الصغار، عليه أن يعلمهم أولا وأخيرا كيف يستقلوا بذواتهم عن والديهم، فليس البر أن نخلق من شخصيات الأبناء نسخ مشوه لشخصيات آبائهم، بل البر أن يكون الآباء والأمهات العتبة الأولى التي يصعدها الأبناء في خطوط فردانيتهم، ليس البر أن نتعبد سلطة آبائنا وآمهاتنا، بل البر أن نؤمن بحق الأبناء بالاستقلال والحرية والحياة الخاصة.

lamia.swm@gmail.com الرياض

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة