منصور بن صالح العُمري
ليس كل من عاش طويلاً ترك وراءه عمراً يستحق أن يُروى، ولا كل من رحل مبكراً غادر قلوب الناس؛ فبعض الرجال تتسع حياتهم بما صنعوا من معروف، حتى تصبح أعمارهم القصيرة أطول أثراً من أعمار مديدة.
ومن هؤلاء خالي عبدالله بن حمد المالك، الشهير بعُبَيِّد بن مالك -رحمه الله-؛ رجل أدركته الرجولة قبل أن تغادره الطفولة، وسبقته مروءته إلى قلوب الناس قبل أن يسبقه اسمه إلى أسواقهم، ثم رحل وما زال سواد لحيته يخفي شعيرات بيضاء محدودة، تاركاً وراءه سيرة لم تستطع العقود أن تطويها.
شبل في عرين أسد
نشأ عُبَيِّد في كنف والده الوجيه الكبير حمد المنصور المالك -رحمه الله-، فتشرّب منه العصامية وقوة الشكيمة والجرأة في المواقف الصعبة، وتعلّم أن الرجال لا ينتظرون الظروف المواتية ليصنعوا بداياتهم، بل يصنعون من ضيق الظروف سعة، ومن العوائق معابر إلى ما يريدون.
وكان في شخصيته منذ صغره شيء من طباع الرجال الذين تستعصي عزائمهم على الانكسار؛ قوي الجسد، ثابت الجنان، عزيز النفس، لا يقبل ما يراه ظلماً ولو كان الثمن غالياً.
وفي الصف الرابع الابتدائي وقع الموقف الذي كشف عن تلك الطبيعة مبكراً؛ إذ أراد أحد معلميه أن يعاقبه على أمر لم يقتنع عُبَيِّد بأنه أخطأ فيه، فحذّره من أن يتطاول عليه بغير حق، ثم ترك المدرسة وعاد إلى والده يخبره بقراره.
ولكأنك ترى المشهد بين أسد وشبله؛ أب صقلته التجارب، وابن لم تكتمل سنوات طفولته، ولكن في عينيه من الثبات ما يعرفه الأب جيداً، لأنه يرى فيه شيئاً من نفسه.
حاول والده أن يثنيه عن قراره، غير أنه كان أعرف الناس بصلابة رأيه إذا عزم، فلما طمأنه الفتى بأنه لن يكون مطّرحاً على فراشه، ولا عالة على غيره، وأنه سيرى منه ما يسرّه، تركه لما اختار.
وليس في هذه الحادثة تمجيد لترك التعليم، وإنما هي شاهد على طبيعة شخصية استبقت سنها، وعلى فتى لم يكتف بإعلان استقلاله، بل مضى ليحمل تبعاته.
خرج من المدرسة صغيراً في عمره، ودخل مدرسة الحياة كبيراً في عزيمته.
من سوق الأغنام إلى قلوب أهل البادية
قصد عُبَيِّد سوق الرس، وبدأ يشتري الشاة ثم يبيعها بربح، ويعود فيكرر ما صنع، حتى أخذت التجارة تفتح له أبوابها، لا بما يملك من مال، بل بما يحمله من فطنة وجرأة وحسن معاملة.
وكانت الرس يومئذ مقصداً لرجال البادية الذين يفدون إليها بما تنتجه مواشيهم وأسرهم من أغنام وسمن وخيام وغيرها، بعد رحلات تترك الشمس آثارها على وجوههم، والغبار على ثيابهم.
وهناك وجد عُبَيِّد ميداناً اتسعت فيه تجارته، وظهرت فيه مروءته.
لم تكن علاقته بأولئك الرجال علاقة بائع ومشترٍ تنتهي بانتهاء الصفقة؛ فقد كان يكرمهم في بيت والده، ثم في بيته حين استقل مع والدته قبل زواجه، ويشتري منهم ويبيع عليهم، ويقرض من احتاج، وينظر من أعسر، ويثق فيمن لا يجد معرّفاً أو ضامناً.
وكانت ثقته بالرجال تسبق أحياناً معرفته بأسمائهم؛ إذ يرى في صدق اللهجة وعزة النفس ما يطمئن إليه قلبه، فلا يرهق المحتاج بالأسئلة، ولا يجعله يشعر أن حاجته قد أنقصت من قدره.
ولم يكتف بانتظارهم في سوق الرس، بل كان يزورهم في مرابعهم، ويخالطهم في مجالسهم، ويأنس بهم ويأنسون به، حتى صار اسمه معروفاً في مضاربهم، تتناقله الألسن قبل أن تراه العيون.
وكان الرجل منهم إذا قصد الرس، جاء وفي خاطره عُبَيِّد قبل السوق؛ لأنه يجد عنده ما يحتاج إليه من تجارة، وما هو أعز من التجارة: الثقة والنجدة وحسن الوفادة.
وهكذا أصبح المقصد الأول لكثير من رجال البادية في منطقة القصيم، بيعاً وشراءً واستدانة وطلباً للفزعة، وهو لا يزال في بدايات شبابه، غير أن رجولته كانت قد سبقت زمانها.
بدأ يشتري الأغنام ويبيعها، فإذا به يبني مع كل صفقة جسراً إلى قلب رجل، حتى أصبحت محبة الناس أعظم ما جمعته تجارته.
ثروة لم تغيّر صاحبها
ومضت الأيام، واتسعت تجارته، وتعاظمت ثروته، ولكن عُبَيِّد بقي كما عرفه الناس أول مرة؛ بسيطاً في معاشرته، بشوشاً في استقباله، قريباً ممن يقصده.
لم يجعل الثراء بينه وبين رجال البادية حجاباً، ولم ينس لهم فضلهم في بداياته؛ فقد كانوا شركاء رحلته التجارية، فظل يرى لهم حقاً من الوفاء لا يسقط بتبدل الأحوال.
كان يأتيه الرجل رثّ الثياب، قد لوّحت الشمس وجهه، وتعلّق غبار الطريق بأطراف لباسه، وربما فاحت منه رائحة عرق السفر، فيستقبله عُبَيِّد بعناق حار وبشاشة صادقة، لا يتصنّع حفاوة ولا يتكلف تواضعاً.
ثم يسمع حاجته، ويقضي ما يستطيع منها، كأنما لم تتغير بينهما الأيام، ولم تتسع بينهما المسافة التي يصنعها المال أحياناً بين الناس.
وكانت له هيبة لا تنفّر، وألفة لا تُذهب الوقار؛ قوياً إذا استدعى الموقف قوة، رقيق القلب إذا رأى حاجة أو انكساراً.
ولعل أجمل ما في ثروته أنها كبرت في يده، ولم تكبر في قلبه.
فزعة لا تنتظر النداء
لم تكن مروءة عُبَيِّد تنتظر استغاثة لتنهض، ولا دمعة لتتحرك؛ فقد كان يبصر الحاجة قبل أن تُعرض عليه، ويستشعر الكربة قبل أن يشكوها صاحبها، فإذا بلغه نداء مستغيث كان أسرع إلى نجدته من صدى النداء إليه.
كان من الرجال الذين تُعرف معادنهم عند الشدائد؛ فإذا أقبل المكروب، أو استغاث من أثقلته الديات والمغارم، وجد عنده قلباً يتسع لهمّه، ويداً تمتد لمعونته.
وقد يأتيه رجل لا يعرفه، تحمل دية عظيمة أو ألجأته ظروفه إلى الاستدانة، فلا يجعل غياب المعرفة سبباً لرده، ولا يكتفي بإعطائه ما تيسر ثم يصرفه؛ بل يفزع معه حتى يقضي لزومه ويزيح همه.
وربما جاءه المستغيث في هزيع الليل، وهو مستلقٍ على فراشه، فينهض كأن المصيبة نزلت به، لا برجل طرق بابه.
وأي مروءة أعظم من أن يكون نوم الرجل أهون عليه من همّ أخيه، وأن يرى راحة المحتاج أولى من راحة نفسه!
وكان إذا أقرض لم يُلحّ في المطالبة، وإذا أعسر المدين أنظره، وإذا عجز لم يزد عليه ثقل الدين بثقل الملامة.
لم يكن معروفه طريقاً إلى المنّة، ولا عطاؤه وسيلة إلى استتباع الناس؛ وإنما كان يبذل وكأن قضاء الحوائج حق للمحتاجين عليه.
وهنا تتجلى صورة عُبَيِّد التي أحبها أهل البادية؛ رجل لا يحتاج المستغيث عنده إلى طول تعريف، ولا يخشى المدين أن تنقلب حاجته إلى مذلة.
وصية تختصر رجلاً
ومن أبلغ ما يُروى عنه تلك الوصية التي قالها لوالده وابنه الأكبر، وكان يومئذ شاباً في مقتبل العمر وتعرض لحادث قاتل، وقال هذه الوصية وهو ينازع الموت:
«من أتاكم ليسدد ما عليه من دين فاقبلوه، ومن أعرض فلا تلاحقوه، ومن نفى ولو كان دينه مسجلاً فاشطبوه».
ثلاث جمل قصيرة، ولكنها تكشف عن نفس أوسع من دفاتر الحسابات، وقلب لم يستطع المال أن يستعبده.
من جاء وفياً قُبل وفاؤه، ومن تأخر لم تُطارده المطالبات، ومن أنكر، ولو كان الدين مثبتاً في السجلات، آثر عُبَيِّد أن يتنازل عن حقه على أن يجعل المال سبباً في ملاحقته.
لم يكن يفرض هذا المسلك على غيره، وإنما اختاره في ماله، مؤثراً السماحة وسلامة الصدور.
ولعل أجمل ما في هذه الوصية أنها لم تكن حديثاً عابراً عن الكرم، بل توجيهاً لمن بعده أن يبقى باب العفو مفتوحاً إذا غابت يده.
وما أصدق انطباق المعنى القرآني على هذا الخلق الكريم: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280].
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ». رواه مسلم.
ونرجو أن يكون لخالي من هذا الفضل نصيب عظيم.
إذا نادى المؤذن
ومع كثرة أعماله وانشغاله بالتجارة، كانت الصلاة عنده موعداً لا يتأخر عنه، ولا يقدّم عليه مجلساً أو حديثاً.
فإذا ارتفع الأذان قطع ما كان فيه، وانصرف إلى المسجد، لا يستبقي من حديثه شيئاً ولو كان جليسه من أعز الناس عليه، ويسابق إلى الصف الأول.
وكان في ذلك درس صامت لمن حوله؛ أن المال مهما كثر، والتجارة مهما اتسعت، لا ينبغي أن تشغل القلب عن حق الله.
أما والداه، فقد كان لهما من بره وإحسانه ما قلّ أن تجد له مثيلاً؛ يكرمهما ويعظّم حقهما، ويمتد إحسانه إلى أقاربه ومعارفه.
وهكذا اجتمع في شخصيته ما لا يجتمع إلا في نفوس نادرة: صلابة العزم، ورقة القلب، وعزة النفس، والتواضع للناس، وبر الوالدين، والمحافظة على الصلاة.
حين بكت البادية رجلها
ثم جاء اليوم الذي لم تكن الرس تنتظره، ولم تكن أسرته مهيأة لفجيعته.
سافر عُبَيِّد إلى الرياض، وفي طريق عودته براً، وقد أصبح على مشارف الرس التي شهدت طفولته وبدايات تجارته، تعرض لحادث انقلاب أصيب فيه إصابات بليغة، لم تمهله إلا قليلاً حتى فاضت روحه إلى بارئها.
كان قريباً من الرس في المسافة، ولكن الأجل كان أقرب، فقد توقف للوضوء، ليلحق بالمصلين في مسجد بالرس، وإذا بحادث الموت يسبقه قبل أن يصل إلى المسجد.
رحل وهو لا يزال في عمر الرجولة، بلحيته السوداء التي كان البياض فيها غريباً، كأن المشيب لم يجد بعد متسعاً ليكتب على وجهه حكاية السنين.
مات قبل أن تشيخ ملامحه، ولكن مآثره كانت قد بلغت من النضج ما لا تبلغه أعمار مديدة.
ولم يكن المصاب مصاب بيت واحد؛ فقد بكته أسرته الكبيرة، وحزنت عليه محافظة الرس، وامتد خبر رحيله إلى مضارب البادية في أرجاء المملكة، حيث عرفه الناس بإحسانه، وتعلقوا به لما وجدوا عنده من نجدة وسماحة.
حتى من لم يلتقه كان يعرف اسمه من أحاديث الرجال الذين عادوا من عنده وقد قُضيت حوائجهم، أو سُددت مغارمهم، أو جُبرت خواطرهم.
ولكأن خبر وفاته حين بلغ مضارب البادية لم يكن خبراً عن رحيل تاجر من الرس، بل عن غياب رجل كان اسمه كالغيث، يتباشر به الناس كما تتباشر الأرض العطشى بطلائع المطر.
كانوا إذا أقبل عليهم عُبَيِّد استبشروا كما يستبشر أهل البادية بالغيث، فلما رحل أحسوا أن غيمة طالما أمطرت على حياتهم قد توارت عن سمائهم.
وليس أعظم من أن يرحل المرء فيبكيه من لا تربطه به قرابة، ويترحم عليه من لم يره قط، وإنما بلغه معروفه.
وكان أبوهما صالحاً
مضت على رحيل عُبَيِّد عقود، وتعاقبت السنون، وكبر الصغار الذين تركهم وراءه، ومضت بهم الحياة في دروبها.
وكلما تأملت سيرته، ونظرت إلى أبنائه وما أفاء الله عليهم من فضله، حضرت في قلبي تلك الآية العظيمة التي كشف الله فيها عن سر من أسرار لطفه بعباده، حين قال سبحانه في شأن الغلامين اليتيمين: {كَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا} [الكهف: 82].
يا لها من آية تفتح للآباء أبواب الرجاء!
فقد يموت الأب، وتبقى لأبنائه من بركة صلاحه آثار لا يدركون مداها، وقد تغيب يده التي كانت ترعاهم، فلا يغيب عنهم لطف الله الذي كان يرعاه ويرعاهم.
وإني لأرجو أن يكون ما نراه من فضل الله على أبناء خالي عُبَيِّد من آثار إحسان أبيهم وصلاحه.
فقد عاش يجبر خواطر أبناء الناس، فكيف لا نرجو من أكرم الأكرمين أن يجبر خواطر أبنائه؟ وعاش يطمئن الخائفين، ويعين من أثقلتهم هموم الحياة، فكيف لا نحسن الظن بربه أن يتولى ذريته بلطفه ورحمته؟
وكلما استحضرت رحيله المبكر، وصغاره الذين تركهم خلفه، خُيّل إليّ أن قلبه، وهو يفارق الدنيا، كان يستروح معاني الوعد الإلهي العظيم: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].
لا نزكيه على الله، ولا نشهد له بما لم نعلم، ولكننا نحسن الظن برب رحيم، ونرجو لعبد عُرف بالبر والإحسان أن يكون من أهل ولايته وكرامته.
وكأن سيرته كلها كانت تردد معنى قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
فيا عجباً لرجل أمضى عمره يفتح الأبواب للمحتاجين، ثم رحل وترك وراءه صغاراً لا يملك لهم بعد موته شيئاً إلا ما سبق به من عمل صالح، وما يرجوه لهم من رحمة الله!
لقد كان يُمهل المدين حتى يوسر، ويعفو عمن عجز، ويشطب دين من أنكر، برضاه وكرمه وكأنه كان يودع عند الله من صنائع المعروف ما يرجو أن يجده يوم لا تنفع خزائن الأرض ولا دفاتر الحساب.
وما أبهى أن يرحل الأب وتبقى لأبنائه سيرة إذا ذُكرت دعا الناس لصاحبها، واستعادوا مواقفه، فكأنما ترك لهم ميراثاً من الدعوات لا ينفد، وثروة من المحبة لا تنقصها السنون.
سيرة أطول من العمر
واليوم، وبعد هذه العقود، ما زلت أرى في سيرة خالي عُبَيِّد درساً في أن قيمة الرجل ليست بطول عمره، ولا بكثرة ماله، وإنما بما يتركه في حياة الناس من أثر.
لقد تعلّم في كنف أبيه عزة النفس، وفي سوق الرس حسن المعاملة، وفي مجالس البادية الوفاء، وفي مواقف الشدائد معنى النجدة، وفي بر والديه عظمة الإحسان ، ثم ترك سيرةً تعلم كل هذه المحاسن.
عرفته الأسواق تاجراً، وعرفته البادية سنداً، وعرفه المحتاج ملاذاً، وعرفه أهله باراً كريماً، ثم غيّبه الموت قبل أوان المشيب، وبقيت سيرته تتردد على الألسنة بعد أن غاب صوته.
رحم الله خالي عُبَيِّد بن مالك، وجعل ما بذله من إحسان، وما فرّجه من كرب، وما قضاه من حوائج، وما قدمه من بر وصلة، في موازين حسناته.
اللهم إن كان قد أحسن إلى عبادك، فأنت أكرم الأكرمين؛ فأحسن إليه بعفوك ورضوانك، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وأجمعه بوالديه وأهله وذريته في الفردوس الأعلى من الجنة.
سلام على عُبَيِّد في ذاكرة الرس، وسلام على مروءته في مضارب البادية، وسلام على رجل رحل بجسده، ثم مضى بين الناس عمراً آخر اسمه الوفاء.