Culture Magazine Thursday  17/11/2011 G Issue 352
أوراق
الخميس 21 ,ذو الحجة 1432   العدد  352
 
الكتُاب الغامضون لمن يكتبون؟!
عبدالله آل ملحم

لا تتهم نفسك بعدم الفهم إذا قرأت ولم تفهم، فثمة كتابات غامضة، وكتاب غامضين، وعدم فهمك لما يكتبون لا يعني تفوقهم وإخفاقك، أو ذكاءهم وغباءك، وإنما قصورهم عن إيصال المعلومة إليك، وعجزهم عن القدرة على إفهامك ما كانوا يريدون قوله، وبالتالي فشلهم في التواصل معك، وافتقادهم للتفاعل الإيجابي الذي يُفترض إنه أهم سمات المثقف الفاعل، قطعا لست أعني فهم الجاهل للعالم، أو الأمي للمتعلم، أو غير المثقف للمثقف، ممن قال فيهم المتنبي:

وكم من عائب قولا صحيحا

وآفته من الفهم السقيم !!

ولا جدلية أبي تمام يوم قيل له: مالك تقول ما لا يُفهم، فقال لسائله مالك لا تفهم ما يُقال، ما أعنيه توصيف واقع ذوي الثقافة المشتركة، الذين يحملون القدر المفترض لفهم الذين صدروا معهم عن ذات الموارد والمشارب، ومع ذلك امتنع فهم أحدهم عن استيعاب الآخر، كأن تجد أستاذا في الأدب والنقد لا يفهم نصا يُصنف ضمن ما يُسمى قصيدة النثر، أو أديبا لا يفهم نصا لأديب، أو شاعرا لا يتذوق قصيدة شاعر، أو فيلسوفا لا يستوعب كلام فيلسوف، أو قاصا يجفل من سرد قاص، وبعد هذا يفترضُ حواة الكتابة المنغلقة والطلاسم المشفرة عدم الفهم في الذين قرؤوا ولم يفهموا، وليس عجزهم عن التواصل مع المخاطبين بما كتبوا.

قديما كان الأطباء يتذوقون ما يقوله الشعراء، وكذلك الفلاسفة والفقهاء، في تواصل ثقافي لا تُعكره مُنغصات اللغة الغامضة، أما اليوم فبعض شركاء النسيج الثقافي الواحد لا يفهم بعضهم بعضا، وحين سخر العقاد وطه حسين من فلسفة الرافعي في «السحاب الأحمر» لم يكونا متجنيين، ولا لكونهما خاضا معه أكثر من معركة على أكثر من جبهة، ولكن لأنه كتب كلاما فيه الكثير من الغموض والالتواء، ودليل ذلك أن الشيخ علي الطنطاوي وهو أحد الميالين للرافعي قال بنحو ما قالا، وما من شيء أدل على ذلك من كون كُتب الرافعي في فلسفة الحب والجمال لم تحض بالذيوع والانتشار الذي حضيت به كتبه الأخرى، كوحي القلم، وتاريخ آداب العرب، وتحت راية القرآن.

وقبل ذلك لما قال الكثير من المثقفين إن كتاب «نقد العقل المحض» لعمانويل كانط غامض وغير مفهوم لم يكونوا متجنين، أو عاجزين عن الفهم، ولكن لأنه بالفعل غامض ومعقد، ودليل ذلك أن كانط لما عرضه على صديقه الفيلسوف هرز ليقرأه لم يمكث عنده طويلا، وسرعان ما أعاده إليه، لأنه اصطدم بغموضه فنفر منه ولم يتم قراءته، رغم أن هرز واسع الاطلاع على علوم الفلسفة، وغير بعيد من كانط هيجيل الذي كان يصف حال القراء معه بقوله: لم يفهمني أحد إلا رجل واحد، وحتى ذلك الرجل لم يفهمني جيدا، وبالطبع لم يكن هيجيل مُبالغا لأن لغته كانت متسمة بالتعقيد والغموض، وما من أحد أصدق من تعبير الإنسان عن نفسه .

كلما كان الكاتب محيطا بفكرة موضوعه كلما كان أقدر على التعبير عنها، والمبدع الحقيقي ليس الذي يحجب جواهر إبداعه بفولاذ الغموض والتعمية، ولكنه من يشدك بجاذبية آسرة، لا تعرف أنت حقيقتها، حتى تراك أسيرا لوهج تألقها وجمالها، ولا يهولنك كبر الأسماء، فليس كل ما يكتبه الكبير كبيرا، ودونك دواوين الشعراء الكبار اقرأها جيدا، وستجد في كل منها ضعفا ورداءة لا يليقان بسمعة كاتبها، ما تفهمه وتجد نوره في عقلك ووجدانك هو ما يستحق أن يُقرأ، وما عداه لا يستحق إضاعة الوقت معه، ولا ازدراء النفس لأجله، ولا التقازم أمام أحاجيه وألغازه!

Twitter:@abdullah_almolh * الإحساء

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة