Culture Magazine Thursday  02/02/2012 G Issue 361
عدد خاص
الخميس 10 ,ربيع الاول 1433   العدد  361
 
...«العمل الجاري»
د. أحمد جميل عزم

 

في كل مرة يرد ذكر سلمى الخضرا الجيوسي، أو اطّلع على إنجاز جديد من إنجازاتها، يتبادر إلى تفكيري أنّ ما تقوم به الجيوسي شيء سيستمر أثره وينمو عهودا طويلة في مستقبل البشرية. أجدني أرى فيها مثيلا لأولئك الفلاسفة المؤسسين، والمؤرخين الرواد، ممن تركت فلسفاتهم وكتبهم للتاريخ أثرها في مجمل العلوم والحياة البشرية على مر عصور. هذا رغم أن سلمى ليست فيلسوفة أو مؤرخة بالمعنى التقليدي للكلمات. وبعد تفكير وجدتني أقرن بين فكرة «الصدقة الجارية»، أو «العمل الصالح الذي يبقى»، وهي الفكرة الإسلامية التي تدفع الإنسان للعطاء وتقديم ما لديه، مدركا أنّ ما يقدمه يستمر أثره طويلا، وربما على الدوام. فما تقدمه سلمى هو نوع من «العمل الجاري» الذي سيستمر أثره بل وستنمو فائدته والاهتمام به وتقديره واحترامه في اتجاه تراكمي صاعد للأعلى دوما، بما قدمته عن الأدب والتراث والفكر العربي للمكتبة العالمية.

على أنّه بعد هذه الفكرة التي تطفو إلى السطح دائما أجدني أرى أنّ الكتابة عن «مشروع» سلمى الحضاري الذي تمثل في ترجمة الأعمال العربية المكتوبة للإنجليزية، ورعاية كتابة وإعداد موسوعات تاريخية وفكرية مختلفة، لا يكفي للحديث عن سلمى. وأنّ الحديث عن سلمى يقتضى الحديث عن ثلاثة أبعاد في سيرتها، هي: الفلسفة، والمنهج، والمشروع.

فلسفة سلمى

أصبحت سلمى في وقت مبكر من حياتها، ومن تاريخنا العربي المعاصر في مرحلة ما بعد الاستعمار، جزءا من الجدل الفكري العربي. وتحديدا في خمسينيات القرن الفائت. حين أصبحت جزءا من الجدل بين مدرستين فكريتين، كانت العاصمة اللبنانية بيروت جامعتهما، ومجلتي «الآداب» و»شعر» منبريهما. كانت الأولى، أقرب للالتزام والمحافظة ولوضع ضوابط للتجديد في الشعر والأدب العربيين، ولتأكيد الالتزام بالقضايا العروبية القومية. أمّا الثانية التي كان من أركانها يوسف الخال، وأدونيس، وأنسي الحاج، ومحمد الماغوط، فقد دافعت عن الحداثة بشكل عام، ولم تمانع في سياق التجديد مثلا استخدام اللهجات العامية في التعبير الأدبي. وبطبيعة الحال فإنّ جدل المجلتين، وأركانهما وأنصارهما، يتعدى الأدب إلى الفكر عموما، في عصر كان كل شيء فيه محكوما بالإيديولوجيا. وبالتالي كان الجدل ثقافيا وسياسيا أيضا.

بدت سلمى في البداية مرشحة لتكون جسرا بين المدرستين، وتبنت مواقف توفيقية وسطية، فكتبت للمجلتين، ولكن الخلاف الفكري عاد وبرز مع مجموعة «شعر»، بسبب الافتراق عن الرؤى الفكرية والأيديولوجية للمجموعة. ففي سياق الحداثة التي تبنتها المجموعة، لم يتم قبول القديم والسائد والإضافة إليه وتطويره، بل برز عند المجموعة رفض لأشكال من التعبير الأدبي والفكري اعتبرت قديمة وغير صالحة، أمّا سلمى فاعتبرت أنّ أشكال التعبير تتسع لأنماط عديدة، دون الانتقاض من شكل ما. عبّرت سلمى عن أفكارها في قنوات عدة، أحدها صفحات «شعر» ذاتها، وفي صحيفة «الأنوار» اللبنانية التي كانت تتولى تحرير صفحتها الأدبية. ورفضت أن ما توصلوا إليه هم هو ذروة التطور، ورفضت رفضهم للقصيدة العمودية، دون أن ترفض قصيدة النثر، وأشارت كيف أن أصحاب الأيديولوجيات الحداثية، كأي منهج ثوري آخر، قد يتحولون بذاتهم لقوى محافظة تمنع التغيير، عندما يرفضون خصومهم ويرفضون الرأي المخالف. وقالت إنّ قصيدة النثر والشعر المنثور، ستصبح يوما شكلا أدبيا قديما، «لأن كل شيء يتغير»، وقالت إنّه «لا حل نهائيا في الشعر، لا حل نهائيا في الفن، كل شيء يتغير، كل شيء يصبح عتيقا، كل شيء يتجمد».

بهذا تقول سلمى أن لا شيء يمثل الحداثة المطلقة، فالحداثي الحقيقي يدرك أنّ ما هو حديث اليوم، سيصبح «كلاسيكيا» في يوم آخر. وثانيا، أنّ الحداثة، تعني عدم الوقوع في أسر الماضي، ولكن لا تعني التنكر له، أو عدم إمكانية الإيمان بتطويره، والبناء عليه. بذلك طرحت سلمى فكرة «استنفاذ الذات»، وأن كل شيء، تقريبا، يعاني مع الزمن حالة الاستنفاذ. هذه الفكرة قادت إلى فكرة أخرى محورية لدى سلمى، هي فكرة «الإرهاق الجمالي» وتقول «ثمة في الفن ما يسمى الإرهاق الجمالي». وهذا الإرهاق حافز لإحداث التغيير، وهو أمر يتضح في مستويات عديدة، بدءا من المستويات البسيطة للأغاني والموسيقى والأزياء التي تروج حينا، ثم يتراجع إقبال الناس عليها، «لأن إرهاقا جماليا» أصابهم، ما لم يعاد إنتاج وتطوير هذه الأشياء.

وبالمجمل فإنّ كثيرا من آراء سلمى في تلك الآونة، تم تطويرها وإعادة صياغتها وتوثيقها في رسالتها للدكتوراه من جامعة لندن، التي جاءت بعنوان الاتجاهات والحركات في الشعر العربي الحديث، وقد نشرت دار بريل، الهولندية العالمية البارزة هذه الدراسة الطويلة الشا ملة المكتوبة بإنجليزية رفيعة في جزأين، وأصبحت مرجعا أساسيا وموسوعيا للشعر العربي الحديث في المؤسسات الأكاديمية الغربية والعالمية. كما أنّ جزءا من دراساتها في الشعر العربي أصبحت جزءا من موسوعة كيمبردج للأدب العربي.

لم يتوقف إسهام سلمى الفكري عند تلك المرحلة، ولم يكن رفضها لطروحات «شعر» ومجموعتها نوعا من الشعبوية، كما سيتضح من أفكارها اللاحقة. ففي الستينيات، وفي ظروف تصاعد المقاومة الفلسطينية، التي أصبحت تدريجيا عنوان المرحلة العربية جميعها، وظهور ما يعرف بشعارات المقاومة وأدبها، رفضت سلمى ظاهرة الصوت العالي، والخطابية، ورفضت التغطية على جوهر القضايا باللجوء إلى «الحماسة»، والاختفاء خلف الشعارات الرنانة، والصور الأدبية المبالغة. فكتبت تتحدث عن “الصوت الخفيض”، أو “اللهجة الخفيضة”، وترمي بذلك إلى القول، حسب ما أفهم، إلى ضرورة التزام الكاتب والأديب بالواقعية، مشيرة إلى علاقة الأدببالرؤيا الحداثية لحركة الحياة وصراعها أو ربما لما يمكن تسميته (بالبطولة الواقعية)، فهي تقول في حوار صحافي عام 1994 «الشاعر الحديث هو إنسان ضحية. ليس إنسانا بطلا لا غير. وأرجو أن لا يفهم من حديثي القول بقتل البطولة...». وتقول «الأوضاع السياسية تحتم أحيانا على الشعراء أن يتناولوا موضوع البطولة على نحو تقديسي أو احتفالي يقول بالبطولة وبضرورتها، لكن في الوقت نفسه هذا، إذا كان (أصبح) الغاية والمقصد، يجيء مناقضا للرؤية الحديثة للإنسان».

هذه الأفكار التي مثّلت نوعا من الواقعية الهادفة لعدم الانجرار وراء شعارات وخطابة غلفت الخطاب العربي في مرحلة الخمسينيات والستينيات على حساب المعالجة الفاعلة الموضوعية للقضايا، ستتردد لاحقا في أعمال مفكرين وأدباء وسياسيين آخرين، ولكن بعد أن دفع العرب ثمنا باهظا. بل ستصبح جزءا من فكر ما بعد الحداثة الذي نضج في نهايات القرن العشرين.

فكرة أخرى تطرحها سلمى وتستحق التوقف، هي عن أثر الاستعمار في قتل الاتجاهات اللبيرالية والتحررية العربية. فعلى عكس الفكرة السائدة عن الربط بين الفكر اللبيرالي والاستعمار، توضّح سلمى ودون أن تكون معنية حقيقة بالجانب السياسي من هذا الجدل، كيف أنّ بدايات القرن العشرين كانت تشهد حركة تحرر اجتماعية وسياسية واسعة، ولكنها ضعفت بسبب عاملين أساسيين: الأول هو الهيمنة الاستعمارية التي أوجدت ردة فعل معادية بين العرب للبيرالية الغربية والحرية الاجتماعية. والثاني هو مجموعة حركات دينية جاء صعودها أيضا بفعل الاستعمار.

أفكار سلمى في الحداثة والبطولة والعمل العام لا زالت برأيي تستحق الكثير من الدراسة والتمحيص، ولعل ضخامة إنجازاتها في الترجمة وإعداد الكتب والدراسات والموسوعات لاحقا أدى لجعل أفكارها في الظل إلى حد ما، تماما كشعرها فهي صاحبة ديوان شعر واحد نشرته سنة 1960 ثم لم تنشر ديوانا آخر بسبب انشغالها في عملها الأدبي الإعلامي الواسع.

سلمى المنهج

إذا كان الكتاب العربي عموما يعاني مشاكل حقيقية في تحريره وتدقيقه، والمنهجية العلمية في التوثيق والكتابة، فإنّ سلمى تخضع عملها لمعايير صارمة، ومكلفة جدا من حيث الوقت الذي تستغرقه والتكاليف المادية. فإذا كانت هي من يضبط معايير البحث والكتابة، ويراقب عمليات الترجمة ومستوياتها، فإنّ عملها يمر عادة في مراحل وتستعين بعدد من الخبراء في كل مرحلة مما يجعل ما تقوم به فريدا. فمثلا تتضمن عملية نشر مجموعة نصوص أدبية (أنطولوجيا) وترجمتها، مرحلة جمع النصوص والتدقيق فيها وهو ما قد يتطلب جلسات تشاور مع الكتاب والنقاد في أكثر من دولة، ثم تتم الترجمة على يد مترجمين قديرين، ثم يتم تدقيق الترجمة من سلمى ومن محررين ضليعين من أبناء اللغة الإنجليزية نفسها، ثم يستعان بشعراء وأدباء من أبناء اللغة نفسها لضبط الترجمة أكثر. ولعل من عمل مع سلمى يدرك صرامتها التي أدت إلى اتهامها من قبل البعض بالقسوة.

سلمى المشروع: بروتا ورابطة الشرق والغرب

بدأت سلمى الخضراء الجيوسي، في عام 1979 التفكير في تأسيس مشروع كبير للتعريف بالثقافة العربية في الخارج، بعد أن تلقت دعوة لإلقاء المحاضرة السنوية في كلية بارنارد في جامعة كولومبيا. وكان موضوع المحاضرة: «وضع الكاتب العربي اليوم». وتبعها إلقاء سلسلة محاضرات بالإنجليزية في جامعة كولومبيا. وكنتيجة للمحاضرة والإقامة في جامعة كولومبيا، زارها مدير دار جامعة كولومبيا للنشر، الأستاذ جون مور خريج جامعة برينستون، الذي استمع إلى محاضرتها في كلية بارنارد، وطلب منها التعاون معهم في نشر مجموعة من الأدب العربي الحديث مترجما. وكان وجود ناشر عالمي مهم، هو «دار جامعة كولومبيا» حافزا كبيرا لبداية المشروع لنقل التراث الإبداعي والحضاري العربي إلى الإنجليزية. وبالفعل تم عام 1980 تأسيس مشروع «بروتا» لنقل الثقافة العربية إلى العالم الناطق بالإنجليزية. ومن أجله تركت سلمى الخضراء الج ي وسي التدريس الجامعي، بعد أن عملت فيه منذ حصولها على الدكتوراة من لندن عام 1970 في كل من السودان، والجزائر، والولايات المتحدة الأمريكية. ولكنها بقيت مدة في جامعة ميتشيغان بدعوة منها كباحثة زائرة، وفيها بدأت العمل على مشروع «بروتا» بالتعاون مع عدد من أساتذتها الذين أسسوا معها هذا المشروع، ويمكن تلخيص مشروع «بروتا»، بأنّه مشروع تديره سلمى الخضراء الجيوسي، يعاونها عدد من كبار الأكاديميين والمترجمين العالميين، لنشر الأدب والفكر والتراث الحضاري العربي بالإنجليزية، من خلال تعاونها مع كبار دور النشر في الغرب، التي أعطت سلمى الخضراء الجيوسي ثقتها، وهي ثقة تعززت مع تقدم المشروع. ومن ثم بدأت مؤسسات عربية وغربية تدعم مشروعها، وشيئا فشيئا أصبح نتاج «بروتا» جزءا مهما من المكتبة الإنجليزية والعربية، على حد سواء، وكانت سلمى هي المحرك للمشروع والمتابع لإنتاجه بكل تفاصيله، فكانت باحثة ودارسة ومؤلفة ومترجمة ومحررة ومديرة للمشروع الذي لا يوجد له حتى اليوم رغم كل ما أنجزه، مما تعجز عنه كبرى المؤسسات الأكاديمية والعربية، مقر رسميّ، سوى منازل الجيوسي وعائلتها، ومنازل المتعاونين معها، في الولايات المتحدة، ولندن، وعمّان. لقد أصدر المشروع حتى الآن خمس عشرة موسوعة أدبية و دراسية وتاريخية وفكرية والعديد من الترجمات للأدب والفكر العربي. وفي عام 1990 خطت سلمى بالمشروع مرحلة جديدة، عندما أسست «رابطة الشرق والغرب»، بحيث تتولى الرابطة العمل البحثي والدراسات، فيما تتولى «بروتا» الترجمات حصرا، وقد بلغ نتاج المشروعين ما يقارب 50 مجلدا وكتابا، منها عشر مجموعات كبيرة «موسوعية» مترجمة، طبع كثير منها عدة طبعات. وأصبحت مرجعا عالميا للأدب العربي، لذلك فليس غريبا مثلا أن تستشيرها أكاديمية نوبل في أواسط الثمانينيات حول أسماء المرشحين لجائزة نوبل، فكان دورها في ترشيح نجيب محفوظ للجائزة حاسما، وقد دعيت لحضور حفل توزيع الجوائز في استُكهولم شتاء 1988، اعترافا بالدور الذي لعبته في عملية الاختيار لنجيب محفوظ،.

واستقبلها مرحبا جلالة الملك خوان كارلوس، ملك إسبانيا، بحضور سمو الأغا خان، تقديرا لدورها في إدارة ونشر موسوعة بحثية شاملة عن الأندلس بمشاركة عشرات الخبراء العالميين، وقد ألقت الكلمة الافتتاحية في المؤتمر العالمي الذي أقامته مؤسسة الأغا خان بالاشتراك مع مؤسسة «بروتا»، حول الحضارة الإسلامية في الأندلس، في غرناطة، عام 1991 وافتتحه جلالة ملك اسبانيا.

تحدث عشرات من أهم المفكرين والمثقفين العرب (والأجانب) عن مشروع سلمى، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، المفكر الفلسطيني العالمي الراحل إداورد سعيد، عندما قال تعليقا على جهود الجيوسي في تحريرها لموسوعة الأدب الفلسطيني الحديث ونقل الأدب والثقافة العربية إلى اللغة الإنجليزية: «هذا المجلد الكبير المحرر جيدا والمترجم والمحقق، هو معلم حي من معالم ثقافة شعب يمثَّل بالإنجليزية الآن لأول مرة، وذلك بفضل جهود سلمى الخضراء الجيوسي التي لا حدود لها.»

وقال الأستاذ الجامعي والناقد المرموق عبدالواحد لؤلؤة: «لا أعرف وزارة ثقافة بين الماء والماء خدمت الثقافة العربية، وقدمت الأدب العربي إلى الناطقين بالإنجليزية، مثلما فعلت الدكتورة سلمى الخضرا الجيوسي».

وقال كلوفيس مقصود، وقت كان ممثل الجامعة العربية في الولايات المتحدة: «إن سلمى الخضراء الجيوسي من أرفع الشخصيات الأدبية في زمننا، وهي في جوهرها شخصية نهضوية (أي أنها تنتمي لطراز مثقفي عصر النهضة الأوروبية)، مجدة نشطة، خلاقة، وملتزمة التزاما قويا بالدور الإشعاعي للأدب العربي».

ولعل ما قاله الأكاديمي والناقد عبدالله الغذامي، ذو معنى خاص، فهو قد قال «أهنئك بحرارة على هذا الحضور المبهج لمشروعك على رفوف المكتبات في أمريكا. لقد أحسست بالفخر والانتماء وأنا أرى الترجمات تعلن عن ثقافة أمتي وعن اسمها وتضع (العربية) في منافسة ثقافية مع لغات العصر وثقافاته». فمشروع سلمى أوجد مكانا أرحب للفكر والأدب العربيين في المكتبات العالمية، بعد أن غطت الأعمال التي رعت ترجمتها وتأليفها مختلف العصور العربية والإسلامية وجميع الدول والجنسيات في الحضارة العربية.


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة