الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 14th April,2003 العدد : 7

الأثنين 12 ,صفر 1424

المرأة بين أقواس «الاسم والإشاعة والجنون»
د. صالح زيَّاد

تأخذ علاقة المرأة بالمجتمع المحيط محور التركيب الفني وبؤرة الخطاب، في «اليوم الثالث» احدى روائع عبدالعزيز مشري القصيرة، في مجموعته «بوح السنابل». وتبدأ القصة بوفاة «أبو الثمان بنات» بعد مرض غامض سريع، فيترك امرأته ووصيته التي لم يتنفس بعدها:
«يا زينة، ليس بيدك، ولا بيدي.. خذي هذه الفروخ من رقبتي، وعلقيهم برقبتك، كما تعلقين مفتاح الحجج والصكوك القديمة»
ويبدأ منذئذ كلام الناس واشاعاتهم عن زينة، وهو كلام يأخذ عدوانية الهتك والتقحم بقدر ما يسلك سبيل التلصص والرجم بالغيب، ويرد معروض نصوصي في تحاور مضمر مع إصرار زينة على العمل الكريم واكتساب معاشها ومعاش بناتها بشرف من خلال فلاحة الأرض ورعي الغنم.
قالوا:
«لو أنه ترك فيهم ولداً يحميهم باليد والعين».
وقالوا:
«ليس للحرمة غير ظل الرجل، وليس للبنات غير سترة الأزواج.. طاح رجال بزنود خضر.. تطيح أرملة ولو برز زندها».
ثم قالوا:
«زهق فلان، بعد غطاء الليل، فدق الباب، وفُتح الباب، وجرى ما جرى».
وبمنظور داخلي، تعرض القصة زينة، وهي تلجأ الى ربها تجاه هذا البهتان:
«اللهم يا مفرج الكرب، فرج كربة من رفع يديه تحت ناظريك، وانزع عنه مظلمة من التجأ اليك من المظلومين».
فيُدق باب الدار، ويأتي الخاطب من زاوية الإغراء بالمقاومة للإشاعة وقتل التلامز بالحلال، قائلاً:
«تعالي، أكون لك حامياً، وللسانهم مانعاً قاطعاً، فهذا وربي مع الوقت لأقوالهم قاتل نافذ».
وتفاجىء زينة القوم بزواجها، لكن هذه المفاجأة تنقلنا الى طور من الأقوال التي تعرضها القصة تتصارع بين الاثبات والنفي، والاتهام والتبرئة، ومحورها، في الحالين، زينة، وحدها. وتالياً، تأخذ الأقوال منحى جديداً يحارب زينة، أيضا، من خلال تلك العلاقة التي تضمنت الأقوال في طورها الأول استدعاءها واسبغت عليها الأمن والحماية والحلال، لتكون ايجابا في مقابل السلب «الضعف، الخوف، الحرام..» الذي مثَّله انفراد زينة وكفاحها، وهي علاقة الزواج الشرعي واقترانها برجل.
«إن الميتمة (أي الأرملة) انقلبت مع الترمل كرجل، تمدوترد وتأمر وتنهى، بالفلان أو فلان وفلان.. لا شخص له، ولا حول فيما تقوله زينة»
ويصطرع زوج زينة بين واقع البراءة التي تحدثه بها راحته وسكون حياته بعد أن سكن الى زينة، وبين الشك والوهم وضيق الصدر الذي أنتجه كلام الناس، والنتيجة هي انتصار كلام الناس، فهم «لا يستخرجون القول من جيوبهم، وزينة شديدة في اليد، عزيمة في الزند، غليظة في النهي والأمر». ويأتي الحسم:
«لا بارك الله في طمأنينة تأتي من خلف امرأة تمشي بالرجل كالدلدول».
طلاق زينة الذي يُعلن على الشهود، يُستقبَل من زينة بالصبر والصمت والجلد ومزيد من الصمود. لكن القصة تنعطف بزينة الى صراع جديد أشد قسوة وأكثر رعباً وغموضاً، حيث يدق باب الدار، فتدخل الغريبة التي تفتح في حياة زينة الموغلة في الصرامة الواقعية نافذة المجهول والغيب:
«بك واحدة لا ترحم، جنية لا يقدر على استنطاقها من روحك غيري.. أماتت حامي عيالك، وفرقت بينك وبين زوجك بالبهتان، هادمة للملذات، مفرقة للجماعات».
وهنا تنتقل القصة الى عرض كلام الناس الذي يشيع عن زينة بهتاناً جديداً هو «الجنون» وفق ملفوظات تسبب به حياة زينة، وتقرنه بموت الزوج الأول، وبطلاقها من الثاني، وحرمانها من الزواج، وعنوسة من بقي من بناتها، وتقترح عليها الموت بالمفاضلة بينه وبين أن تبقى حية:
قالوا:
«جنية ترافقها، جاءت على زوجها الأول، وقسمت بالطلاق مع زوجها الثاني، منعت الخمس من الزواج، وقطعت نصيبها في الثالث. جنية مولية، لا هي شرقية ولا غربية..».
قالوا:
«ستنتقل الجنية بذراريها الى بنات زينة.. واحدة، واحدة».
قالوا:
«مسكينة تلك الشقية.. خير لها لو تموت فتريح وتستريح».
وتنتهي القصة في برد الشتاء وضبابه وصواعقه، هكذا:
«كانت زينة قد غابت عن عشرة عيون تموج بالفزع في رؤوس بناتها، منذ عشية البارحة، وقتما بحثن عنها فلم يعثر عليها، وجاءت الألسن طرف السيرة المعمرة بالجنون، إن الجينة اختطفتها الى الأبد. ثالث يوم في زمان غيبتها، اشتم بعض الرعاة رائحة لا ترضي الأنوف، قادتهم الى بدن متصلب بيدين مقبَّضتين، وفم لا يدخل هواء من بين أسنانه المطبَّقة، وقد تكورت من الرأس الى القدمين..
قيل: إن البرد اغتال زينة، وقيل:
صاعقة أودعتها الجنية فلبت وصرعت».
***
هذه القصة التي أبدعها عبدالعزيز مشري تصوغ علاماتها في بنية اتصالية لها مواصفاتها الثقافية التي لاتبيح لنا أن نقصر صورة المرأة المحكية على شخصية قصصية؛ لأنها، في هذه الحدود، لن تقوى على استثارة المخزون الرمزي الذي يحيل الى المعتاد والمألوف الثقافي. وهو مخزون استطاعت القصة أن تمثل فيه ما أصبح الإلف والتواضع والاعتياد حجاباً على المسكوت عنه واللا منكر فيه مما هو مشبع بالعدوانية وامتهان الكينونة الانسانية للمرأة وقتلها على النحو الفاجع الذي انتهت اليه القصة.
ويمكن أن نقف على أبرز ما تمدنا به القصة من العلامات التي تتيح مجادلة دلالتها في ذلك الأفق الثقافي للدلالة:
1 زينة:
وهو اسم المرأة التي تتخذ القصة من علاقتها مع مجتمعها محوراً لبناء خطابها. وقد عمدت القصة الى تسميتها أو بالأحرى اعلان اسمها في مقابل اغفال أسماء الشخصيات المتعالقة معها، فليس في القصة عَلَمٌ سواها. ولن ندرك دلالة التسمية لزينة إلا في ضوء البصر بعلاقة الاسم بالمرأة من زاوية البنية الاتصالية التي تنطوي عليها القصة بما يحيل تسمية المرأة الى علامة ثقافية تحمل تواضعات وسط ثقافي اجتماعي معين.
وفي هذا الوسط جرت المواضعة على ان ذكر اسم المرأة أمر غير مقبول. فالتسمية تحمل دلالة التعيين والتخصيص للأشياء والأشخاص والأفكار، ومن ثم التعريف بها واشهارها، فهي افراد في مقابل عموم، وذكر في مقابل نسيان، ونطق في مقابل صمت، ووجود في مقابل عدم، كأننا حين نسمي شخصاً أو شيئاً أو معنى نفرده بوسمه بخصوصية الاسم، وبذلك يخرج من حيز المجهول والمعدوم الى حيز المعلوم والموجود، ومن مدار العموم الى الخصوص، ومن الاجمال الى التعيين.
تسمية امرأة، إذن، يعني أنها وجود فاعل وكينونة ذات خصوص وتعين، وهو حال يخرج عن المواضعة الثقافية الاجتماعية تجاه المرأة، الأمر الذي يجعل من تسمية امرأة تدليلاً على «ستر حالها» كما حدث في الاشاعة عن زينة مع زوجها الثاني، أو «خرقها لستر العفاف» كما حدث في الاشاعة عنها بعد وفاة زوجها الأول. وفي الحالين نرى الثقافة وهي تنشىء مواضعة المحو والتجهيل والتغييب لكينونة المرأة من حيث يغدو ذلك أداة حصار وقهر واستلاب بوساطة التسمية التي ترادف التشنيع والتشهير.
وللحديث بقية إن شاء الله..


zayyad62@hotmail.com

الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
حوار
تشكيل
كتب
مسرح
وراقيات
ذاكرة
مداخلات
المحررون

ارشيف الاعداد


موافق

ابحث في هذا العدد

للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved