صبحي شبانة
جاءت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية هذه المرة محمّلة بدلالات تتجاوز حدود التنافس الحزبي على مقاعد الكونجرس، فقد حمل انتصار الديمقراطيين على الجمهوريين رسالة سياسية مباشرة إلى البيت الأبيض، وأعاد رسم موازين القوة داخل واشنطن في لحظة شديدة الحساسية، في ظل تصاعد التوتر مع إيران، وتزايد المخاوف الاقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتنامي التساؤلات بشأن الوجهة التي تقود إليها سياسات دونالد ترامب، وبذلك تجاوزت النتيجة مجرد انتقال الأغلبية من حزب إلى آخر، لتكشف عن اتساع الفجوة بين طموحات القوة الأمريكية وكلفة استخدامها، وبين الوعود التي أطلقها الرئيس والواقع الذي بات يواجهه الأمريكيون في حياتهم اليومية.
في السياسة الأمريكية لا تقاس أهمية انتخابات التجديد النصفي بعدد المقاعد التي ينتزعها حزب من منافسه فحسب، وإنما بما تتركه من أثر في قدرة الرئيس على الحكم، وفي طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونجرس، وفي المساحة المتاحة أمام إدارة الرئيس دونالد ترامب لتنفيذ قراراتها، وعندما ينتقل مجلسا النواب والشيوخ معًا إلى سيطرة الحزب المعارض، فإن الرئيس لا يفقد سلطاته الدستورية، لكنه يفقد شيئًا لا يقل أهمية عنها، وهو سهولة الحركة، وحرية تمرير التشريعات، والقدرة على حشد الموارد السياسية والمالية اللازمة لتنفيذ أجندته دون مواجهة مؤسسية مستمرة، واصبح عليه أن يحسب خطواته مرتين، وأن يتوقع أن يجد خلف كل قرار كبير أسئلة عن مبرراته وكلفته ونتائجه، وأن يدرك أن الكونجرس لم يعد مجرد شريك تشريعي يمكن احتواء خلافاته، بل أصبح مركزًا مستقلًا للمساءلة والضغط والمنازعة السياسية.
وتزداد دلالة هذا التبدل في موازين القوى داخل واشنطن عندما يتعلق الأمر بحرب محتملة مع إيران، لا بمشروع اقتصادي أو خلاف تشريعي داخلي، فالحروب لا تبدأ دائمًا بالقرار الأصعب ، وإنما تكمن المعضلة الحقيقية في القدرة على إدارتها، وتحديد سقفها، ومنعها من التحول إلى صراع مفتوح تتسع جبهاته وتتجاوز نتائجه حسابات من أشعلها، وقد تملك واشنطن من أدوات القوة العسكرية ما لا تملكه أي دولة أخرى، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على التحكم في جميع تداعيات استخدامها، ولا تستطيع أن تضمن أن الضربة التي تحقق هدفًا عسكريًا ستنتج بالضرورة واقعًا سياسيًا أكثر استقرارًا، فإيران ليست مجرد هدف عسكري يمكن التعامل معه بمعادلات التفوق في الطيران والصواريخ والقدرات الاستخباراتية، وإنما دولة تملك جغرافيا إستراتيجية، وأدوات ضغط إقليمية، وقدرة على التأثير في أمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة، بما يجعل أي مواجهة واسعة معها قضية تتجاوز حدود الاشتباك العسكري إلى أمن الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة بأسرها، وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية أمام ترامب فالرئيس الذي احتفظ بسلطة القيادة العسكرية يجد نفسه الآن أمام كونجرس تسيطر عليه أغلبية ديمقراطية، قد لا تستطيع منعه من إصدار الأوامر العسكرية الأولى، لكنها تستطيع أن تجعل استمرار الحرب وتوسيعها وتمويلها موضع مواجهة سياسية وتشريعية مفتوحة، وبين سلطة الرئيس في تحريك القوات المسلحة وسلطة الكونجرس في التشريع والإنفاق والرقابة، تتحدد مساحة الحركة الفعلية للإدارة الأمريكية، وهذه المساحة ليست ثابتة، بل تتسع وتضيق وفق طبيعة العمليات العسكرية، وحجم الخسائر، وكلفة المواجهة، ومدى استعداد الرأي العام لتحمل حرب لا تبدو نهايتها واضحة.
لكن ما الذي يعنيه انتصار الديمقراطيين لطهران؟، وهل ستقرأه باعتباره فرصة لإضعاف موقف ترامب، أم ستدرك أن الخلاف داخل واشنطن لا يلغي المصالح الأمريكية الثابتة ولا يضمن تخلي المؤسسات السياسية عن مواجهة التهديدات الإيرانية؟، وماذا عن إسرائيل التي اعتادت أن تجد في واشنطن مظلة سياسية وعسكرية واسعة، هل ستظل قادرة على التأثير في مسار الحرب بالقدر نفسه، أم ستواجه إدارة باتت مضطرة إلى مراعاة كونجرس أكثر تشددًا في مساءلة قراراتها؟، وتكتسب إعادة تشكيل موازين القوى داخل واشنطن أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج، والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص، التي تنطلق في تعاملها مع هذه التطورات من رؤية تستند إلى حماية أمن المنطقة، وتعزيز استقرارها، والحفاظ على مصالح دولها وسيادتها، فالمملكة بما تمتلكه من ثقل سياسي ودبلوماسي ومكانة إقليمية ودولية، تواصل العمل على احتواء التوترات، وتغليب الحلول السياسية، والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة تهدد أمنها ومقدرات شعوبها، مع التمسك في الوقت ذاته بحق دول المنطقة في حماية سيادتها والتصدي لأي تهديدات تمس أمنها الوطني.
إن ما جرى في انتخابات التجديد النصفي لا يقدم إجابات جاهزة عن هذه الأسئلة، لكنه يغير البيئة السياسية التي ستُصنع في داخلها الإجابات، فالبيت الأبيض لم يعد يتحرك في واشنطن بالسهولة نفسها، والحرب لم تعد ملفًا يمكن عزله عن الحسابات الداخلية، والكونجرس بات يمتلك من الأدوات ما يسمح له بالتأثير في توقيت القرارات العسكرية وحدودها وكلفتها، حتى إن لم يمتلك القدرة على وقفها بصورة مباشرة، ومن هنا فإن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه ليس فقط ما إذا كان ترامب قادرًا على مواصلة الحرب مع إيران في ظل أغلبية ديمقراطية، بل ما إذا كان قادرًا على تحويل التفوق العسكري إلى مكسب سياسي، وعلى تحديد نهاية لمواجهة قد تكون بدايتها في يد واشنطن، لكن نهايتها لن تكون بالضرورة كذلك، لقد حملت نتائج الانتخابات دلالة واضحة على أن الحرب لم تعد ملفًا خارجيًا منفصلًا عن المزاج الداخلي الأمريكي، فالناخب الذي يواجه ارتفاع تكاليف المعيشة، ويشعر بضغط الأسعار والرسوم الجمركية، ويتابع اتساع رقعة المواجهة العسكرية، لن ينظر إلى قرارات البيت الأبيض باعتبارها شأنًا إستراتيجيًا بعيدًا عن حياته اليومية، وعندما تتزامن هذه الأعباء مع مخاوف من حرب طويلة لا تتضح أهدافها النهائية، تتحول السياسة الخارجية إلى عامل مباشر في تحديد مستقبل الحزب الحاكم، ومن هذه الزاوية فإن الخسارة الجمهورية لا تعكس مجرد تراجع في شعبية مرشحين أو إخفاق في إدارة الحملات الانتخابية، بل تكشف عن اتساع الفجوة بين خطاب القوة الذي يقدمه الرئيس وبين الأسئلة التي يطرحها الناخب حول جدوى هذه القوة وكلفتها والنتائج التي يمكن أن تحققها.
لكن القراءة السياسية الدقيقة تقتضي ألا نبالغ في تفسير النتيجة باعتبارها تفويضًا ديمقراطيًا لوقف الحرب أو تغييرًا جذريًا في الموقف الأمريكي من إيران، فالديمقراطيون الذين فازوا بالأغلبية ليسوا كتلة واحدة متطابقة في رؤيتها للسياسة الخارجية، كما أن الاعتراض على طريقة إدارة الحرب لا يعني بالضرورة رفض استخدام القوة في مواجهة تهديدات أمنية محددة، وقد تتفق الأغلبية الجديدة مع الإدارة على ضرورة حماية القوات الأمريكية، وتأمين الملاحة الدولية، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنها تختلف معها بشأن شرعية العمليات وحدودها، ومدى ارتباطها بأهداف أمريكية مباشرة، ومخاطر تحويل الضربات العسكرية إلى حرب استنزاف مفتوحة، وهذا التمييز مهم لفهم ما قد يحدث في واشنطن، لأن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة بين فريق يريد الحرب وفريق يرفضها، وإنما بين رؤيتين لإدارة القوة الأمريكية وتحديد الغايات التي ينبغي أن تخدمها، ومن الناحية الدستورية لا يؤدي انتقال الأغلبية في الكونجرس إلى سحب صلاحيات الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يمنح الديمقراطيين حق إصدار قرار مباشر بوقف كل العمليات العسكرية، فالرئيس يحتفظ بسلطات تنفيذية وعسكرية واسعة، ويمكنه اتخاذ إجراءات عسكرية أولية في ظروف معينة دون انتظار موافقة تشريعية مسبقة على كل تحرك، غير أن الدستور يمنح الكونجرس بدوره سلطات جوهرية تتصل بإعلان الحرب وتنظيم استخدام القوة المسلحة واعتماد الأموال اللازمة للعمليات العسكرية، وبذلك فإن المسألة لا تتعلق بمن يمتلك سلطة مطلقة، وإنما بكيفية توزيع الصلاحيات بين مؤسسات الدولة، وبقدرة كل طرف على استخدام أدواته الدستورية للتأثير في القرار النهائي.
ويكتسب قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 أهمية خاصة في هذا السياق، إذ يضع إطارًا لإخطار الكونغرس عند إدخال القوات الأمريكية في أعمال قتالية، وينظم المدة التي يمكن أن تستمر خلالها بعض العمليات دون تفويض تشريعي أو إعلان للحرب. وينص القانون، في الحالات التي تنطبق عليها أحكامه، على مهلة تصل إلى 60 يومًا لاستمرار استخدام القوات في الأعمال العدائية دون تفويض من الكونغرس، مع مهلة إضافية تصل إلى 30 يومًا لسحبها في الظروف التي يحددها القانون. وقد اختلفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تفسير هذه الأحكام وتطبيقها، لكن وجود أغلبية معارضة في المجلسين سيجعل تجاوز الجدل القانوني أكثر صعوبة، ويمنح الديمقراطيين مساحة أوسع لمطالبة الإدارة بتوضيحات رسمية بشأن الأساس القانوني للعمليات وأهدافها وحدودها الزمنية، والأداة الأكثر تأثيرًا في يد الكونجرس قد لا تكون إصدار قرار رمزي يعارض الحرب، وإنما استخدام سلطاته المالية والرقابية بصورة متدرجة، فالحرب لا تستمر بالقرارات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى اعتمادات مالية وذخائر وإمدادات وصيانة وانتشار عسكري وقدرات استخباراتية ولوجستية، ويستطيع الكونجرس فتح تحقيقات، واستدعاء مسؤولي الدفاع والخارجية، ومطالبة الإدارة بتقديم تقارير عن الخسائر والتكاليف وتقديرات الموقف العسكري وخطط التصعيد والتفاوض، كما يمكنه السعي إلى ربط بعض الاعتمادات المالية بشروط تتعلق بنطاق العمليات أو الإبلاغ عن نتائجها أو تحديد أهدافها.
إن امتلاك الأغلبية لا يعني أن كل هذه الأدوات ستتحول تلقائيًا إلى قيود نافذة، فتمرير التشريعات يتطلب مراعاة الإجراءات الدستورية، وقد يصطدم بعضها بحق النقض الرئاسي، الذي لا يمكن تجاوزه إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين، كما أن وقف التمويل أو تقييده قد يثير خلافات بشأن حماية القوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة، وهي مسألة يمكن أن تدفع بعض الديمقراطيين أنفسهم إلى التحفظ على إجراءات يرون أنها قد تعرض الجنود للخطر، ومن ثم فإن التأثير الأرجح للأغلبية الجديدة قد يبدأ بتضييق مساحة الحركة السياسية أمام ترامب، ورفع كلفة قراراته، وإجباره على تقديم مبررات أكثر وضوحًا، قبل أن يصل إلى محاولة فرض قيود تشريعية مباشرة على الحرب، وهنا يظهر الفارق بين قدرة الرئيس على بدء المواجهة وقدرته على الاستمرار فيها، فقد يستطيع ترامب اتخاذ قرار بالتصعيد، لكنه سيحتاج إلى حسابات أكثر دقة إذا اتسعت الحرب، وارتفعت كلفتها، وتزايدت احتمالات تعرض القوات الأمريكية للاستنزاف، أو اضطربت أسواق النفط والممرات البحرية، فالمواجهة مع إيران ليست حربًا تقليدية يمكن قياس نتائجها بعدد المنشآت التي تتعرض للقصف أو حجم الخسائر العسكرية التي تلحق بالطرف الآخر، وإنما صراع تتداخل فيه القدرات الصاروخية والدفاعية، والجغرافيا البحرية، وشبكات النفوذ الإقليمي، وأمن الطاقة والتجارة الدولية، وقد تستطيع طهران حتى في ظل تفوق عسكري أمريكي واضح، رفع كلفة المواجهة من خلال توسيع نطاق التهديد أو إطالة أمد الصراع أو الضغط على الملاحة في الخليج ومضيق هرمز.
ولذلك فإن أي حرب طويلة ستضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة، إذ قد تحقق الضربات العسكرية أهدافًا تكتيكية مهمة، لكنها لا تضمن بالضرورة تحقيق تسوية سياسية مستقرة، وقد يؤدي اتساع العمليات إلى ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف النقل والتأمين، وتزايد المخاوف من التضخم، واضطراب سلاسل الإمداد، وهي تداعيات لا تتوقف عند حدود الشرق الأوسط، وإذا شعر المواطن الأمريكي بأن بلاده تدفع ثمنًا اقتصاديًا متزايدًا دون أن تقترب من نهاية واضحة للحرب، فإن الضغط السياسي على البيت الأبيض سيتضاعف، وسيصبح الكونجرس منصة لمساءلة الإدارة عن العلاقة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية، أما إيران فقد تنظر إلى التحول في واشنطن باعتباره فرصة لاختبار تماسك القرار الأمريكي، والرهان على أن الضغوط الداخلية ستدفع ترامب إلى تقليص خياراته العسكرية أو قبول مسار تفاوضي ، لكن طهران ستكون مخطئة إذا اعتقدت أن الأغلبية الديمقراطية تمثل ضمانة لوقف المواجهة، أو أن الخلاف الحزبي سيمنع الولايات المتحدة من الرد على أي استهداف كبير لقواتها أو مصالحها الحيوية، فالأحزاب الأمريكية قد تختلف بشأن توقيت استخدام القوة ومداه، لكنها تستطيع أن تتقارب عندما يتعلق الأمر بتهديد مباشر للأمن الأمريكي أو للملاحة الدولية، ولهذا فإن الانقسام داخل واشنطن قد يفتح نافذة للدبلوماسية، لكنه قد يتحول أيضًا إلى مصدر ضغط إضافي على إيران إذا أقدمت على تصعيد يمنح خصومها مبررات أوسع للتحرك.
في المقابل قد يدفع انتصار الديمقراطيين ترامب إلى إعادة ترتيب أدواته، بحيث يجمع بين الردع العسكري والعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية، بدلًا من المضي في حرب مفتوحة يصعب التحكم في نهايتها، وقد يجد الرئيس أن الوصول إلى تفاهم سياسي يحفظ صورة القوة الأمريكية ويحد من المخاطر الإقليمية أقل كلفة من مواجهة طويلة تستنزف الموارد وتستنزف رصيده السياسي، لكن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا بطبيعة المطالب الأمريكية، واستعداد طهران للتفاوض، وقدرة الأطراف الدولية والإقليمية على بناء تفاهمات تمنع تجدد التصعيد، فالتفاوض لا يصبح ممكنًا لمجرد تغير الأغلبية في الكونجرس، كما أن استمرار الحرب لا يصبح حتميًا لمجرد احتفاظ الرئيس بصلاحيات القيادة العسكرية، وبالنسبة إلى إسرائيل فإن تغير موازين القوى في واشنطن قد يفتح نقاشًا أكثر صرامة حول حدود الدعم الأمريكي للحرب، ومدى ارتباط الأهداف الإسرائيلية بالمصالح الأمريكية المباشرة، ولا يعني ذلك أن الديمقراطيين سيتخلون عن التحالف الإستراتيجي مع إسرائيل، فالعلاقات بين البلدين تقوم على مؤسسات ومصالح أمنية وسياسية راسخة، لكنها قد تصبح أكثر عرضة للمساءلة بشأن نطاق العمليات العسكرية وتداعياتها الإنسانية والإقليمية، وشروط الدعم المالي والعسكري، وقد تجد الحكومة الإسرائيلية أن قدرتها على التأثير في قرارات واشنطن لم تعد تعتمد على البيت الأبيض وحده، بل تتطلب التعامل مع كونجرس يضم اتجاهات مختلفة بشأن مستقبل الصراع في المنطقة.
وعلى صعيد المملكة العربية السعودية ودول الخليج، فإن ما جرى في واشنطن يحمل رسالة إستراتيجية تتجاوز متابعة التجاذبات السياسية والحزبية داخل الولايات المتحدة، فالمنطقة ليست طرفًا هامشيًا في هذه المعادلة، بل تقع في قلب تداعيات أي مواجهة واسعة مع إيران، سواء من حيث أمن المنشآت الحيوية والممرات البحرية أو استقرار أسواق الطاقة والتجارة والاستثمار، والمصلحة السعودية والخليجية لا تتمثل في اتساع الحرب، كما لا تتمثل في ترك التهديدات الإقليمية دون معالجة، وإنما في بناء منظومة أمنية إقليمية تحمي السيادة الوطنية، وتمنع استهداف الدول ومقدراتها، وتحول دون تحويل الخليج إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، ومن هنا تبرز أهمية تنويع قنوات التواصل مع مؤسسات القرار الأمريكي، وعدم حصر العلاقات في البيت الأبيض مهما كانت طبيعة الإدارة القائمة، فالتواصل مع الكونجرس بمجلسيه، واللجان المعنية بالدفاع والسياسة الخارجية والاعتمادات المالية، يكتسب أهمية إضافية عندما تصبح السلطة التشريعية في يد حزب معارض للرئيس، كما أن توضيح المصالح العربية في أمن الملاحة والطاقة والاستقرار الإقليمي، وشرح مخاطر الحرب المفتوحة على الاقتصاد العالمي، يمكن أن يسهم في بناء فهم أوسع لدى مختلف مراكز القرار الأمريكي لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، فالعلاقات الإستراتيجية المستدامة لا تقوم على الرهان على حزب واحد، وإنما على المصالح المتبادلة والتواصل المؤسسي والقدرة على التعامل مع المتغيرات السياسية، ولا يقتصر أثر الأغلبية الديمقراطية على الحرب مع إيران، بل قد يمتد إلى ملفات الشرق الأوسط الأخرى، من القضية الفلسطينية إلى سوريا ولبنان واليمن والعراق، وإلى مراجعة أولويات الإنفاق الأمريكي والانخراط العسكري في المنطقة، غير أن هذه التحولات لن تكون بالضرورة سريعة أو جذرية، لأن السياسة الخارجية الأمريكية تتشكل من تفاعل مؤسسات متعددة، وتؤثر فيها التحالفات القائمة والمصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والتنافس الدولي، لكن وجود كونجرس معارض قد يجعل قرارات الإدارة أكثر خضوعًا للنقاش، ويزيد من صعوبة تمرير سياسات خارجية مكلفة لا تحظى بتأييد داخلي كافٍ.
إن ما شهدته واشنطن من تطورات سياسية لا يعني أن ترامب فقد قدرته على استخدام القوة العسكرية، لكنه يكشف أن قراره لم يعد بمنأى عن قيود سياسية ومؤسسية أكثر وضوحًا، فالرئيس قد يمتلك سلطة إصدار الأمر ببدء العمليات العسكرية، لكنه لا يملك وحده تحديد مسار الحرب، أو ضمان نتائجها، أو التحكم في كلفتها السياسية والاقتصادية، فضلًا عن ضمان استمرار التأييد الداخلي لها، فبين الصلاحيات الدستورية للرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ودور الكونجرس في التشريع والتمويل والرقابة، تتحدد حدود الحركة المتاحة للبيت الأبيض، ومدى قدرته على مواصلة أي مواجهة عسكرية خلال المرحلة المقبلة، وفي نهاية المطاف فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كان ترامب يستطيع خوض الحرب مع إيران رغم خسارة حزبه للأغلبية في الكونجرس، بل ما إذا كان يستطيع تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية قابلة للاستمرار، في ظل معارضة تشريعية متصاعدة وضغوط اقتصادية وانتخابية متزايدة، فالحروب لا تُحسم دائمًا في ميادين القتال، ولا تُقاس نتائجها بحجم القوة المستخدمة وحدها، وإنما بقدرة الدول على تحديد أهداف واقعية، وإدارة المخاطر، وبلورة تسوية سياسية تضع حدًا للصراع، وقد يكون انتصار الديمقراطيين قد جعل هذه الحقيقة أكثر حضورًا في واشنطن، وفتح مرحلة جديدة يصبح فيها قرار الحرب أقل انفصالًا عن حسابات الداخل الأمريكي، وأكثر ارتباطًا بموازين القوى داخل المؤسسات الدستورية، أما الشرق الأوسط فلا ينبغي أن تظل مصلحته رهينة انتظار ما ستسفر عنه التجاذبات السياسية داخل الولايات المتحدة، بل تكمن في قراءة المتغيرات في موازين القوى الدولية، وتوظيفها لبناء منظومة أمن إقليمي أكثر استقرارًا، تحمي سيادة الدول العربية ومصالحها، وتحصّن المنطقة من الانزلاق إلى مواجهة واسعة لا يقتصر ثمنها على أطرافها المباشرين، بل يمتد إلى أمن المنطقة واقتصاداتها ومستقبل شعوبها، فالحروب قد يكون قرار إشعالها بيد طرف واحد، لكن تداعياتها لا تخضع لإرادة طرف بعينه، ولا يملك أحد ضمان السيطرة على نهاياتها.