Culture Magazine Thursday  09/12/2010 G Issue 324
فضاءات
الخميس 3 ,محرم 1432   العدد  324
 
لُغَةُ النَّقد.. بين (العَقَنْقَل) و(العَلْطَبِيس) 2-2
عمر بن عبدالعزيز المحمود

تَحدثتُ في الجزء الأول من هذا المقال عن ظاهرة (الغموض) و(التعقيد) التي اجتاحت (المشهد النقدي الحديث)، وأشرت إلى (الإبهام) الذي ابتُليت به (لغة النقد)، وصار النقاد يعتمدونه في (مُمارساتهم النقدية) التي يسقطونها على أي (عمل إبداعي).

والمطالع لغالب (القراءات النقدية) التي تعالج (النصوص الأدبية) على اختلاف أجناسها لا يشعر بأنها تقدم له ذلك (التفسير) الذي يفترضه فحسب، ولا يحس أنها تمده ب(الكشف) الذي يتوقعه فقط، بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى الحد الذي يتحول معه هذا (النص الأدبي) الذي تتماهى معه تلك (القراءة النقدية) إلى حالة من (الغموض) التام، و(الإبهام) المهيمن على جميع أجزائه، بعد أن كان يحتاج فقط إلى فك بعض (شفراته)، وكشف عن بعض مواضع (إبهامه) و(غموضه).

والحق أن هذا (الغموض) وذلك (الإبهام) و(التعقيد) الذي تمارسه غالب هذه (القراءات) ليس من طبيعة (الممارسة النقدية) ولا من آلياتها، بل هو من الصفات التي تقدح فيها، وتحولها عن وظيفتها الأصلية إلى مجموعة من (الخزعبلات) و(السفسطات) لا يفهمها حتى كاتبها، ليس لأنها (صعبة) و(عميقة التحليل) وتحتاج إلى (جهد) و(إعمال فكر) حتى تصل إلى الذهن، بل لأنه ليس وراءها أي معنى أصلاً.

وقد ألمحت فيما سبق إلى أن أصحاب هذه (الممارسات) لم يبتدعوا هذه (الغرابة) من عند أنفسهم، أو يتفقوا على العمل بها في ليلة من الليالي، بل هم في الحقيقة متأثرون ببعض (المناهج النقدية الحديثة) التي اتخذت من هذا (الغموض) و(الإبهام) وسيلة مثلى لمقاربة (النصوص الأدبية)، ومبدأ مهماً من مبادئها، ولذلك تجد بعض هذه الأقلام تهرع إلى مسايرة هذه المناهج دون تفكير، حتى في مثل هذه (الأسس العقيمة).

ف(المنهج البنيوي) على سبيل المثال - وهو من أبرز مناهج (نقد الحداثة) - يتصف نقده ب(الغموض) الشديد، حتى وصل الأمر إلى عدم وصوله إلى (المتخصصين) فيه، فما بالك بغيرهم من (المتلقين) العاديين؛ ولذلك يقول إيغلتون: ((بدا البنيويون بمثابة نخبة علمية مزودة بمعرفة باطنية بعيدة كل البُعد عن القارئ العادي)).

ومن أبرز الجوانب التي يتضح فيها (إبهام) (النقد البنيوي) و(تخبطه) في غياهب (الغموض) و(التعقيد) ما يلحظه (المتلقي) من (جداول إحصائية) متشابكة، و(رسوم بيانية) متشابهة، وما يمكن أن يصادفه (القارئ) من (أسهم) و(إشارات) تُحيل (الممارسة النقدية) إلى مجموعة من (الطلاسم) و(الألغاز) و(الأحاجي)، بل إن المتأمل (للنقد البنيوي) ليظن نفسه في كثير من اللحظات أنه يتصفح مجلة من المجلات التي تولي اهتماماً بالغاً ب(الكلمات المتقاطعة)، و(جداول السودوكو)!

ولذلك يرى النقاد أن ما يحققه (البنيويون) في حقيقة الأمر ليس (إضاءة النص)، بل (حجب النص)، وذلك بتركيز (النقد) على (لغته) و(أدواته) قبل الاهتمام ب(النص المبدع)، وهذا التركيز على (الميتالغة) من جانب نقاد (الميتانقد) الحداثيين يصحبه ولا شك الكثير من (الصخب) و(لفت الأنظار) (للنص النقدي)، بعيداً عن (النص المبدع)، وهم في هذا كله يفرضون على (النصوص الأدبية) (نظاماً) ليس نابعاً منها، ولا كامناً فيها، بل هو سابقٌ ومسقط عليها، وأنه يحتمي ب(التجريد) و(الغموض)؛ لعجزه عن السيطرة على (المادة).

وهذه الرؤية تنسحب كذلك على (المنهج التفكيكي) الذي يُعدّ من أبرز مناهج (نقد ما بعد الحداثة)، فقد وصل (الغموض) مع هذا المنهج إلى (أقصى غاياته)، وبلغ (التعقيد) برفقته إلى (أعلى مستوياته)، حتى اشتكى منه (التفكيكيون) أنفسهم، فقد اتسم نقدهم باللغة (الاستفزازية الحادة)، واستخدام (ألفاظ) و(مصطلحات) يتبرأ (الوضوح) منها، و(كلمات) لم يُسمع بها إلا عند أصحاب هذا المنهج.

وإذا أردنا أن نعرف الأسباب الذي تجعل أصحاب هذه (المناهج) تعمد إلى هذا (الغموض) الشديد، وتقصد هذا (الإبهام) الذي أضحى يهيمن على لغة (الممارسة النقدية) فإننا يمكن أن نجملها في مجموعة من الدوافع، من أبرزها: عجز أصحاب هذه (المناهج) عن تحقيق مآربهم في (العمل الإبداعي)، وعدم مقدرتهم على الوصول إلى شواهد من (النص) تدعم ما يقررونه من (مبادئ)، وتعزز ما يضعونه من (أسس)؛ ولذلك فلا حل حينئذ سوى الهروب من هذا العجز إلى محاولة تغطيته بهذه (اللغة الغريبة)، وتلك (المصطلحات الغامضة)؛ لخداع (المتلقي)، والتمويه عليه من حيث لا يشعر.

كما أن من هذه الأسباب طبيعة رؤيتهم (للغة النقدية) التي تقوم على (التقديس) و(التبجيل)، والنظر إليها ب(إجلال) و(تعظيم)، وأن هذه (اللغة) التي يُكتب بها (النقد) لا بد أن تسير بخط مُتوازٍ مع (النص الأدبي) من ناحية (الإبداع)؛ ولذلك فلا مجال لتحقيق ذلك سوى محاولة تعمُّد (الغموض) و(الإبهام)، وإتخام (الممارسة النقدية) بمجموعة من (الألفاظ) و(العبارات) و(المصطلحات) الموغلة في (الغرابة) و(التعقيد) و(الإيهام)، حتى يمكن أن تحصل هذه (اللغة) على نصيبها من (الاهتمام)؛ وبالتالي تظل (الممارسة النقدية) حاضرة غير متوارية أمام (إبداع النص) الذي يكاد يسرق (الأضواء) منها.

ويمكن أن نعد من أسباب انتشار ظاهرة (الغموض) عند أصحاب هذه (المناهج) القصد إلى (إبهار) (القارئ)، ومحاولة (إدهاشه)، و(لفت نظره) إلى هذه (الممارسات النقدية) التي تطبق (أسس) هذه (المناهج) وتسير وفق (مبادئها)، و(إيهامه) بأن ما يُقال في هذه (الممارسة) وما يُكتب بلغتها (استثنائي) وغير عادي؛ ولذلك فإن من (الجرائم) التي لا تغتفر عند أصحاب هذه (المناهج) محاولة (تبسيط) المعلومات، وتقديم (الطلاسم) التي يخترعونها، وتفكيك (الشفرات) (الفكرية) و(النقدية) التي يختلقونها إلى (المتلقي) بوضوح وسهولة؛ لأنهم يرون أن هذه (المناهج) ينبغي ألا يتعامل معها إلا (نخبة النخبة)، ويؤكدون أنه يجب ألا (يمارس قراءاتها) سوى أصحابها وحسب؛ ولذلك هم يزرعون بواسطة هذا (الغموض المتعمد) (الرهبة) في نفوس (المتعاملين) معها، ويخلقون بسبب هذه (المراوغة المقصودة) (الخشية) في نفوس (المتلقين)؛ كل ذلك لأجل أن يحيطوا أنفسهم بسياج سميك، بوصفهم الفئة التي بلغت مرحلة متقدمة من الثقافة (الفكرية) و(النقدية) و(اللغوية) و(الأدبية) التي تمنع من وصول غيرهم إليهم، ولأجل أن يوهموا (العامة) بأنهم يعيشون في برج عاجي لا يمكن (للمتلقي) العادي بلوغ مكانتهم.

كما يمكن أن نعد من أسباب هذا (الغموض) طبيعة بعض (الأسس) التي قامت عليها بعض هذه (المناهج)؛ فقد كان من أبرز (المبادئ) التي قامت عليها (نظرية التلقي) إعطاء (السلطة المطلقة) (للقارئ)، وأن وظيفة (القارئ/ المتلقي) ليس اكتشاف (النص)، بل (كتابته) و(إعادة إنتاجه) من جديد دون حدود واضحة يُحتكم إليها حين يقدم هذه (الكتابة) أو تلك (الإنتاجية)؛ فهي تتميز بقوة إيمانها بدور (القارئ) في (إنتاج الدلالة)، وشدة تعويلها على (المتلقي) في (تفسير النص) و(الكشف عن معانيه).

ولتحقيق هذه (السلطة المطلقة) كان لا بد أن تعطى (الحرية اللامحدودة) للقارئ ليقول ما يشاء في (النص)، ويفسره كما يريد، وهذا بلا شك أدى بدوره إلى فتح باب (الفوضى) في (التفسير)؛ لغياب (النص) الثابت واختفاء (المركز) أو (الجوهر)، والاعتماد على (اللعب الحر) و(لا نهائية القراءات)؛ ما يعني أن كل (القراءات/ إساءات القراءة) متساوية، وهو استنتاج منطقي في ظل غياب (النص) الثابت الذي يمكن أن نرجع إليه؛ وبالتالي فنحن لسنا مطالبين - في إبداع (قراءة جديدة/ إساءة قراءة جديدة) للنص - بتقديم أي قرائن أو أدلة من داخل (النص) لتعضيد ما نقول؛ ف(النص) لا وجود له، و(القارئ) وحده هو الذي يخلق (النص) كما يحلو له، ويمنحه (دلالاته) ووجوده كما يريد، وإذا كان الأمر على هذه الحال فلا نستغرب أبداً وجود (ألفاظ) لم يكن لها وجود من قبل، ولا نتعجب من ابتكار (مصطلحات) يخفى مفهومها إن كان لها مفهوم.

لقد أنشد (صفي الدين الحلي) يوماً:

إِنَّما (الحَيزَبُونُ) وَ(الدَردَبِيسُ)

وَ(الطَّخَا) وَ(النُّقَاخُ) وَ(العَلطَبِيسُ)

لُغَةٌ تَنفِرُ المسَامِعُ مِنهَا

حِينَ تُروَى، وَتَشمَئِزُّ النُّفُوسُ

أَينَ قَولِي: هَذَا (كَثيبٌ) (قَدِيمٌ)

وَمَقَالي (عَقَنقَلٌ) (قُدمُوسُ)

إِنَّما هَذِهِ القُلُوبُ حَدِيدٌ

وَلَذِيذُ الأَلفَاظِ (مِغَناطِيسُ)

وأقول: إذا كان (صفي الدين) يذم (الغرابة)، ويعيب (الكلمات الوحشية) في (النص الأدبي)، ويدعو فيه إلى (الوضوح)، واختيار الألفاظ (اللذيذة)، فماذا سيقول إذا طالع (المشهد النقدي الحديث)، وشاهد (ممارساته النقدية)، وأصغى إلى (لغتها) و(مفرداتها) و(مصطلحاتها)، وهي التي يُتوقَّع منها أن تكشف عن (غموض) ذلك (النص)؟

الرياض Omar1401@gmail.com
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة