Culture Magazine Thursday  06/12/2012 G Issue 388
الملف
الخميس 22 ,محرم 1434   العدد  388
 
أستاذي الحاضر تأليفاً وتأثيرا
أبو أوس إبراهيم الشمسان

 

كان أستاذنا الدكتور أحمد محمد الضبيب من أكثر أساتذتنا جدًّا ورغبة في تعليمنا، درسنا معه شيئًا عن اللهجات فزوى لنا الجهود العربية والغربية التي توجهت لدراسة اللهجات، وشرح لنا الطريقة العلمية لدراسة اللهجة، لم يكن الغرض من هذا المقرر تقديم العاميات ولا تدريسها؛ بل المعرفة العلمية لمستوى حاضر من مستويات الاستعمال اللغوي ولمدى قربه أو بعده عن أصوله، ومنه عرفنا جهود جونستون المستشرق الإنجليزي الذي يتحدث العربية وزارنا في القسم وألقى علينا محاضرة بيّن بها صلة لهجة البدو في عنيزة بلهجة البدو في الكويت، وأذكر أني علقت على ذلك بأن البدو رحّل فهم سواء في المنطقتين، فالذين استقروا في الكويت انتقلوا من نجد، وكان جونستون هذا كتب كتابًا عن (لهجات شرقي الجزيرة العربية) ثم ترجمه أستاذنا أحمد الضبيب إلى العربية، ومن أستاذنا عرفنا جهود الدكتور عبدالعزيز مطر -رحمه الله- الذي كتب عن لهجة ساحل مريوط، وكان لي شرف معرفته بالقاهرة وكان في ذلك الوقت يجمع مادة علمية عن لهجتي المنامة والمحرق في البحرين.

كان من أهم ما علمناه أستاذنا درس الأدب نصوصه وتاريخه، كنا مجموعة صغيرة من الطلاب (عبدالله العجاجي، أحمد المرزوق (من البحرين)، محمد العامر، عصمت الأتاسي (من سورية)، إبراهيم الشمسان، عبد الله الغامدي، عبدالعزيز العويشق، طلعت أبو جبال)، وكنا مقبلين على الدرس والتحصيل، بادرت وقد علمت أن الدكتور الضبيب سيعلمنا الأدب الجاهلي والأموي إلى اقتناء كتاب الدكتور شوقي ضيف الأدب الجاهلي، وبدأت قراءته استعدادًا لفهم الدروس.. كانت المفاجأة لنا جميعًا أن أستاذنا العزيز دخل علينا وبيده (شرح المعلقات السبع) للزوزني، وهكذا وضعنا مباشرة أمام نصوص الشعر الجاهلي، وبدرس شمولي كانت القراءة، يقرأ كل فرد منا بالتناوب محاولاً الشرح والتحليل، وكان علينا لذلك أن نستعد بقراءة تلك القصائد لنحسن قراءتها في الفصل، وطالبنا أستاذنا بكتابة تحليل أسلوبي أدبي لتلك القصائد مراعين أثر الجرس في التعبير عن مضامين القصائد وعلاقة المعجم بمقتضيات الوفاء بالتعبير عن تلك المضامين، كل واحد منا كان يجتهد في كتابة تحليله للقصيدة ثم يأتي ليقرأها أمام الزملاء ليناقشها الآخرون مناقشة ناقدة مستفيدين جميعًا من ملاحظات أستاذنا وتوجيهاته، بدأت محاولاتنا ساذجة سطحية أول الأمر متأثرة بما ثقفناه في درس الأدب في الثانوية العامة ثم أخذت تتحسن مع الوقت طريقتنا في التحليل مستفيدين من جملة ما نناقشه ونتداوله من ملحوظات وأفكار، وجدنا عنتًا ومشقة في أمر ذلك التحليل إذ لم يكن لنا سابق معرفة تذكر وتعين للوصول إلى المستوى الذي ينشده الأستاذ، وأذكر أننا جأرنا جميعًا بالشكوى، وطالبنا بأن يضرب لنا مثالا للتحليل لنهتدي به، وعلى الرغم من ظهور استيائه من شكوانا، وأننا لم نعمد إلى المكتبة لنتوسل بها ونوسع من مداركنا ونحتذي حذو من سبقنا إلى ذلك، على الرغم من ذلك كله جاءنا بعد ذلك بكتاب محمد النويهي (الشعر الجاهلي منهج في دراسته وتقويمه)، قرأ لنا فيه ما وقنا على نظر يحيل الحزن سهلاً، ولعل هذا المثال يفي بالغرض جاء في ص45، قال عند قول امرئ القيس:

وَفَرْعٍ يَزينُ المَتْنَ أسودَ فاحمٍ

أَثيثٍ كَقِنْوِ النَّخْلةِ المُتَعَثْكِلِ

«فهذه الكلمة الأخيرة التي تبدو غريبة نافرة لمسامعنا والتي تثير سخرية متعلمينا لأنهم لا ينتبهون إلى صدقها التصويري ولزومها الحيوي، لا نظن قارئنا يحتاج الآن إلى أن ننبهه إلى انسجامها بحروفها وترتيب مقاطعها مع الصورة الكثيفة المتداخلة التي يريد الشاعر أن يرسمها لهذا الشعر الغزير الغني بالتجعدات المتدلي على ظهرها.. فلا شك أن ما في إيقاع هذه الكلمة من اضطراب وفي جرسها من ثقل يحكي كثافة الصورة المؤدية وتموجها. استمع خاصة إلى موضع الثاء الساكنة في هذه الكلمة، ثم استمع إلى التقاطها لنغم الثائين اللتين تقدمتا في كلمة (أثيث)». ومع أننا استمعنا وأفدنا لا أذكر أن أحدنا قرأ بعد ذلك كتاب النويهي، بل مضينا نجتهد في عملنا ما وسعنا الأمر. ولكني قرأت كتاب طه حسين (حديث الأربعاء) فحبب إليّ الشعر الجاهلي كثيرًا.

ولست أنسى ما وقع بيني وبين أستاذي من الخلاف في بيت لبيد بن أبي ربيعة:

منْ كلِّ سَارِيَةٍ وغادٍ مُدْجِنٍ

وعشيَّةٍ متجاوبٍ إرْزامُهَا

إذ كنت حين كتبت محللاً قصيدته زعمت أنه استعمل (مدجنٍ) وما فيها من تنوين وهبها رقة لا تناسب صورة السحب المتراكمة برعودها، فقال أستاذي بل هي مصورة بجرسها وما فيها من تفخيم الميم المضمومة والدال المنفجرة والجيم الشديدة، ثم إنه ملأ فمه بالكلمة وهو يلفظها ليقنعني؛ ولكن العناد استولى عليّ فلفظتها متعمدًا ترقيقها، فصار يلفظها مفخمة وألفظها مرققة، فلما استيأس مني تركني بعنادي لأدرك بعد ذلك أني أخطأت.

كانت تجربة قراءة القصائد وشرحها ثم كتابة تحليل لها ثم عرضه لنقد الزملاء تجربة ثرية وتدريبًا مبكرًا على مزاولة العمل العلمي، ولم يكتف أستاذنا بهذا بل كلفنا قراءة كتب تتعلق ببعض القضايا المهمة في تاريخ الشعر الجاهلي فقرأنا كتاب (مصادر الشعر الجاهلي) لناصر الدين الأسد، وقرأنا ما كتبه طه حسين وأحمد المسلوت عن قضية الانتحال، ومن أهم التجارب العلمية المبكرة التي عرضنا لها أستاذنا تكليفه لنا بصنع معاجم مفهرسة لدواوين مختارة من الشعر الجاهلي وكان علينا أن نفهرس الديوان كلمة كلمة، فصنعت معجمًا لديوان امرئ القيس، وأذكر أن الغامدي صنع معجم ديوان أوس بن حجر. كان لصنع المعجم أثره في تدريبنا على دقة العمل والتصنيف والصبر على العمل الشاق، تابع أستاذنا خطوات عملنا فخصص لنا يومًا يفحص ما جمعناه وكيف جمعناه، وأذكر أني أتيت له بالكلمات التي فهرستها في قصاصات صغيرة كتب عليها اللفظ ورقم القصيدة ورقم البيت، وكنت وضعت ما جمعته في علبة حديد ورأى أستاذي القصاصات ذات ألوان مختلفة فسأل عن ذلك فقلت قصصت أغلفة الدفاتر، قال حسبت أن لكل لون وظيفة، وكان أشار هنا إلى ما عرفته بعد عن نظام العلامات وكيف يستفاد من العلامات للبيان، ولو كنت عرفت ذلك قبلُ لسهّل هذا عليّ أمر التصنيف إلى اسم وفعل وحرف.

كان أستاذنا مع لطفه ودماثة خلقه حازمًا. أذكر أنني تأخرت عن تحليل بائية ذي الرُّمّة:

مَا بَالُ عَيْنِكَ مِنْهَا الْمَاءُ يَنْسَكِبُ

كَأَنَّهُ مِنَ كُلى مَفْرِيَّةٍ سَرِبُ

كانت الاختبارات النهائية على الأبواب، وكنت أريد الانصرف إلى الاستعداد لها، فرجوته أن يقيلني من تحليل القصيدة وقد كانت آخر التكاليف؛ ولكنه رفض رفضًا باتًا، ثمّ إني دفعت بزميلي الغامدي أن يتوسط لديه فرده ردًّا حازمًا، فوجدت نفسي ملزمًا بذلك التحليل، وكان من توفيق الله أن وجدت كتاب الدكتور شكري فيصل (تطور الغزل بين الجاهلية والإسلام) وكان رائعًا في تحليله الأدبي فسرت على منواله، فكان تحليلي بائية ذي الرُّمة أكثر ما كتبت توفيقًا بشهادة أستاذي الذي وجه طلابه الذين خلفونا إلى قراءته.

ويظل أستاذنا موضع الإعجاب والتقدير، فهو من أكثر المهتمين بالعربية المنافحين عنها الحاملين همومها المشاركين بفعالية بكل ما من شأنه تطوير درسها، ولذا كانت عضويته في مجامع اللغة العربية فعالة مثمرة، ومن أهم وأشهر ما كتب في الدفاع عن العربية كتابه (اللغة العربية في عصر العولمة) الذي نشرته مكتبة العبيكان سنة 2001م، وهو يزوي جملة من جهوده في هذا الميدان، وكان لي شرف كتابة قراءة عن هذا الكتاب شاركت بها في مؤتمر جاكرتا في جامعة شريف عناية عام 2012م ، وأستاذنا مثابر على شهادة المؤتمرات والمشاركة فيها وحضور الندوات والتعقيب بما يثري جوانب موضوعاتها، فما حضرت له محاضرة أو سمعت له تعقيبًا إلا ازددت منه معرفة، وتعلمت منه شيئًا جديدًا، فلا زال الله منعمًا عليه بالصحة ونافعًا به العربية، وأهلها.

قسم اللغة العربية - جامعة الملك سعود
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 7987 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة