الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الجزيرة
Monday 07th February,2005 العدد : 92

الأثنين 28 ,ذو الحجة 1425

استراحة داخل صومعة الفكر
استراحات على سطح الثريا حزام العتيبي
سعد البواردي

المسافة بين استراحة الصومعة.. واستراحات الثريا بعيدة بعيدة.. وشاقة.. إنها تحتاج إلى منصة فضائية.. وصاروخ متعدد الرؤوس.. وعربة فضائية تحط على سطحه وتبث للقاعدة الأرضية مشاهدها واستكشافاتها.. هذا إذا كانت ثريا شاعرنا العتيبي هي تلك النجوم التي تبرق في كبد السماء على بعد آلاف الملايين من الأميال عن كوكبنا الأرضي..!
لا أظن ثرياه التي حط على سطحها وأقام عليها استراحاته الا ثريا لا تجهدنا أكثر من بضع ساعات على كرتنا التي نعيش فيها كتلك الاستراحات المتناثرة حول مدننا وقرانا يلجأ إليها أصحابها تلمساً للراحة هروباً من صخب المدن وضوضائها.
البداية.. أدواتها مجاديف لا تبحر فوق لجة الماء.. وإنما تتحرك بدفع اليانصيب.. عنوانها (مجاديف اليانصيب).. فهل تصيب؟!
تتمايل الأغصان في حفل بهيج
تترنح الأوتار في قرب الحبيب
يزدان ليلي بالشموع
والدمع يولع في خضوع..
تلك مقدمات.. سنرى معاً إلى أين توصل.. هو نفسه لا يدري فغيب يومه على غفلة منه يخبئ له العجب العجاب.. ترى ما هو؟!
سأدير قرص حسرتي
سأدمر الأفراح في نفسي
العطر لا أهواه.. من باريس يرهقني
أي عطر آخر يهوى شاعرنا ما دام يخشى الحلم.. وما دامت نعومة الرقطاء تصعقه.. حتى الطيور المغردة داخل الدوح أهدت لغصنه بحيرات من الدماء.. يا للهول.. بحيرات لا بحيرة واحدة.. حتى البحيرة لا يتسع لها أي حقل.. ثم لماذا الدماء أليست الطيور بتغريدها صوت حب.. وأمل.. وألفة.. لماذا إذاً يهرب؟!
سأعاود التجديف. لا. سأداعب الشطآن..
هل تتركوني؟! أين كرت اليانصيب؟!
يبدو أنه اختار التجديف في مكان آخر بعد أن ضاق بمكانه وبعصافيره المزقزقة لان نعومة الرقطاء من حوله تصعقه.. وتذكره بلون الدم ونهاية الدم.. انه يستنجد.. ويبحث عن كرت ليس لأحد قدرة عليه لأنه كرت نصيب.. هل كان يكره الغربة حتى ولو كانت خصبة؟ هذا ما توحي به مقطوعته الثانية (صرخة الأفراح) بعد أن اختار صحراءه هدفاً لمجاديفه:
لذة الصحراء.. أفراح النخيل
بلسم يكفي لتضميد الجراح الغائرة
ونضوب اليأس.. يكفي شاهدا
ودموع الشك أفراح لها..
تناقض في سرد الرؤية.. بلسم يكفي ويشفي من جانب.. وفي الجانب الآخر يأس يشهد.. وشكّ دموعه فرح به يحيا.. لا أحد يجيد الشك ولا اليأس انهما قاتلان يا صديقي.. ابحث عن غيرهما.. دع لصرخة أفراحك عودتها دون حزن.. دون مناداة.. النجم البعيد البعيد لا يسمع صوتك.. وحتى لو سمع ماذا سيتغير من حالك؟
(نجوم الثرى).. هل استوحى منها شاعرنا العتيبي سطح ثرياه.. ثرى الأرض.. وثريا السماء لا يلتقيان..
نجوم لها في عيون الثرى بطاقات عيد بماء الذهب
تهادت لأن الغيوم اشتكت..
وحل القضاء بدار الفضاء وعنا بكت
وقام الشهود وآخرهم يسائل شوقاً
وماذا جرى؟
كلنا يا شاعرنا نسائل حيرة مما جرى.. لماذا جرى؟!
شعاع يضيء بشمع يضاء
لتبقى الإضاءة دون الشموع
ليُحرق أصل.. فداء الفروع
ليكتب نصر لشمس الضحى
تبادل مختلط.. الشعاع يضيء بالشمع دون الشموع.. ما علاقة الشعاع بالشمع.؟ وأي نصر من هذا التناسخ نلمس؟ هل هي حدوته؟!
(رقعة الشطرنج) أرجو أن لا تكون مرقعة الأسبال تحتاج إلى خياط..
مربعات الماء تصرخ للهواء
باهتة، مكتومة
ورقعة الشطرنج ترزح في هدوء
لم يزل يخفي عروق الليل في شمس الضحى
في زرقةٍ موج الرياح أزاحها
هل تدركون ما هي؟ إنها أنشودة الكل يعرفها، والكل يعزفها. الكل يحرقها. والكل يغرقها.. إلا أنا فلا أعرف عن أمرها شيئاً ربما لجهلي في قراءة ما بين السطور لأنشودته هذه ومن أنشودته بكى العشب وهو يتلقى زخات المطر.. قطرة في جريانه يحبس دموع الشجر.. والحب.. والإنسان في حوض الزهر.. وفي النهاية يتساءل العتيبي: هل هذه أرض القمر؟!.. ربما كنت تحلم تحت وطأة حمى الشعرية لم تأخذ جرعة دوائها..
الصدق أصفر شاحب
يلوذ من أعدائه
فيحرق الأرض التي
أسقته دفئاً في الصغر
الصدق أبداً لا يحرق الأرض التي منحته الدفء.. الكذب وحده هو الذي يحرقه لأنه العدو
الأمل تهذي بصوت الفاجعة
تروم نيل الأمنيات الخادعة
وتعزف الألحان لتطرب الغصن الذي
ينوء بالأفراح في واحاته
لأنه في يومه واحة
يحس هول الواقعة..
هذه الصورة الشعرية لعلها الأقرب إلى الفهم نسبياً رغم غموضها.. الأنامل. الهذيان. الأمنيات الخادعة.. ممن؟ وعلى ماذا؟ لنترك للأنامل هذيانها بصوت مفجوع كي تجهز على الأمنيات الخادعة.. فاجعة تنال من خادعة بعد أن وقعت الواقعة.. تلك هي خيارات حزام بعد أن حزم أمره..
(استراحات على سطح الثريا).. عكستها لنا مرآة شاعرنا عن بعد بدت واضحة الإطار الخارجي.. أما في دواخلها فالأمر متروك للرؤية بعد الدخول.. وها نحن معاً نلج إلى استراحاته عبر بوابة واحدة:
غابة النعناع تصطاد أسيراً
كان حلماً في جدار الأبنوس
خطف الناي وغنى ثم للحب تغنى
رقصة الطار أعادت وعيه
هل يكون الغيب حلما باهتا؟!
ربما يرقص! طار الحلم أخرى
ضابط الإيقاع يرتاح قليلاً
والمغني يذرف الماء ويسقي
وطيور الحب نشوى
وسراب اللحن أضحى واقعاً
يستزيد الحرف إمضاء ونزقاً
فلم الدمع حبيس في القوافي
يبدو للوهلة الأولى أن استراحات شاعرنا غير مريحة.. الصورة ضبابية.. والمفردات غائبة عن أماكنها.. ناهيك عن المضمون غير المضمون.. المغني بدلاً من أن يذرف الماء أولى به أن يسكبه ما دام يسقي.. ثم أين هي القوافي التي أطبقت على الدمع وحبسته.. إذا كان من يحن للدمع فأولى بها المآقي.. أي العيون! لم نترك من استراحة ثرياه شبرا إلا وزرعناه.. وكانت النتيجة:
هذه قصة عام جدد العهد ولن يخشى وليدا
في جبين البحر. ما زال رضيعا
في فراسن المهد يبكي استراحات على سطح الثريا
وقصور من رخام.. أهلها لم يدخلوها
دع الوليد يبكي في مهده وفي حضن أمه.. انه أرحم من تلك القصور المهجورة.. لأن القصور يكتنفها ويغشاها بالضباب..
(عذراء الجبل) عنوان لمقطوعته التالية:
تلوح في الأفق البعيد
بشائر الربيع في وقت الشتاء
ويجثم الصقيع يهذي.. يقول: إنني
سأمنع الشمس عن الواحات فصلا كاملا
من أجل أن تكون غابتي..
مليئة بمن يقول سيدي
استراحة من استراحات ثريا.. يتحدى الصقيع فيها بشائر الربيع محاولاً أن يحجب أشعة الشمس كي لا تدفئ الواحات فتورق أزهارها..!
الصقيع لا يقوى على مواجهة وهج الشمس أن يتلاشى حتى لو حاول شاعرنا أن يقهر المعقول باللا معقول
تهتز كف الموج في عيدها فترقص الشطآن في أفراحها
وينتهي الحفل.. ويطفأ الشمع
وفي الصباح المر تحيا الكف يوم أحسها..
أما يومها فما أظن.. لأنها خبر كان:
في الخلف نار حارقة
وفي اليسار منجل
وفي الأمام عين سارقة
فهل تلوح بارقة..
من يعتقد؟!
الصورة هنا جميلة.. ومعبّرة لا تحتاج إلى ترجمة.. الفكرة فيها جلية.. متدفقة بالمعنى..
تطوف عذراء الجبل في ليلة الزفاف
تتابع الأخبار عن ذاك البطل
تصعقها الأنباء عن فارسها
فتخلع الملابس البيضاء
وتعلن الحداد.. عذراء الجبل
استراحة أخرى شهية المذاق لولا أن الفرح لم يتم..
تندمل الجراح.. ننسى. ننتشي..
نصطاد في الماء العكر
يأتي ربيع أو خريف. وشتاء
(الصيف ضيعت اللبن)
لا يهم ضياع اللبن بعد أن استخلصنا منه زبدة الفكرة نظيفة شهية..
رائحة البخور.. رائحة الدماء
رائحة الشواء تختلط فتزكم الأنوف
وفي الهضاب والتلال والآكام
يسرق القطيع، ويشحن القطيع
في البوارج الصخرية الحمراء
هل هذه بشائر الشتاء والأمل؟
إنها مؤشرات ضعف وإهمال وكسل.. الأمل يصنع الحيطة والحذر.. أين الراعي؟ بل أين حرس الحدود؟.. ألم يقل المثل:
(فظن شرا.. وكن منه على حذر)
(الفجر الأخضر.. والمشط المنكسر) استراحتان نتجاوزهما لنحط في استراحته إليها:
ما قصة الحزن في عينيك يا ماري؟
هززت قلبي فجادت فيك إشعاري
تجلدي يا فتاتي إننا بشر
ترتاح أرواحنا في صحبة الساري
لم تُخلقي صدفة. كلا. ولا عبثا
إلا لكي تعبدي للرب إجباري
ويطرح عليها سؤاله وقد تملكها وجوم وحزن:
يا أخت حرفي لماذا أنتِ واجمة؟
الكل في فرح من عاشق النار
هل أنتِ راهبة؟ أم لا تعين بما
يجري هنا وهنا في البر والدار
وتطول به المساءلة دون جدوى:
هذه خلاصة ما قد قلت بهمة
تبكي وتمرح من فجري لأسحاري
وهذه المرة أسائله هو: هل للنار عشاق يفرحون؟ للنور نعم.. أما النار فعشقها يوم أن يأتي الشتاء قارصاً ترتعد له الفرائص.. استراحات ثرياه. أو ثراه لا أدري كثيرة لا يسمح الوقت بدخولها: (الثلج والنار) ونهايته ذوبان.. (وشم الحديقة) أخضر لأنه ربيعي.. (إلى راحل جيكور).. (غجريتي) (سلام على بُرد ليلى).. وتشدنا كيلة الحناء لعلها استراحة عرس جميل تغمره الفرحة. والتوفيق.. لقد خدعنا العنوان بعد أن ولجنا ولم يعد أمامنا فرصة للتراجع.. (داحس). (طروادة) (تفاحة في جوف منفضة سجاير)
أين الفرح؟.. البداية غير مبشرة.. بدأها شاعرنا حازماً بحزم قائلاً لها:
أقول لك الآن عفواً
اسميك ناثرة للجراح على القطن
تحت شفاه.. يجدد جرحي..
يغازلها.. بكلامه المعسول.. يعدها:
سأحضر لكِ الفروة الذهبية
أشياء كثيرة لا وجود لها:
أين عقود البنفسج.. أين هي الآن؟
بل أين واسطة العقد في جيد ليلى؟
كل شيء غائب.. ليلة حنَّاه لا حنان فيها.. ولا حنو معها:
سيبكي عليك الرماد
والبقية يغطيها رماد الغموض فما ندري لها نهاية بعد أن قرأنا لها البداية.. وفي استراحته الأخيرة نلمح على جدران استراحته صور الجياد.. ومن بابها الخلفي ساحة للسباق.. وعنوان كتب عليه (سنابك الخيل)
الفروسية.. والفرسان.. أجمل ما ننهي به رحلتنا من مشاهد.. حتى ولو كانت شعرا.. فهل نسمع لها صهيلا..؟ وهل نرى لها غباراً؟ وأي فارس سيكسب الجولة؟ أم أنها جولة بلا فارس ولا فرس..؟
رأتني أصعد إلى جبل النار سعيدا
ومحتملا لبعض دمائي بين كفيها
أضاجع السفح ملتهبا
فأحرق الريح. احمل صخرتي
أعود إلى نقطة البدء..
ونحن كمتلقين ومتابعين لن نعود بعد إلى نقطة البدء.. سنتجاوز حاجب العشق وسنبلة القمح التي تنبت سبعا.. وأفروديت التي حملته كي ينسى أو يتناسى.. هاجسنا جميعا ينصب على الجياد:
بسطت لكفي سجادة الأثل. بعثرتها
واستوى الماء في ليل مائي
هديل الحمام المحجل يرقص في حجر روما..
الحمام قد يقربنا من الخيل:
ونهر السنابل يجري ليبني لها أرخبيلا
مدائن نهر معلقة في سنابك خيل
ومن كوة الجرح تأتين.. أنا ميديا
أراك بقبعة الحلم
وأعرف ما حل في أمنياتي
سأكشف كعب أخيلوس..
فمن يشتريني؟!
الفارس عرض نفسه للبيع.. وعرّض نفسه لتجربة سباق فاشل.. كان الأولى به أن ينجح كما نجح في بعض استراحاته.. أقول لصديقي حزام العتيبي لقد جاءت حزمة استراحاتك في بعضها غير موثقة.. وبالتالي غير موفقة لأنها باعدت بين المحتوى وأدوات الطرد فجاءت غامضة باهتة.. في بعض قصائدك ما يوحي بقدرتك على أن تكون شاعرا يمتلك ناصية الطرح وبشكل ترضي به نفسك.. ويرضى عنه الآخرون.. أعد نظراً يا صديقي لسوف يستبين لك درب العطاء دون ضبابية.. ولا تكلف.. ولا عملية قسر للمضمون.. ولا عملية قيصرية لولادة الشعر.. القصيدة تولد حية أو لا تكون، الأحرى بها أن لا تولد..


الرياض ص. ب: 231185
الرمز: 11321 فاكس: 2053338

الصفحة الرئيسة
أقواس
فضاءات
نصوص
قضايا
حوار
تشكيل
كتب
ذاكرة
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved