Culture Magazine Monday  02/02/2009 G Issue 269
عدد خاص
الأثنين 7 ,صفر 1430   العدد  269
العالم الموسوعي
د. محمد بن عبدالرحمن الربيِّع

 

 

 

 

 

 

 

-1-

يمتاز عصرنا الحاضر بأنه عصر التخصص بل والتخصص الدقيق والأدق فالعالم المتميز يتخصص في جزئية من علم من العلوم ولذلك قل العلماء الموسوعيون وكاد عصرهم ينقرض.

ولاشك أن اتساع دائرة المعارف وتشعب العلوم واستقلاليتها وكثرة الفروع للعلم الواحد جعلت المتخصص يقضي عمره كله في دراسة جانب من جوانب تخصص واحد ليتعمق فيه ويصبح مرجعاً له.

وقد نشأ في المجال الثقافي ما يمكن أن يطلق عليه (أمية المثقفين) أي جهل مطبق بكثير من العلوم وتعمق في علم واحد أو جزئية من ذلك العلم.

لقد حفل تاريخنا العلمي والثقافي على مر العصور بالعلماء الذين يجيدون أكثر من علم وفن فتجدهم علماء في الشريعة واللغة والأدب والتاريخ وربما في الطب أيضاً والطبيعيات والفلسفة والأمثلة على ذلك كثيرة.

وإذا كان هذا الصنف من العلماء كاد ينقرض فإن أستاذنا ابن عقيل خير ممثل له أو بقية من سلف موسوعي صالح أثرى المكتبة العربية الإسلامية بإبداعاته ومؤلفاته.

-2-

عندما أردت أن أكتب عن ابن عقيل الظاهري وقعت في حيرة من أمري فهذه الرجل متعدد المواهب موسوعي الثقافة له إسهامات علمية كثيرة من كتب ومقالات ومقابلات وحلقات إذاعية و.. وقد أحصى له الدكتور أمين سيدو في كتابه الوراقي عن ابن عقيل (شيخ الكتبه) (1633) مادة (95) مادة للكتب المؤلفة والمحققة (417) مادة للبحوث والدراسات المنشورة في الدوريات.

أما مقالاته في الصحف فقد بلغت (872) مقالة وقت تأليف الكتاب عام 1412هـ.

ولعل خير وصف لموسوعية ابن عقيل هو ما قاله عنه الدكتور: غازي القصيبي (من هو أبو عبدالرحمن فقيه أم مفسر؟ أم أديب؟ أم باحث؟ أم كاتب؟ أم شاعر فصحى؟ أم شاعر نبط؟ أم مؤرخ؟ أم صحافي؟ أم محقق؟ أم جغرافي؟ أم روائي؟ أم كاتب ساخر؟ أم قاص؟ أم ناقد؟ أبو عبدالرحمن هذا كله وأكثر من هذا كله بكثير متعنا الله بحياته وصحته.

أو كما قال عبدالله نور رحمه الله: (خزان معلومات..).

-3-

عندما أصبح ابن عقيل منتمياً إلى المذهب الظاهري مذهب داود وابن حزم انبرى للدفاع عن المذهب ولتحقيق كتب الظاهرية ونشرها.

وكان سبب انتمائه للظاهرية هو الإعجاب بابن حزم رحمه الله وفي ذلك يقول: ابن حزم والدي ومعلمي وصديقي نفعني الله بكتبه المطبوعة والمخطوطة فورثت تعدد التخصص في مختلف المعارف وأحكمت صناعة المنطق والجدل وتعلمت حرية الفكر التي أسير بعزائمها حريتي السلوكية والإرادية أرى صحة فقهه تأصيلاً لا تطبيقاً أما اجتهاده في قضايا العقيدة فلي عليه ألف تحفظ.

وقد قام ابن عقيل بتحقيق الكثير من الكتب والرسائل وكتابه البحوث والدراسات عن الظاهرية مثل (تحرير بعض المسائل على مذهب الأصحاب)، وكتاب (ابن حزم خلال ألف عام) والذخيرة في المصنفات الصغيرة والشروح والتعليقات على كتب الأحكام الصغرى والوسطى والكبرى.

وتحقيقه لكتاب أبي الوليد الباجي (تحقيق المذهب) وتحقيق كتاب (نوادر ابن حزم)، وكتاب (خلاصة في أصول الإسلام وتاريخه) ورسالة الألوان لابن حزم). وأعتقد أن أحداً لم يخدم المذهب الظاهري ويعنى بنشر أصوله ومراجعه في العصر الحديث كما خدمه ابن عقيل فكانت ظاهريته مكسباً كبيراً للمذهب.

-4-

ومع تقلبات حياته وأطوار تفكيره فقد كان صريحاً واضحاً في حديثه عن كل مرحلة من حياته وربما انتقد بتكشف المستور والحديث - أحياناً عن الممنوع لكن الرجل جبل على الصراحة والبعد عن النفاق والاعتراف بالخطأ ولذلك فإن ما كتبه عن سيرته الذاتية يستحق الدراسة والتأمل فهو يمثل ظاهرة ربما تبدو غريبة في الوسط الذي نشأ فيه وترعرع ويمكن لمن أراد أن يعرف سيرته الذاتية أن يعود إلى كتبه ومقالاته وبخاصة كتاب (تباريح التباريح: سيرة ذاتية ومذكرات وهجيرى ذات)، وكتاب (شيء من التباريح: سيرة ذاتية وهموم ثقافية) وكتاب (الحباء من العيبة عن زيارتي لطيبة).

-5-

ويعمد الشيخ ابن عقيل - سلمت براجمه من الأوخاز - إلى شيء من الغرابة في عناوين مقالاته مثل أدلجة لأفكرته ودحض الأركونية بالديغمائية وبين حصير أبي العلاء وعنز غاندي وأشهدوا على معجب فإنه يعلك اللجام وأحياناً يختار عنواناً فيه طرافة أو غرابة لسلسة طويلة من المقالات قد تستمر أشهراً كسلسلة مقالاته في الجزيرة بعنوان (حلقونات) وفي المسائية بعنوان (مقياس المقاييس) و(ملاعبة الصيد) و(قضايا غرب) في المدينة.

-6-

وقد اهتم ابن عقيل من عهد مبكر في حياته بالشعر النبطي في نجد بصفة خاصة باعتباره وثيقة تاريخية ومصدراً مهماً - وأحياناً وحيداً - لمعرفة كثير من الأحداث والوقائع في عصور العامية وهذا لا يعني بالضرورة تفضيل العامية على الفصحى فابن عقيل نصير الفصحى.

وفي هذا الميدان علق ابن عقيل على شعر عبدالله بن صقيه التميمي وجمع شعر شليويح العطاوي، وكتب عن ابن لعبون: حياته وشعره، وعلق على كتاب من أشعار الدواسر، وأصدر كتاب نجد في عصور العامية، وأوزان الشعر العامي بلهجة أهل نجد.

-7-

وحتى يتمكن ابن عقيل من نشر كتبه وأبحاثه فقد سلك ثلاثة مسالك أولها التفرغ التام للتأليف والكتابة وقد نجح في ذلك بعض الوقت لكنه شُغِلَ بأمور أخرى.

والثاني هو إنشاء دار نشر خاصة باسم (دار ابن حزم) وقام بنشر الكثير من كتبه عن طريق تلك الدار التي حملت اسم (ابن حزم) شيخ الظاهرية الذي تعلق به ابن عقيل.

والطريق الثالث هو إنشاء مجلة (الدرعية) لنشر بحوثه ومقالاته حيث يقوم بتحرير أغلب بحوثها أسوةً بأستاذنا الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - في مجلة (العرب) وإطلاق اسم (الدرعية) على تلك المجلة له دلالاته وأبعاده فالدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى ومنطلق التاريخ الحديث للجزيرة العربية.

-8-

وقد كرم النادي الأدبي بالرياض عام 1425هـ ابن عقيل في احتفالية كبيرة اشتملت على أمسية خطابية تكريمية ثم ندوة علمية بعنوان (أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري وجهوده في خدمة الأدب والفكر والتراث (شارك فيها الدكتور: عبداللطيف الحميد ببحث عنوانه (أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري مؤرخاً وبلدانياً)، والدكتور: وليد السراقبي ببحث عنوانه (أبو عبدالرحمن ابن عقيل محققاً).

كما أصدر النادي كتاباً عن ابن عقيل بهذه المناسبة للدكتور: أمين سيدو بعنوان (شيخ الكتبة: حياته وآثاره وما كتب عنه) المعروف أن ابن عقيل هو الرئيس الثاني للنادي الأدبي بالرياض بعد الشيخ: عبدالله بن خميس وفي عهده شهد النادي تطوراً كبيراً وتنوعاً في الإصدارات والنشاطات الثقافية.

-9-

وختاماً.. فإن ابن عقيل يستحق تكريماً وتقديراً يليق بمقامه وقامته الثقافية ولعله يُكرَّم في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) فهو أهل لذلك كما أتمنى أن يجمع بحوثه ومقالاته الكثيرة المشتتة في الصحف والمجالات وأن ينسقها في كتب مفيدة يسهل الرجوع إليها. ولي عتب خاص على شيخنا ابن عقيل يتعلق بانقطاعه عن حضور دورات مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذي هو عضو مراسل فيه وكم كانت سعادتي بشرف العضوية في المجمع معه لكنه لم يحضر ولعله يراجع نفسه ففي حضوره فائدة كبيرة والمجمع بحاجه إلى أبحاثه في تاريخ الجزيرة العربية.

رئيس النادي الأدبي بالرياض سابقاً

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة